حسام المقدم
صوت الديك:
أسمع صياح الديك. هل صحيح أنه الآن يرى الملائكة؟
صاح بالأمس، وكل يوم يصيح في الفجر من مكانه على السّطح. لكن أبي مات، وجسده مطروح أمامي، بوجهه الهادئ الغائب إلى الأبد.
إذا كنتَ ترى الملائكة يا ديك، فهل كان بينها ملَك الموت وهو قادم إلى هنا؟ لماذا لم تتغير نبرة صوتك؟ رُد عليّ: هل كل الملائكة عندك سواء؟
**
شبح:
“آه يا سيّد”..
نداء موجوع، و”سيّد” لا يرد ولا يظهر.
أرفع رأسي من تحت البطانية، فوق سريري غير المريح في العنبر شبه المظلم. أرى شبح الوجه صاحب النداء المتكرر، يمشي محني الظهر، حاملا السلة المحتوية على أكياسه وخراطيمه الموصولة بجسده.
لم أنم تقريبا، مجرد إغفاءات أفيق منها لأطل على أخي الراقد على السرير المجاور، بعد عملية استئصال جزء من القولون. غائب هو في ملكوته، وأنا كمُرافق في أول ليلة لابد أن أنتبه لكل حركة وآهة تصدر عنه.
ثلاثة أو أربعة يتمشون بطول العنبر، تنفيذا لتعليمات الأطباء. الباقون نائمون، بعضهم بأفواه مفتوحة ووجوه متخشبه كالموتى.
“يا سيّد، آه يا سيّد”..
يستريح الشبح على حرف سريره، يتمدد ببطء، يفرد ظهره. يقترب أحدهم منه ويسحب البطانية فوقه، يُطبطب على كتفه: “نم يا عم سيّد، نم والصباح رباح.”
**
مراسم:
ماتت سلوى.
تمت الأمور في هدوء، من طقوس الدفن وسرادق العزاء، إلى كلمات المواساة: “شد حيلك، قلبي معاك”، تنطقها وجوه مقبوضة بالحزن.
لم أتخيل موت سلوى في أعتى كوابيسي، لكنها اختارت إنهاء كل شيء، وأنا تكفلتُ بمراسم الوداع.
حين رأيتها بعد يومين تسير إلى جوار شخص ما، مانحة ذراعها لذراعه؛ عرفتُ أنها سعيدة بموتها.
**
سَيل الروح:
تهمس ورقة الشجر لنفسها: “رغم بوادر الذبول، لا يزال في عروقي بعض المدد المأخوذ من غُصني، ماذا سأفعل بعد أن يتلاشى؟”
منذ قليل سقطَت، ومن هنا لهناك لفّ بها الهواء، صعدت هائمة في دوامة، حتى هبطت مستقرة فوق أرض غريبة.
تحس بروحها تنسحب، خِدر شامل يمشي في خلاياها.
تسمع الورقة دبيب خطوات، تلفحها أنفاس تقترب.
بلا تردد ترمي نفسها في المطحنة، تتمزق أنسجتها وتتفتت بين فكّي البقرة العابرة. تتألم بالقليل القليل الباقي من روحها، رغم ذلك تشعر بسعادة وقد أصبحت عجينة صغيرة تسيل بالعصارة الحلوة.
**
علي سعيد:
اليوم سأكون أفضل جدا.
سيتحقق هذا بموت “علي سعيد”. لم أعد أحتمل وجوده الذي يُوتر ذرات دمي، ويزيد المساحة السوداء في عقلي.
أخذتُ القرار: سأُنهي حياة “علي سعيد”، وهذه هي الجرعة الزائدة من الحبوب المنوّمة.
اليوم أستلقي على سريري وأبلعها كلها.
***











