د. محمد محفوظ
– أن تحب بصدق، فذلك يُفعّل شيئًا لا يعود لك.
تعلقت أعينهم به جميعًا، وساد صمت غير مبرر لوقت قصير، وتابع:
–من الشرق كانوا يحملون جثمان الملك عابرين النيل، ويصعدون في ذلك الممر إلى المعبد الجنائزي في الغرب.
بلحيته القصيرة، ونظارته الشمسية، وحقيبته المنقوش عليها بحروف مصرية قديمة، تكلم إليهم بصوت هادئ، شق أخاديدًا في خيالاتهم.
كان دكتورًا في التاريخ، عرفوه من نبرة الجملة الأولى. لا يشرح ليقنع، بل ليهدّئ شيئًا قديمًا في داخله.
مشت المجموعة خلفه، أقدامهم تثير غبارًا ناعمًا كأنه بقايا زمن مطحون، يقف، ويتحرك، يمتلئ بالمكان، يحرك يديه وفمه، وينتقلون وسط الرمال، وأحجار الجرانيت الضخمة، والهرم المدرج، ومقابر الملوك إلى عالم غير الذي قدموا منه.
السماء فوقهم بلا رأي.
والأرض أسفلهم مثقلة بذاكرة لا تطلب الاعتراف.
قال:
–هنا… أخطر مكان أديرت فيه الأرواح.
كان يبتسم ابتسامة صغيرة، تلك التي تأتي حين يتذكّر المرء شيئًا شخصيًا جدًا وسط جمعٍ لا يعرفه.
لم ينظروا إلى الحجارة. تشبعت أنظارهم بما نجح في أن يبقى.
وقفوا أمام هرم متحور.
لم يصفه.
تركه يتكلم.
ابتلعهم من بوابة ضيقة الواحد تلو الآخر، أحنوا رؤوسهم، ملأت أنوفهم ذرات تراب عتيقة، وداخل رحمه رفعوا رؤوسهم.
نقوش لا نهائية تملأ الجدران الموغلة في القدم، من منبت الأرض إلى أعلى سماء الغرفة، منتظمة هندسيًا، منقوشة كأنها قُدت مع الصخر ولم تكتب، ألوانها ليست كالألوان المألوفة.
الغرف على صغرها رحبة. تنظر إليهم، تراقبهم، وتجعلهم يختلجون بمشاعر لم يألفوها.
قال بعد صمتٍ محسوب:
–لا يوجد هرم مثل الآخر، لكنهم جميعًا احترموا…
في تلك اللحظة، تذكّر أول مرة فقد فيها السيطرة.
يوم مات أبوه فجأة، وهو طالب دكتوراه، وبين يديه مخطوطة عن مفهوم الزمن الدوري عند المصريين القدماء.
ضحك وقتها، لأنه أدرك أن النصوص لا تحمي أحدًا.
لم يقل هذا بالطبع.
قال كمن يكرر منذ قرون، لا ليعلّمهم، بل ليتأكد أنها ما زالت تعمل:
–لم يكن السؤال عندهم عن الموت، بل عن كل ما يمكن أن ينهار بعده.
كان يتهرب من عيون زوجته التي تريد أن تبوح، ومشاهد المدينة التي تئن، وأطفالها الذين ابيضت عيونهم مبكرًا، ونسفت أركانها، وضاقت بأهلها الأرض، والكلاب التي يعطوها الأكل النادر، فتهز ذيولها وفاءً، وتخرج السوائل البيضاء من أفواه جرائها، قبل أن تنطفئ عيونهم، وسط ضحكات الجذل الوحشي في عيون حاملي الأكل النادر.
الأعمدة كانت ترتفع كأنها نبتت من الأرض، ليست شاهقة، ولا يعلوها ارتفاع في المدى المنظور، كأنها استقلت بهم في عالم خاص.
غزتهم، وجعلتهم يتذكرون.
اختلطت مشاعرهم، تمتعوا بألم لذيذ، يوخز دون لدغ، وارتدوا ابتسامات تصلح للصور، لا للأسئلة التي بدأت تتحرك في الداخل.
–كان الملك يخرج في اتجاه الشمال بجناحيه في اتجاه النجوم الأبدية لأسلافه.
تحركوا نحو السرابيوم.
الممرات هناك لا تُرحّب.
قال:
–هذا من أكثر الأماكن جدلية على وجه الأرض.
ممرات قديمة متشابكة، بها فجوات ضخمة، استقر داخلها توابيت عملاقة، أزاحت جزءًا من غطائها، ولم يكشف خواؤها عما حوته يومًا.
خواء روحه كان يزداد بتجاهله لعيني زوجته، لم يستطع يومًا أن يقول لها كم أحب بريق عينيها الذي تراجع، ولا كم أحب رسمها الذي كان يصلح لمعابد القدماء، وشعرها الذي كان يحبه طويلًا، ونزق نشوتها حين يفرغ لها.
كانت تقول له دائمًا، بنبرة لا تطلب إجابة:
–أنت تشرح كل شيء…
إلا ما نعيشه.
كلما أراد أن يُعيدها، سحبته لعنة القدماء، وسحر البرديات، فيراها أمامه ملكة قديمة، داخل قصر مصري قديم، تحيطها المشاعل، وتحمل صولجانًا معقوفًا، تسأله:
–هل فهمت الآن؟!
كان يبحث.
لم يفهم.
قال لهم:
–الثيران المقدسة لم تكن حيوانات. كانت فكرة.
فكرة أن القوة تحتاج جسدًا، وأن الجسد لا يعيش طويلًا، لكن الفكرة…
وقفوا متقازمين أمام الهرم الضخم، أشار إلى الأرض:
–هذا البناء الضخم شاهد، ولكن المقبرة أسفل، ترتبط المقبرة الشمالية بالمقبرة الجنوبية بممر ممتد عبر شبكة أنفاق كل هذه المسافة الطويلة.
ابتسم، وهو يكمل:
–نزلت للأسفل يومًا، خمسة أدوار تحت الأرض، ولكن بصحبة مفتش الآثار، لأن الممر بالأسفل متاهة ضخمة.
كونت عيونهم شبكة أنفاق بمتاهة سفلية، تخيلوا أنوبيس حامي المقابر في مصر القديمة بوجهه الكلبي، يجول في المتاهة، يقتنص من يدنس صمت الزمن.
أشار إلى غرف مبنية جوار الهرم.
–هنا كان يبدل الملك أزياءه، ويجلس مبدلًا تيجانه، وسط شعبه، حيث أقيمت أول عروض فنية عرفها الإنسان.
وضعوا آذانهم في الكوات داخل الغرف، سمعوا أصواتًا تهمس لهم، خافوا، تراجعوا، وأعادوا الإنصات.
ذكرته عيني المشرفة بعيني زوجته، جمال مصري قديم، وحزن تداريه بابتسامتها الخلابة.
بدا كأنها أتت مع المكان، وأن عمرها توقف لآلاف السنين.
ضحك أحد السائحين بخفة، وتتبع المجموعة.
لم يفهم، لكنه أحب النبرة.
حين وصلوا إلى مدخل الهرم، خفّت الأصوات تلقائيًا.
حتى الكاميرات شعرت بالذنب.
قال وهو يمشي ببطء:
–الموت، عند المصري القديم،
لم يكن نهاية.
كان ممرًا إداريًا معقّدًا.
اصطدمت كتفه بالحجر.
أحسّ بألمه القديم في العمود الفقري، هدية الجلوس الطويل، وتفحص أدلة الأسلاف.
في العتمة، تذكّر اسمه الأول.
ذلك الذي لم يعد أحد يناديه به.
تذكّر أنه كان يريد أن يكون شاعرًا، لا باحثًا في الآثار.
لكن الشعر لا يمنح تأمينًا صحيًا.
واصل:
–الهرم ليس قبرًا.
خرجوا إلى النور…
كأن العالم قرر أن يمنح فرصة ثانية دون تفسير.
وقفوا صامتين.
بعضهم ابتسم.
بعضهم شعر بشيء لا اسم له.
قال:
–هكذا فهموا الحياة.
تدخلها بلا إذن، تنحني، تتعلم القوانين، تتألم قليلًا، ثم تخرج…
ولا أحد يضمن أي نور ينتظرك.
سألته امرأة:
–وهل صدّقوا ذلك فعلًا؟
ابتسم، قال:
–لم يكن يهمهم إن كان صحيحًا. كان كافيًا ليعيشوا دون انهيار.
تقدّم خطوة.
شعر بدوار خفيف.
نظر إلى الوجوه.
كلهم أحياء.
مؤقتًا.
قال:
–كانوا موحدين.
سكت. طالت الوقفة أكثر مما ينبغي.
ثم قال بصوتٍ أقل:
–وعاشوا أطول من أعمارهم.
نظروا حولهم، ظهر امتلاء الصحراء بالتباب، والأهرامات الصغيرة، الجبانات القديمة، وغرف التحنيط، والقليل من الإبل، وبعض الرسائل الغامضة، والتراتيل الصحراوية.
صفّق أحدهم.
ثم آخر.
لكن التصفيق بدا نشازًا، فتوقّف.
هموا بالانصراف إلى زمنهم، دون أن يسألوه:
–ما الأسرار التي تركها القدماء لأحفادهم.
انتهت الجولة.
شكرهم.
لوّح بيده.
ظل واقفًا بعد انصرافهم.
نظر إلى الهرم، أعادت المتاهة في عينيه رسم نفسها بالتتابع على طول الصحراء بين المقبرة الشمالية والجنوبية خلف الأفق.
لم يدخل الممر من قبل إلا بوجود مفتش الآثار، كي لا تسحره المتاهة، ويقابل أنوبيس.
أدرك فجأة، بوضوحٍ قاسٍ، أن كل ما فعله طوال حياته هو الوقوف عند المداخل، يشرح العبور للآخرين، دون أن يعبر هو.
ابتسم.
ابتسامة فهمٍ متأخر.
ثم كتب في دفتره الصغير، جملة واحدة، لم تُنشر قط:
–التاريخ ليس ما حدث…
التاريخ هو ما نستخدمه كي نجرؤ على العبور.
أغلق الدفتر، وسلك الممرات السرية إلى المتاهة أسفل الهرم.
لم يره أحد منذ ذلك اليوم.
لم تبح امرأته أبدًا.
ولم يعلم أحد حتى الآن
إن كان قد قابل أنوبيس،
أم…
قابل نفسه.
القاهرة –25 يناير 2026م.












