الرتينة

أسامة كمال

أسامة كمال أبو زيد

تلك البقعة الحريرية الصغيرة التي كانت تقف في قلب ( الكُلوب )  مثل قلبٍ نابض، تمنح الضوء معنى، وتمنح العتمة شفافية الغياب. ليست مجرد جزءٍ من آلة إضاءة قديمة، بل روحٌ خفية كانت تسكن الشوارع والأزقة والوجوه، وتجوس الأرواح بضوئها الشاعري الرهيف. البحث عنها كان أشبه بالبحث عن زمنٍ مفقود، عن أثرٍ باهتٍ لضوءٍ كان يعرف طريقه إلى الناس دون صخب.

اختفى (  الكُلوب ) ، واختفى معه أهله، وصارت المهنة ذكرى، والذكرى بقع ضوء متناثرة في ذاكرة من عاصروها. دكاكين تحولت إلى محال أخرى، وأسماء انضمت إلى قوائم الغياب، حتى بدا السؤال عنهم كالسؤال عن زمنٍ بعيد. وفي شارعٍ جانبي، خلف أبوابٍ عتيقة لا تعلوها لافتة، ظل محل صغير، مساحته لا تتجاوز مترين في ثلاثة، يحتفظ بأنفاس زمنٍ آخر. حوائطه داكنة من أثر السنين، ومن واجهته مبخرة قديمة تراقب ضجيج السيارات بذهولٍ صامت.

داخل هذا المكان، كانت خمسة كُلوبات فقط، مغطاة بأكياس من غبار النسيان. حين رُفعت عنها الأغطية بدا كأن الحياة عادت لتتنفس. وحين أُضيئت، بدا ضوؤها واهنًا شاعريًا، مثل قصيدة رثاء معطرة بأريج البعيدين. هناك، في قلب كل كُلوب، تقف الرتينة: نسيج حريري دقيق، بداخله «أجَزَة»، ما إن يصل إليها (الجاز ) حتى تتحول إلى ريشة نور، تشع بلا صوت، وتمنح المكان ضوءًا نقيًا لا يشبه أي ضوء.

بقية أجزاء الكُلوب كانت مجرد جسدٍ يحمل هذه الروح: الماكنة ( إطارٌ خارجي) ، الفونية، الزور، الكوستبان، ثم الرتينة… وردة (  الكُلوب ) وزينته وسرّه. زجاج شفاف بمقاس 500، وصناعة مصرية قديمة متقنة، ونوعان من الكُلوب: «التربيزة» الذي يثبت على عربات الباعة الجائلين، و«العليقة» الذي يُعلّق في المحال والحارات والمقاهي، يختلف شكله باختلاف المكان والمناسبة، أفراحًا كانت أو مآتم.

كان (  الكُلوب ( قديمًا جزءًا من نسيج المدينة اليومي. يضيء المقاهي، والمطاعم، والحوانيت، ويتدلى في الأزقة الضيقة، ويعتلي عربات الباعة، ويقف في مقدمة مراكب الصيد الصغيرة، حيث كانت الأسماك تلتف حول الضوء المنبعث منه. كان حضوره طبيعيًا كالماء والهواء. ثم جاءت الكشافات الحديثة، وتبدلت الوسائل، وبدأ الباعة يستمدون نورهم من أعمدة الإنارة، وتراجع الجاز الأبيض النقي الذي كان يمنح الرتينة صفاءها، فانطفأت المهنة شيئًا فشيئًا، حتى غابت تمامًا.

ومع غيابها، لم يغب الإحساس بأن الرتينة لم تكن مجرد أداة إضاءة، بل كانت درسًا خفيًا في معنى الضوء: أن يكون هادئًا، صامتًا، رقيقًا، ينساب دون ضجيج، ويملأ المكان حضورًا دون استعراض. الرتينة لم تكن تبدد الظلام، بل كانت تقنعه بالانسحاب.

هكذا بقيت الرتينة في الذاكرة: بقعة ضوء صغيرة، لكنها كانت تعرف كيف تُضيء مدينة بأكملها.

كاتب وشاعر مصري. من أعماله: لك الموت يا راعى اليمامة 2000 رائحة الغياب 2013 بورسعيد شهادات في الحرب والحب كتابة…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع