صفاء أبو صبيحة
أقرأ كأنني أجرُّ حجرًا بعينيَّ. أتعثرُ حينًا فأطوي الكتاب وأضعه فوق المنضدة. أغيب. أتلكأ في فعل الأشياء، ثم أعود لأضع الكتاب بين يديَّ على الرغم من عدد المرات التي فضَّلتُ فيها ألا أفعل!
في البدء لم أدرِ كنه ما يجذبني إلى قصة “بارتلبي النساخ” التي ألفها هيرمان ميلفل[i] عام 1853 وترجمها الروائي والمترجم أحمد القرملاوي، وصدرت مؤخرًا عن دار “ديوان” للنشر والتوزيع. أوهمتني بعاديتها إلى أن وقعتُ في شرك الاستمرار؛ كنت أقترب ثم أتراجع، أجرِّب الكتابة بحذر، فالاقتراب من “بارتلبي” كان يعني الاقتراب من نفسي التي لم أكن مستعدة للقائها.
نقرة فوق الثلج الذي كاد أن يغلِّف روحي أنقذتني من ذلك الاجتياح الناعم للخدر، كنت قاب قوسين من الانعزال بلا أي مقاومة، لم أكن على دراية بما يحدث في داخلي، لكن ما أعرفه حقًا هو أن “بارتلبي” كان هو صاحب النقرة التي صنعت شروخا فتكسَّر الثلج، واستعدتُ الشعور مرة أخرى.
“السعادة تغازل النور، فتجعلنا نحسب أن العالم محفوفًا بالمرح، لكن التعاسة تختبئ بعيدًا عن أعيننا فنظنها غير موجودة”
تكاد لا تفرِّق بينه وبين الآلة، حيث كان يؤدي عمله في النسخ بحركات آلية تكاد تخلو من الانفعال البشري. يعمل ليل نهار، لا يفرِّق في التهامه للوثائق بين ضوء الشمس وضوء الشموع، ينسخ الوثائق كأنما خُلِق فقط لهذا العمل. كان يفعل كل شيء بشحوب وصمت، يتحرَّك بحزن يغلي أسفل جلده ولا يريد أن يفصح عن نفسه بأي طريقة، قنبلة في الداخل على وشك الانفجار، لكن هذا الانفجار لم يتعد جسد “بارتلبي”.
ربما لم أفهم الأمر على هذا النحو في البداية؛ شعرتُ بالحنق من ذلك الكسول الذي لا يريد أن يفعل المطلوب منه دون إبداء أية أسباب سوى أنه يفضِّل ألا يفعل. كنت أتساءل: “إذا كان لا يريد العمل لماذا لا يغادر وحسب؟”. بدا وكأن هناك حبل سُرِّي -لا يراه سواه- يجعله ملتصقا -قدَريًا- بمكتب المحامي.
“بارتلبي” الذي ظننته طفيليًّا يتغذى في مكتب المحامي -أو عليه شخصيًا- ما لبثت أدركت أنه يشبه البرنقيل (تلك القشريات التي تستوطن ظهر الحوت وتلتصق به). ليس ثمة مكان آخر يمكن أن يعيش به، لكن لم أدرِ بنفسي إلا وقد تسلل إليَّ شعور نحوه بالشفقة لم أفهمه حينها، شعور في قوة جريان النهر الذي يبري الصخور في صمت ونعومة.
تمردت أفلاكه، فاختل توزان الطبيعة بداخله:
ظل بارتبلي يمارس النسخ بشراهة، عين تتنقل بين الكلمات والجمل، يد تمسك بالقلم، تنسخ، تنقل بدقة، جسده الذي يبدو متماهيا بدرجة كبيرة مع الواقع، يؤدي مهامه بإتقان غير معني بما يحدث خارجه، أما روحه فقد اتخذت وضعية الجنين وارتكنت إلى نفسها في أعمق مكان بجسده. ربما قد توقف داخليًا بالفعل قبل أن يتوقف في الحقيقة بفعل القصور الذاتي. انكفأ على نفسه بعد أن قرر ألا يخوض مواجهة، ثم رويدًا رويدًا امتنع عن فعل ما هو مطالب به، وهو ما يعرف بالمقاومة الصامتة.
“ظل واقفًا في صمته وعزلته في وسط الحجرة الخاوية كأنه عمود أخير في معبدٍ تهدم”
أقف خلفه، جسده غير المدرك لما يحدث خارجه؛ ماذا يعني انتقال المحامي بمكتبه إلى مكان آخر؟ ماذا يعني بقاؤه وحيدًا في هذه الحجرة وهو المكبل في داخله من يديه وقدميه، لا يتكلم؟ أستطيع التكهن الآن أنه أضاع صوته في صرخة غضب كانت تريد أن تعلن عن نفسها أمام الأنظمة والحياة الروتينية التي تحوِّل الإنسان إلى ترس في ماكينة لكن هذه الصرخة ويا للأسف قد ضلت طريقها إلى فمه.
بريد الرسائل الميتة:
لم يخبرنا القاص شيئًا عن حياة “بارتلبي”، شخص بلا تاريخ كأن الحياة قذفت به فجأة أو لفظه الموت للتو، فهو بالنسبة للمحامي قادم من العدم، لكنه يخبرنا بعد نهاية القصة، أنه سمع شائعات لم يتبين حقيقتها، وهي:
“..أن (بارتلبي) كان يعمل في مكتب بريد الرسائل الميتة في واشنطن ثم تم استبعاده من العمل فيه على نحوٍ مفاجئ في حركة تغيير إداري”
ومكتب بريد الرسائل الميتة هو المكان المعني بالرسائل التي تعذَّر تسليمها إلى الشخص المرسل إليه، فقد كان “بارتلبي” هو المسئول عن فرز تلك الرسائل بغرض إلقائها في النار.
ما أقساها من مهنة، يعمل بها شخص ذو روح رهيفة، كان صاحبنا يغمس يديه في اليأس، يقرأ رسائل مستغيثة، رسائل آملة، رسائل ممتلئة بالحب وأخرى بالوعود، رسائل ربما كانت هي آخر ما خط أصحابها على الورق.
كانت شمعة روحه تذوي بينما كان يلقي الرسائل التي -لا يستطيع أن يفعل حيالها شيئًا- في قلب النار.
“يدي في جيبي.. قلبي في فمي
انتزعت نفسي منه انتزاعًا ذلك الذي كنت أتوق إلى التخلص منه”
توقفت كثيرًا أمام شخصية المحامي، الذي كان يبتلع استياءه وغضبه من “بارتلبي” بدون أن يتخذ أي ردة فعل، كانت تصعقه مفاجأة الرد التي لم تحدث له من قبل في بيئة العمل.
لم يعِ المحامي الذي يمثِّل النظام ماذا يعني “بارتلبي” بـ”أفضِّل ألا أفعل”؟ فالعمل هو العمل، إلا أنه تعاطف مع ذلك المقاوم الصامت فقد كان بإمكانه أن يبلغ الشرطة فورًا بعد امتناع “بارتلبي” عن العمل ورفضه ترك المكان، تركه أيضًا ينام في المكتب لأيام دون أن يأخذ رد فعل، كان مستنكرًا لامتناع “بارتلبي” رغم ذلك وضع في يده بعض النقود بعد أن فصله من العمل.
أفعل؟ ماذا عليَّ أن أفعل الآن؟ ما الذي يمليه الضمير عليَّ تجاه هذا الرجل، أو بالأحرى: الشبح. يجب أن أتخلص منه؛ أن يغادرني؛ لكن كيف؟ لن أقوم بطرد هذا المسكين، المهزول، السلبي، الفاني.. لن أدفع لخارج بابي مخلوقًا لا حيلة له على هذا النحو، لن تلطخ كرامتك بمثل هذه القسوة الوحشية. كلا، لن أفعل هذا، لن أستطيع اقتراف ذلك. سأتركه يحيا ويموت ها هنا، ثم أقبر بقاياه في الجدار. ماذا ستفعل إذًا؟ فبعد ملاطفتك له على هذا النحو، لا يريد أن يتزحزح من مكانه. حتى الرشى يتركها تحت ثقالة الورق فوق مكتبك؛ باختصار، إنه يفضِّل الالتصاق بك بوضوح تام.
صوتان في جسد واحد يتصارعان، صوت قسوة النظام وصوت الرحمة، كانت يده تتشبث بالنظام بينما يده الأخرى ممدودة بالعطف نحو “بارتلبي” الذي يمثِّل الرفض والتمرد الناعم، المحامي أيضًا كان يمثل نوعًا من أنواع التمرد لكنه كان تمردا سلبيًا تمثَّل في التلكؤ في أخذ الإجراءات التي له القدرة على فعلها، فهو لم يختر مواجهة “بارتلبي” بشكل مباشر بل قام بنقل مكتبه إلى بناية أخرى لكي يتخلص منه، كان هناك تناقضا واضحا أيضا بين قناعاته حول العمل وبين ردة فعله العطوفة نحو “بارتلبي ” كأنه طفل عنيد لا يعي شيئا عن العالم والحياة.
لم يرد “بارتلبي” الالتصاق بالمحامي، لم يرد أي شيء على الاطلاق، وربما هذا ما جعل الأمر معقدًا بالنسبة لكل الأشخاص الذين أردوا التخلص منه.
المثير في الأمر أن هذا الموضوع تم حسمه بالنسبة لـ”بارتلبي” وبالنسبة للمحامي من قبل شخص آخر، وانتهى بانتصار البيروقراطية على الإنسانية، بعدما أرسل له صاحب البناية رسالة تفيد بأنه استعان بالبوليس وأرسل “ببارتلبي” إلى مجمع السجون والاحتجاز بتهمة التشرد.
“ففي البداية شعرت بالسخط لكنه في النهاية تحول إلى ما يشبه الرضا التام”
“وجدته هناك واقفًا وحده في أكثر بقاع الفناء هدوءًا، موليًا وجهه صوب جدار عالٍ”
عندما زاره المحامي في السجن وجده أمام جدارٍ عالٍ، ينظر إلى اللا شيء غير عابئٍ بالحياة التي تدور خلفه، كان يترنح على حافة وجوده الإنساني غير مكترث بالعبث الذي أدار له ظهره. ها هو صامت يتقدم نحو موته بإخلاص تزامن معه امتناعه عن الأكل. استسلم لتآكله من الداخل حتى سقط فوق الأرض لينام نومته الأخيرة في وداعة وسلام.
“في بني آدمين أرق من الحياة”:
كُتبت هذه القصة في منتصف القرن التاسع عشر أي بعد قرن تقريبا من بداية الثورة الصناعية، لم يكن العالم قد توَّحش بعد لكنها اقتربت بطريقة مذهلة من التحولات النفسية في العالم الحديث.
نحن محاطون بنسخ عديدة من “بارتلبي”، لكن لا أحد لديه وقت للتفحص في وجه الآخر، الحياة الآن أكثر قسوة، فـ”بارتلبي” على الأقل قد امتلك رفاهية التوقف، بتفضيله ألا يفعل، وإن كان ذلك تمردا سلبيا قائما على التوقف والسكون، إلا أن لا أحد يستطيع فعله الآن بنفس الطريقة. إذا دققنا النظر سنعثر على الكثيرين ربما كنت أنا نسخة في طريقها إلى التبلور غير أنني استفقت -مصادفةً- بقراءة هذه القصة.
كثيرون رافضون، يتردد صدى رفضهم في صدورهم، لكنهم مطوقون بمسئولياتهم تجاه شخوص آخرين، يقومون كل صباح، يستقبلون يومهم بوجوه متيبسة، يتقدمون طواعية إلى مفرمة النظام.
(في بني آدمين أرق من الحياة) قالها الممثل المصري “نور الشريف” في أحد لقاءاته التيلفزيونية المسجلة، ربما كانت هذه الجملة هي المفتاح السحري لحل لغز “بارتلبي”، لم يتحمل العالم الذي كان يدعس إنسانيته أسفل قدميه، رفضَه وابتلع رفضْه الذي ظل يكبر بداخله حتى تحول بذاته إلى غصة في قلب العالم.
……………….
[i] هيرمان ملفيل (1819-1891) هو روائي وشاعر وكاتب مقالات أمريكي، اشتهر بروايته “موبي ديك”. وُلد في مدينة نيويورك، واشتهر بأعماله التي تجمع بين الخيال والواقعية والرمزية.
















