مهند خيري
“ما في مشكلة”.. هذا ما قاله العامل الهندي بفندق “جروسفينور هاوس” بدبي -حيث أقيم- عندما أخبرته أنني لا أملك دراهم إضافية لأعطيه “بقشيشاً” لقاء إحضار الطلب إلى غرفتي، وهو أمر يخالف قوانين الفندق أصلاً.
كنت قد أعددت كأسا من النبيذ (عصير عنب في الواقع) لأحتسيه مع الطعام، وشغلت التلفاز لأستمع لأغانيّ المفضلة، “الجاز” طبعاً (مهرجان شعبي بالتأكيد)، بل ورقصت “سلو” مع المرآة.. نعم، هذا حدث بالفعل! لم تكن الأغاني صاخبة كفاية، وشعرت يومها أنني أعاني من خطب ما في السمع، وأن عليّ زيارة الطبيب في أقرب وقت. رفعت صوت الموسيقى أكثر فأكثر، حتى سمعت صوت تخبيط من الحائط. ارتعبت، وظننت أن للحيطان آذاناً فعلاً، فوضعت أذني عليها، لكن الصوت تلاشى تدريجياً من القرب إلى البعد على هيئة خطوات أقدام صغيرة، حتى طرقت تلك الأقدام بابي.
فتحت الباب لأفاجأ بأن الملائكة أصبحت تنزل على الأرض هذه الأيام!
-يا تنقص في الزياط هذا يا توة تشوف العرض!
يا لهذا الملاك الغاضب بعينين بنيتين كحبات البندق الدافئة في الشتاء، وشعر قصير كأنها من حواري باريس، لكنني اعتقدت أنها غجرية بسبب تلك اللغة العجيبة التي لم أفهم منها كلمة، وتلك الشفاه التي تشبه حبة الكرز وهي تنطق بكلمات غاضبة، وجسدها “الكيرفي” الذي يلفه “روب” الحمام الخاص بالفندق.
-يا خي في وذنيك الطرش؟
أعتقد أنني فهمت هذه الجملة.. قلت لها:
-إيه يا قمر في إيه؟
-راني قتلك وطي في الصوت!
آه.. ها هي تعتقد أن صديقها “راني” عندي! هل جاءت لتستفزني؟ ألا تعلم أنني أغار؟
قلت لها:
لا والله راني مش هنا.. الشقة غلط!
كنت أعلم أن هناك “خازوقاً” ما يلوح في الأفق حين بدأت بإغلاق الباب وهي تقول:
-شكون راني؟ قتلك نقص في الصوت، وطي الأغاني يعني!
إذن هي هنا من أجل مغازلتي بحجة الأغاني وليس من أجل “راني”! هذه هي فرصتي الحقيقية، فقلت بذكاء منقطع النظير:
-تحبي تدخلي توطيها إنتي؟
انتهى الحديث هنا، وانطفأت الأغاني فجأة.. أم أن “الكف” كان قوياً لدرجة جعلتني أسمع صافرة القطار لبضع دقائق؟ جلست على سريري بعد أن أطفأت الموسيقى طبعاً، فأنا لست من محبي الصفع. كنت ألملم أفكاري وأبحث عن وسيلة لأصلح بها صورتي أمام هذه الفتاة الجميلة، فجاءتني فكرة عبقرية: سأذهب لغرفتها لأعتذر!
قمت من السرير بكل ثقة وقوة وخرجت من غرفتي، ويا لغبائي! لقد نسيت “كارت” الغرفة بالداخل. لم يوقفني ذلك، وبـ “روب” الحمام طرقت بابها مرة فلم تفتح، والثانية فلم تفتح، وفتحت في الثالثة.. فأنا لا أطرق الباب أكثر من ثلاث مرات يا حلوة.
-آش تحب؟
-أنا كنت جاي بس أعتذر لك عن سوء التفاهم، وبالصدفة الباب قفل.. شكلي هنام عندك النهاردة.. ههه هه.
كان الخد الأول ما يزال محمراً، والآن أصبح وجهي كله كحبة طماطم! نزلت إلى “الريسيبشن” بالروب لآتي ببطاقة جديدة، وحالفني الحظ بوجود صديقي الهندي، وتمت المهمة سريعاً بفضل الله ثم بفضل صديقي ذي رائحة التوابل.
في اليوم التالي، كنت أتناول الطعام في مطعم الفندق المطل على المارينا. كان صحني مليئاً بالجمبري وقطع اللحم -فهذا هو طبقي المفضل- مع بعض الـ… ها هي صافعة الوجوه قد أتت! بالأمس تصفعني والآن تأكل أمامي وحيدة لكي تجذبني نحوها ثم تصفعني ثالثاً.. لكن كما يقال: “الثالثة تابتة” قمت باتجاها
-في حد معاكي؟
(أغمضت عيني احتياطياً).
-“لا.”
أوه! لم أُصفع هذه المرة، وهذا تقدم في حد ذاته. لكنها قالتها بنبرة حزينة، هل آذى أحد ملاكي الجميل؟
-ممكن أقعد معاكي شوية؟
-مانيش منجمة نسمع حتى شيء صدقني.
نظرت لها ببلاهة، فأوضحت:
-يعني مش قادرة أتكلم في حاجة.
حد مضايقك ولا إيه؟
-إنت شيهمك؟
جلستُ على الفور وقلت:
لا يهمني طبعاً
-اسمع، راني مسامحتك على البارح، أما ما نحبش تكسير راس، باهي؟مش عايزة صداع يعني؟ تمام
-مش هعمل صداع، هقعد أتفرج عليكي وأنا باكل بس ونبي متجبيش سيرة راني ده تاني علشان بتخنق
أعتقد أنها وافقت لأنها لم تبدِ أي ردة فعل بل ضحكت ضحكة صغيرة، لكنها كانت حزينة للغاية، وأنا لا أحب رؤية امرأة بجمالها في هذه الحالة. بعد انتهائي من الطعام، عرضتُ عليها أن نتمشى قليلاً، فردت عليّ:
-“داكور” (D’accord).
الحمد لله أنني أتقن بعض الفرنسية، وإلا لكنت قد وُضعت في موقف “الفلاحين”. انتظرتني أمام المرحاض أثناء غسلي ليديَّ من أثر الجمبري الذي قشرته بنفسي، فأنا لا أحب الجمبري المقشر مسبقاً. هرمنا حتى نزلنا من الفندق، وسلكنا المنحنى اليمين الذي يطل على الممشى المطل على المارينا، وبدأنا بالحديث عن بلادنا والأمة العربية، وعلمت منها الفرق بين دول المغرب العربي، الذي لم أدرك أبداً أن هناك اختلافاً بينهم، فقد كنت أعتبر التونسيين والمغربيين والجزائريين واحداً. وأخذت أحكي لها عن طبيعة عملي وهي الكتابة، وأنني أكتب لكي أعيش، وشاركتها بعضاً من أفكاري فردت عليَّ قائلة:
-ياحباني هذه ما أحلاها
-ما أحلاكي أنتي
-حشمتني… كسفتني يعني
أعجبني أنها صارت تفهم بلاهتي دون أن أتحدث حتى.
-أنتي قاعدة هنا قد إيه صح؟
-ماشية بعد ست ساعات
هل تمزح معي هذه الفتاة؟ بعد الحب ده كله يا قلبي قولي إزاي أبعد وأنساك! هذه الأغنية التي آتت لرآسي لأكمل رسلان حينها.. لا حقاً، كيف نسيت أن تخبرني بمعلومة كهذه بعد أن تمشينا سوياً لمدة نصف ساعة؟
-هترجعي بلدك؟
-لا أنا كابين كرو
حينها سمعت أغنية “عايزين عيشة من النضيفة، عايز أصاحب المضيفة” لمروان بابلو. على الرغم من خوفي من بعدها عني وحزني لنفس السبب، إلا أنني كنت متحمساً كثيراً لأراها بملابس العمل.
-حلو، بس يعني ليه مقلتليش إنك ماشية النهاردة؟ مش حاسة كان المفروض أعرف من بدري؟
-أنا عارفاك من نص ساعة
يا لهذا الإحراج والكذب معاً؛ إحراج وكذب لأننا تلاقينا أمس وليس منذ نصف ساعة.
-صح، بس يعني هتوحشيني
-وانت كمان
-انت اتعلمتي مصري منين؟
-مم.. كنت بشوف أفلام مصرية كتير وانا صغيرة
أم أن الـ “إكس” مصري؟ أو زوجك أو حتى عشيقك؟ ممم..
-انتي عندك كام اكس
-ولا واحد
-يعني دخلتي كام علاقة
-ولا واحدة
بالتأكيد هناك فخ ما هنا، فلا يوجد أحد في هذا الزمن لم يخض على الأقل تجربة واحدة.
-انتي يعني من النوع اللي مبيعدش غلطاته؟
-صحيت بالظبط كده ياباشا
صرت غاضباً الآن حقاً، فلا أحب الاستهوان بعقلي.
-يعني كام مرة يعني
-إن شاء الله لاباس…تغار عليا؟
هذا ما قالته بلهجتها المستفزة وعيونها التي تشبه البيض البني وهي تنظر لي بسخرية شديدة جعلتني أنكر كل ما بداخلي:
-لا وانا هغير عليكي ليه
-مرة واحدة بس
إذاً هذا من كانت حزينة عليه قبل نزولنا للتمشية.
-اه
-من زمان يعني الكلام ده،أما توة فما حد
انظر، أعتقد أنني أتمادى قليلاً في مشاعري، يجب أن أهدأ قليلاً لكي لا أخسر هذه الفتاة، فإنها حقاً تعجبني بلهجتها التونسية الجميلة الممزوجة بالفرنسية والاونجليه(الإنجليزية) كما تقولها هي،والمصرية “من أجلي”. وها هي مرت نصف ساعة أخرى من التمشية.
-تروحي معايا ديت ؟
-شنو ديت؟
-يعني رانديفو.. رانديفو
-رانديفوووو……ليه لا
نعم، هذا ما كنت أعنيه أيها العبقري الصغير!
-هنرجع نغير و هستناكي قدام الفندق بعد ما اخلص علي طول
-باهي
ركضنا ضاحكين للفندق لكي نلحق الوقت وكأن الزمن توقف بنا من شدة سرعتنا التي كانت تضاهي سرعة سيارة بورش 911 (حقيقة كنا نركض كحيوان الكوالا).
أنتظرها أمام باب الفندق لكنها تأخرت كثيراً، وأنا أريد أن أستغل كل دقيقة معها. هل تنتظرني هي في “الريسيبشن”؟ ذهبت للريسيبشن للبحث عنها ببدلتي المنمقة السوداء لكن لم أجدها، فسألت عنها الموظفة المصرية التي وجهت لي سؤالاً مهماً للغاية:
-اسمها إيه يا فندم
“اسمها إيه يا فندم؟” فعلاً هذا سؤال غاية في الأهمية! كيف لم يخطر على بالي أن أسألها عن اسمها؟ هي تبدو كـ “سلمى” فظننت أنها سلمى، لكن في لقائي لها في المطعم شعرت أنها أصبحت “مني”، أما أثناء تمشيتنا فشعرت أنها “ليلى”. التفتُّ لأجدها مباشرة في وجهي بفستان أسود ومكياج بسيط فهي لا تحتاجه البتة، وشعرها الذي صففته، ورائحة عطرها “فالنتينو” الممزوجة مع جسدها الذي تفوح منه رائحة “الشيري”. وددت أن ألتهمها في تلك اللحظة.
– هو أنتي اسمك إيه؟
ضحكت كثيراً، لا، كثيراً كلمة قليلة؛ ضحكت بإفراط يؤدي لتقلصات المعدة التي تأتيك من شدة الضحك.
-ياخي لتوا متفكر
أعتقد أن هذه تعني “أنت لسه فاكر؟”، لكن حقاً لا يمكنها لومي، فلم تسمح الظروف أن أسأل هذا السؤال وهي أيضاً لا تعرف اسمي، فما المشكلة؟ لن أعتذر بالتأكيد لأنني لم أسأل عن اسمها.
-انا اسف جدا هي بس الظروف مسمحتش
-اسمي ريم، وانت شسمك؟
ريم! ياه لهذا الاسم الجميل الذي لم أتوقعه أبداً.
-انا اسمي مهند
-انت في مسلسل تركي ولا ايه؟ههه
لم أعلم أن التوانسة لديهم نفس البضان المصري الذي ظننت أنه أصيل، لكن اتضح أنه عالمي.
-هههههه، دمك خفيف اوي
أحب أن أتعامل دائماً بالمبدأ الجميل (Happy Wife, Happy Life)
-يعيشك
-يلا طيب ولا هنعمل الرانديفو في الريسيبشن واحنا واقفين
-إيه صحا يلا
أخذتها من يديها الرقيقة التي ترتدي فيها ساعة صغيرة ذهبية و انطلقنا مسرعين للمطعم الذي حجزت به، وقد كان تبقى فقط ثلاث ساعات على رحيلها. دخلنا للمطعم وها هي موسيقى الجاز الفعلية والإضاءة الحمراء الراقية ورائحة العنبر والعود العربي ممزوجة برائحة فتاتي ريم. أعتقد أنه كان يجب عليها أن تخفف عطرها قليلاً، فأنا لا أحب أن يشمها أحد غيري. جاءني الجرسون المصري.. دائماً أشعر أنني لم أترك مصر، كلما تركت هذا الشعب الكسول الحبوب أجده في مكان ما.
-مساء الخير يا فندم.. فيه حجز
-اه بإسم مهند.. مهند خيري
-مظبوط يا فندم
تحرك النادل وتحركت وراءه جاراً فتاتي بيدي. أعجبني أنها لا تتعامل ولا تنظر حتى للعامة، بل تتركني أؤدي وظيفتي كرجل
-المكان حلو اوي
-علشان انتي فيه بس
-ياولدي
-ولدك ايه يا بت انتي عبيطه ولا ايه
-ههههههه
شعرت بتوتر رهيب بسبب العد التنازلي الذي أعيشه الآن بفضل هذه الفتاة اللامعة. كيف لي أن أرجع لوحدتي وغرفتي وكتاباتي بعد رحيلها؟
-انا مبسوط معاكي و امبارح من ساعة ما شوفتك…وانا حاسس اني بقيت بحب اعيش ودي حاجه عمري ما حسيتها من زمان وانا بعيش علشان لازم اعيش مش علشان عايز اعيش فاهمه حاجه؟
كانت هي من النوع الذي يمكنك المزاح معه والحديث الجاد العميق في نفس الوقت، كما علمني عمي هذا الطبع منذ صغري قائلا:
-فرق بين الهزار و الجد
من حينها وأنا أفرق تماما بينهما، واحترم المزاح والجد وأعطيهما حقهما الكافي. بماذا مرت هي لتكتسب هذه الطباع الحميدة؟ وكيف يبدو والداها ليخرجا مزيجا بهذا الجمال؟
-فهماك طبعا.. انا كمان
-انتي كمان ايه
-انا كمان حسيت بهكا
إذاً هي تبادلني المشاعر. أضعفتني قليلاً عندما قالتها وعيناها تداعب عيناي، وشفتيها الممتلئتين الحمراوتان تتحركان ببطء حتى أنني شعرت أنني أريد أن أتقدم لها في تلك اللحظة، لكن لم أملك خاتماً بجيبي.. فاتتني هذه.. أحمق!
-تيجي نتمشي؟
ماذا أفعل؟ ستظنني بخيلاً لم أطلب لها شيئاً حتى، لكنها أومأت برأسها بالموافقة على الفور. أخذتها وطرنا إلى الخارج وقد كان متبقٍ فقط ساعة واحدة. كيف يمر الوقت بهذه السرعة؟ اتضح أن الأوقات الحلوة فعلاً تمر بسرعة. ذهبنا ركضاً لشارع “جي بي آر”، دخلنا للملاهي ولعبنا لعبتين، وقد كسبت في واحدة منهما دبدوباً كبيراً للغاية أهدته لها، ثم ركضنا لمحل الآيس كريم وطلب كلانا نكهة الفانيليا، ثم ركضنا لـ..
-انا لازم امشي
وقفت مصدوماً كأنني دخلت غرفة نومي ووجدت زوجتي مع عشيقها بسريري. لم أقدر على التحدث فعلياً، كل ما خرج مني وقتها هو “تمام”. وعمّ الصمت بيني وبينها حتى أخذتها للمطار، وحينها داعب الهواء وجهي دمعت عيناي وبدأت هي في البكاء، فقلت لها:
-ممكن رقمك
كانت تضحك وتبكي:
-اكيد ممكن
أعطتني رقمها لكنها أخذت مني روحي. كان الهواء قوياً لأول مرة في حياتي بدبي، شعرت أن لهذا معنى، وأنها لا يجب أن تصعد على متن هذه الطائرة، وردت عليَّ كأنها صارت تقرأ أفكاري:
-مش هينفع
احتضنتها وظللنا نبكي في حضن بعضنا البعض، حتى تقلص الحضن إلى سندة رأس على الكتف، ثم إلى مسكة يد، حتى وصلت إلى يدها تترك يدي..تلاشت يدها من يدي، وظللت واقفاً في مكاني أراقب الطائرات وهي تقلع.















