نظرة غامضة

جمال السعيدي

جمال السعيدي

         كانت أغصان شجر الفلّين المتعانقةُ تصدّ أشعة شمس يوليو، كأنها ستائرُ حريرية خضراءُ تمتدّ فوق الخيام المتجاورة في أرجاء غابة “الدّالية”، فلا تكاد تتسرب منها سوى بعض الخيوط البللّورية الرفيعة التي كانت تضيء بقعا  متفرقة من الغابة المُظلمة هنا وهناك. كان الجو حارقا في السفح يلفح الوجوه؛ نار تنسكب من السماء، ولهيب يصعد من جوف الأرض. والناس، كل الناس، في هذه الساعة من النهار، ما بين الظهر والعصر، لا خلاص لهم من هذا الجحيم المقيم، إلاّ أن ينزلوا إلى مياه الشاطئ، أو يفيئوا إلى طراوة الظّل الرحيم داخل الغابة الكثيفة.

         كان علينا أن ننتظر إلى ما بعد العصر، حينما انحرفت الشمس في اتجاه الغرب، وبدأت بشائر الرحمة وبرودة المساء تطوف على أجنحة النسيم القادم من بحر البوغاز. في تلك الساعة، قام”زيكو” وهو شاب موهوب يشبه أسطورة كرة القدم البرازيلية (zico (، قام عن كرسيه الهزاز، وانطلق يجمع كؤوس الشاي الفارغة في الصينية إلى جانب الإبريق، ويضعها داخل الخيمة. ثم وقف ينظر إلى البحر مليّا ويداه ترتاحان على وسطه، واقترح بحماس: “هيا ندحرج الكرة قليلا على الشاطئ.. لابد أن الجزر قد بدأ الآن!”.

         كان الشاطئ قد تخفف من زوّاره، وصار شبه فارغ إلاّ من نزر يسير من المصطافين هنا وهناك. وبدأت المباراة بعدما وجدنا بعض الشباب الراغبين في اللعب. ومع مرور الوقت، رحلت تلك البقية الباقية من الناس، فإذا المكان أكثر وحشة، والرمال الذهبية غادرها بريقها الأخاذ، وأظلم أديمها بعدما اختفت شمس الأصيل خلف الجبل. وبينما كنت ألاحق الكرة وهي تتدحرج بين الأقدام العارية على الأرض الرملية، وصدري يعلو وينزل في إجهاد، وقع نظري على مشهد شاعري جليل.. في قلب ذلك الغبش الزاحف على الدنيا، فوق الرمال الباردة الموحشة، كانت تجلس فتاة وحيدة في هذا العراء الأخرس. أمعنتُ فيها النظر، فإذا هي صبية حسناء، أدركت على الأرجح السبعة عشر ربيعا، تلفّ شعرها الأسود الفاحم إلى أعلى رأسها، نجلاءُ العينين، شاحبةُ الخدين، نحيفةُ البدن. كانت تنظر إلى نقطة نائية في الأفق البعيد، ساهمة عمّا يجري أمام عينيها. وكنت أنا يافعا أخضر العود، بالكاد تجاوزت سن العشرين بشهرين على أبعد تقدير. وكسائر الشبان في هذا العمر، كنت صيّادا يقتفي على نحو دؤوب آثار الطرائد الفتية الجميلة، فاستحوذ عليّ طيف الصبية، وسحرُ عينيها السوداوين الرائعتين، وفقدت التركيز في اللعب، صرت أناور من هنا ومن هناك، أحاول جاهدا إثارة انتباهها، والفوز بنظرة منها، ولو بنظرة.. ومرّ الوقت ولم أفز منها بشيء، لم تتحوّل عيناها عن تلك النقطة البعيدة، كانت جامدة كأنها صورة في لوحة. ونالت من كبريائيَ الغض الساذج فكرةُ أنني أقفز أمام عينيها كالقرد، بينما هي لم تنتبه لوجودي أصلا، حتى أنها لا تعلم أن الله قد خلقني على هذه الأرض، فوخزني شعور الهزيمة والخيبة. ولكنها التفتت فجأة، قبل أن أصرف النظر عن الموضوع برمّته، التفتت إليّ، والتقت عيناها الحزينتان بعينيّ البرّاقتين اللعوبتين، فغمرني فرح جامح، وضاعفتُ من حركاتي، وألححتُ في النظر إليها مع كل حركة، كنت سعيدا بتلك النظرة، صرتُ طاووسا يؤدي رقصته المتبجحة ويكررها في غرور أمام شريكته. ولكن الصبية لم تتجاوب مع رقصة الطاووس، كانت هادئة ساكنة كأنها نائمة، ومن عينيها الجميلتين كانت تفيض نظرة غامضة، منكسرة، وعلى وجهها الأبيض بلون الشمع، كانت تلوح لي ظلال ابتسامة حزينة مُرّة. ولم تُفلح محاولاتي في طرد هذا التعبير الغامض مهما نوّعتُ وغيرت في أساليب التأثير على مزاجها.  فقدتُ التركيز في اللعب، وهيمن عليّ سؤال حيّرني: “لماذا تنظر إليّ على هذا النحو الحزين؟ ولماذا تبتسم بمرارة؟”. وهزّني صوت عنيف، فاستدرت بفزع. كان زيكو يصرخ عليّ : “آآآ البشر .. آآآ البشر.. العب معانا ولاّ اخرُج..” كان قد مدّ لي الكرة وأنا غافل عنها، فضاعت فرصة الهدف. ابتسمتُ في خجل واعتذرت منه على تقصيري، ثم عدتُ أسترق النظر إلى الصبية، ولكني رأيت مشهدا زلزل أعماقي، وجمّد الدم في عروقي.. كانت في تلك اللحظة محاطة بثلاث شابات لعلهن أخواتها.  وكانت هي تنظر إليّ في تحدّ وقد انشق وجهها عن ابتسامة ساخرة.. حينها فقط أدركت كل شيء.. إحداهن كانت تجرّ كرسيا بعجلتين، بينما كانت الأخريان تساعدان الصبية الجميلة حتى تستوي على الكرسي المتحرك.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع