زهير كريم
تتعاضدُ الموسيقى واللوحةُ وشعريةُ اللغةِ في تشييدِ البنيةِ السرديةِ لهذه الرواية، وتتجلى شعرية السرد بخفة حضور الشخصيات، وبتأثيث المكان وروحانية الزمان بوصفه موسما لقطف المسرات، وبدون تعسف تمتزجُ البساطةُ في اللغة، والتي تخلو من الابتذال في اقتفاء أثر الحكاية مع الصوتُ المنخفضُ للراوي، واتسام الرحلة السردية كلها بالبراءة التي تحاول إزالة تجاعيد الزمن عن الصور، وتحرير المخاوف من خلال التواصل مع الشخصيات التي هي مصدر الأمان، ويحضرُ المكانُ الحلمي، ببساتينِه وأزقته الضيقةِ ووجوهِ سكانِه بما يشبه النوستالجيا غير المبالغ بها، نص تظهر فيه الشخصيات كأنها تؤدي الأدوارَ في حلم، فهي في اسوأ حالاتها لم تتخل عن المسرات الصغيرة، يرسمها الراوي كما لو أنه يستعيد بطولة مفقودة أو فردوسا غائبا. لكن الحضورَ كله كان للبيت، بيت الراوي، لصالةِ الضيوف حيث البندقيةُ المثبتةُ على الجدار، علامة على الأب الصياد، حيث تظهر مهارته في استخدام المسدس فيما بعد، إذ يطلق منه خمس رصاصات غير قاتلة.
لكن المسار المضمر لرحلة هذا النص تتعلق بالكتابةُ بوصفها الطريقةٌ الفضلى للقبض على الطمأنينة بعد استعادتها من فخاخ الزمن، فكل كتابة هي استعادة لغائب، وكل كتابة هي مأوى من الخوف، وكل كتابة هي حجر يضيء منطقة معتمة. كتابة اعتمد الراوي فيها على رسم دائرة، نقطة في المركز هي حادثة إطلاق الرصاص من مسدس الأب، وحكايات في الاطراف، نقاط على محيط الدائرة مشدودة كلها بخيوط للنقطة التي يتموضع فيها البطل الأيقونة، حكايات الاعمام والاجداد، الأم والخالات والجدات، الاصحاب والجيران، فلكل منهم حكايته القصيرة التي لا يجب ان تتجاوز المساحة المخصصة لها، فتبقى اساطير صغيرة هي دعامات لتثبيت مركزية الأب، الكيان كليّ الحضور، والمقرر النهائي لسير الأحداث ومصائر الشخصيات.
والملاحظاتِ الأكثر أهمية، والتي يضعُ القارئُ إصبعه عليها في هذا النص، هي فقدانُ الثقةِ بالسردياتِ والقضايا الكبرى، بل والتشكيكُ بحقيقتها. فالنصٌّ يشتغلُ في منطقةِ الهامش والفردي، على التخييلِ المخلوطِ بما يشبه رائحة السيرةِ الذاتية، نص يعتني بالمكانِ الصغير الدافئ، لا بالمدينة، بالبيتِ الآمن وبالعائلة. بالقطرة وليس بالبحيرة، والراوي أستمد طاقتَه على الحكي من طفلٍ يستخدم عدسةً مكبرةً للحصول على أبٍ تقترن سيرتُه بالطبائع الأسطورية للأبطال، وهو يستعيدُ ذاته المطمئنة من خلال الأب، كأنه يحاولُ استرداد العافية التي غمرته في ظل البطل، والتي فقدها بغيابه. مستمتعا بجولته الطويلة التي انطوت على محو لموضوعية العالم التي لاتخلو من القسوة، وتثبيت الحالة الحلمية من اجل تكرار النزهة ربما لعدد غير متناه من المرات.
العنوانُ الذي اختاره عبدلله ناصر، يضع القارئ منذ البدء في مواجهة أساسها إحالةٍ مباشرة إلى لوحة رينيه ماغريت، عنوان يشيرُ بشكلٍ ما إلى تواطؤ بين الراوي والمؤلف. فعبدالله ناصر في العنوان أعدَّ مرافعة قبليةً للدفاع عن مسدس الأب فياض، الشخصية الرئيسة في روايته، قبل أن يدخل القارئ إلى الحكاية، فالرصاصُ الذي في مسدس الأب ليس رصاصًا، حتى ولو استخدمه فانطلقت منه خمس رصاصات، في حادثٍ هو المركز في مبنى الحكاية. في الوقت ذاته، أعد ورقة إدانة ضد خصوم البطل لظهر الأب نقيا، ممسكا بكل الذرائع التي تمنحه الحق في اظهار بطولته ضد الخصوم.
والقارئ هنا لا يحتاج الى الجهد ليكتشف أن السرد في (هذه ليست رصاصة) يتداخل بشكل مباشر أعمال رينيه ماغريت فالعنوان يتناص مع لوحة (هذا ليس غليونًا)، ليشكل بنيةٌ نصيةٌ يتقاطعُ فيها العنصر البصري مع العتبة النصية، ثم الاستهلال الذي يتحدث فيه الراوي عن مسدس الاب، والذي انطلقت منه رصاصة بالخطأ فأصابت الجدار، ثم البندقية المثبتة على الحائط في صالة الضيوف، يتبع ذلك فصلان كاملان يتحدث الراوي فيهما عن أعمال وفلسفة ماغريت، ثم اللوحتين الملونتين المرفقتين في نهاية الفصلين: لوحة الناجي، والتي يظهر فيها الدم سائلا كما سال دم الرجل الذي اصابه مسدس الأب بخمس رصاصات، ولوحة مسرات الطبيعة، والتي تحضر فيها البندقية ايضا، لكنها ليست بندقية بل صورة لها كما اراد أن يقول بشأنها ماغريت في معظم اعماله.
الراوي أراد أن يقول إن مسدس الأب ليس مسدسًا بل هو كلمة في حكاية، ، أما الرصاصات التي انطلقت لم تنطلق لتقتل شخصا حقيقيا من دم ولحم، بل لتصيب شخصية في قصة، في النهاية هي مجرد حكاية متخيلة، حكاية عائلة مشكوك فيها لم يستطع الطفل( الراوي) أو أنه لم يرغب في تجميع شظاياها، ربما للحفاظ على اسطورة الاب، لهذا اضطر بوصفه راويا عليما، وظيفته احترام العقد بينه وبينه القارئ في عرض الحدث، لتأليف الحادثةً من البداية إلى النهاية. فمثلما كلمة حلم لا تعني أنك تحلم، وكلمة حادثة لا تعني أن الأب أصاب رجلًا بمسدسه ودخل السجن لعامين، إنها كلمات في نسيج حكاية، تأليف، مجرد تأليف مادته الخيال، اراد الراوي به استعادة أبيه، يطرد خوفه، ويقبض ثانية على الطمأنينة.















