أرشّ التراب بالماء عسى أن يصبح شجرة

تشكيل

البهاء حسين

رشّ الماء على التراب يُهبّطه

يجعله واحداً منا

يجعله يحنّ

:

لماذا نستكثر على التراب أن يكون مثلنا

وقد خُلق القلبُ من التراب

،،

يرشّ أصحابُ المحلات الأرصفة بالماء،

كى يجلب الرزق

الطريق حصيلة الأقدام التى مشتْ عليه

الحافية أو تلك التى لا تكفّ عن اللمعان

التراب شقيقنا الأكبر

الأب الذى علمنا كيف نمشى

التراب هو الطريق

،،

يا ما حاولتُ أن أزرع

فى طفولتى

شجيراتٍ أمام بيتنا الطينى، لأجمّل صورته

أنظر إلى جوارى

إلى زرع الولد قريبنا فى غيرةٍ

وأنظر للسماء

ثم أرش الماء على التراب المرغّط، وأحفر كأننى أنقّب عن نفسى

مرة بعد مرة،

بلا فائدة

لا شجيرات تعيش لى، بينما زرع “أحمد” كلما نظرتُ إليه، كبُر

بكيت كثيراً،

وكيف لا أبكى، وأنا لم أفلح أبداً فى تربية شجرة

:

الترابُ قضاء

الماءُ قدر

لكنّ تُربة اليتم مالحة

،،

الانتقامُ يجعل قلب الأطفال مسنّاً قبل الأوان

يجعل القرى محتقنة

السِحن

والغيرةُ أسوأ منه

لم ترتكب شجيرة “أحمد” ذنباً، كى أقتلعها

سوى أنها جميلة

الجمال ذنب

رأيت جميلاتٍ كثيراتٍ أتعس من الأرامل

من الأشجار التى فقدت ظلها

رأيت كثيراً من التجاعيد والوجوه

بعتُ واشتريت كثيراً

تغربتُ

منذ الطفولة

وما زال ترابُ الغربة على أقدامى

أحببتُ كثيراً

رأيتُ الشمس تشرق من قلبى

ولهذا أنا مطمئن لقلبى، لأنه من تراب

يعرف أن الشمسَ بعد قليل ستغرب

يعرف أنه لا بد أن يعود إلى البيت سليماً

كما خرج منه

القبر علامة

لكنّ القلب طريق

:

بأى حقٍ تتعالى الأقدامُ على التراب

،،

ترابُ القاهرة يلسع، كالهاموش

غامق، كالنوايا السيئة

ترابُ قريتنا أفتح

هو التراب الذى خلقتُ منه أصابعى

ماذا يكون الواحدُ منا

أكثر من الطفل الذى كانه

أكثر من يدٍ تقتلع نبتة من جذورها وترميها فى التراب

:

يبدأ الغلّ من اليد

القلب برىء منه

:

اقتعلتُ شجيرات ” أحمد ” كلها، فى الحقيقة، أثناء نومه

أبوه ابن عمٍ لى، لكنه زوّر بصمة أبى، وجرّدنا بإبهامه الكبير

من بضعة قراريط كنا أحوج الناس إليها

جرّدنا من ملابسنا

ماذا يريد اليتيم أكثر من قطعة أرضٍ تستره

تكون أمه، بعد فقد الأب

،،

كانت طفولتى كلها حركة

معارك تدور بداخلى، ومن حولى

اليوم نفسه ما زال هو الغريم

:

عداوة الأقارب لها طعمٌ غريب

لها رائحة الرصيف تحت “سور مجرى العيون “

حيث تتفل طوال المشى، وعلى رصيف المقابر التى هدمتها الجرافاتُ للتوّ

تعلق بك رائحة أخرى عطنة

موجعة ، كالدخان المنبعث من القمامة حولى

فى الطريق إلى ” محكمة الجنوب “

وأنا بحاجة إلى شفتين نظيفتين أتمتم بهما

أدعو الله أن ينصرنى على أعدائى فى الشيخوخة

كما كنت أدعوه فى الطفولة

أن ينصرنى على تربتى المالحة

:

التراب يأخذ شكلا آخر حين نرشه بالماء

يحنّ، ليكون طيناً

الماء مذهل فى توصيل الحبّ

عرفتُ الماء، مبكراً

عرفتُ الجذوع المجوفة للأشجار

رأيتُ العشّ يتسع للثعبان والعصفور

رأيتُ الطريق

لكنّ القلب لا يتسع سوى لحبيبٍ واحد

نجترّه فى آخرين

نحن نحبّ مرة واحدة

ونظل نكررها بالقلب نفسه

ليس ذنب الحبّ إن عثرت أيدينا بلدغة

ليس ذنب الفخار، أننى وضعتُ يدى فى ” الماجور “،

لأخرج بـ ” طريشة “، بدلاً من رغيف الخبز

لا أعرف كيف أمسكتها، ولا كيف تخلصتُ منها

لكنى ظللت أدور حول نفسى

أهبط وأعلو

كأننى ملتصق بعامود نور مكهرب

أريد أن أوقف انسحاب الروح منى، لكننى لا أعرف كيف

وفجأة خبطت “الطريشة ” فى الحائط

ثمة حارسٌ يظهر فى الوقت المناسب

مخلصٌ كالتراب

ليس ذنب التراب أننا نطؤه

ليس ذنب العشّ أن تضع يدك وتروّع حمامة فى فرخها

:

يا ما زرعتُ شجيرات

وسمدتُها ببولى

كنا نتبول، فى القرى ، على جروحنا، على أيامنا

كى تندمل

يا ما زرعتُ شجيرات

لكن لم تصبح إحداها أبداً شجرة

تحمى بيتنا من الترمل

تجعل التراب أقل سخونة فى الصيف

تحت أقدامى الحافية

تحت أقدام أمى

شجرة تشعر أنها أم

عوضٌ عن كل ما فاتك

شجرة تصبح عائلة كبيرة

أباً وأماً وأطفالاً تتشابك أيديهم، كالأغصان

شجرة تصبح غابة

يصبح جذعها المجوف،

عند موتى

مقبرة .

 

 

 

 

- من مواليد سوهاج فى 18 مايو 1969م - صحفى بجريدة الأهرام صدر له : - نفس البحر، شعر، هيئة…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع