عندما يصبح موت الشاعرة شعرا جيدا    

art

لطيف خضيري

المقدمة

كلما اتسعت آفاق الشعر، زادت سماته العالمية تألقاً مع الحفاظ على الوجه الإبداعي الخالد للنص، الذي يفتح آفاقاً واسعة لتعدد القراءات ويبقيه حيّاً عبر الزمن. يعتمد ذلك على الكلمة التي تحمل إشعاعاً دلالياً مشبعاً بالحمولات الفكرية والرؤى الثقافية والفنية. وكما يرى الرؤيويون، فإن الشعر يُعتبر بنية مفتوحة، تتسم بمرونة تستوعب بنيات إضافية تفرض وجودها أمام الشاعر.

البنية الأساسية في الشعر هي النواة الأولى للثيمة، يليها تشكُّل أطياف الخيال التي تتجسد ضمن حدود اللغة وجمالية ألفاظها، متشعبة داخل النص لتمنحه قواماً متماسكاً شامخاً. لكن يبقى السؤال: هل يمكن للشعر أن يظل بمنأى عما يدور حولنا من أحداث؟ وهل تغذي هذه الأحداث الإبداع الشعري بما يعزز طاقته الحية وقدرته على مخاطبة القلوب والعقول عبر الأزمنة والقارات؟ بمعنى أن يلعب الشعر دور السيف ذي الحدين؛ إن يحافظ على ألقه الفني المشرق ويستطيع في الوقت ذاته أن يتناول الوقائع المأساوية والمثيرة للعاطفة والتأمل بصياغة شعرية عميقة تحتاج إلى رؤية نافذة وشاعرية قادرة على استيعابها والتعبير عنها بصدق.

إن تعامل الشاعر مع القضايا العالمية العادلة أو الصراعات الإنسانية بروح المسؤولية الأدبية والإنسانية يعزز مكانة النص ويضفي عليه قيمة إضافية. فالشاعر يعيش داخلياً مع معاناة الآخرين، ويتألم لأوجاع طفل مفجوع أو مأساة انسان سواء في غزة أو حلبجة أو أفريقيا… أو في أي بقعة من الأرض. وعندما يُقتل شاعر ظلماً، فإن هذا الحدث قد يهز قلم المبدع، مطالباً الشعراء بموقف شعري يثبت للشعرحضوره ويبرز رسالته، دون المساس بالقيمة الفنية للنص أو تبسيطه إلى درجة تخل بجوهره أو صياغته.

لا يمكننا أن نفصل الشعر تماماً عن السياسة؛ فهي متغلغلة في بعض التفاصيل، تظهر بين الكلمات كصور أو تخيلات تمزج أحياناً بمحاكاة لمهاترات الواقع المظلم. لكن الغاية قد تكون بعث الأمل في وجه أكثر إشراقاً لعالم مثالي يُلهم الشاعر؛ المدينة الفاضلة التي ينشدها الإنسان. ولماذا لا؟ فكل شيء قد يصبح مادة خامة يستثمرها الشاعر بذكاء، شريطة أن يجد لها مكاناً متناغماً في السياق الشعري العام دون أن يتصادم أو يُضعف من قوة النص ورصانته.

شِعرٌ (جيّد): ترجمة لاسم العائلة للشاعرة (غود)

تتجسد قصيدة “شِعرٌ جيّد” للشاعر سوران محمد المهداة الى الشاعرة رينية نيكول غود، في مقاطع تصويريةٍ مؤثرة تحمل معاني فلسفية ونقدية تمزج بين ما هو كوني وذاتي. من خلال تلك القصيدة، تُطرَح العديد من الأسئلة حول جدوى الشعر في زمنٍ تتداخل فيه الحدود بين الواقعي والخيالي، وبين الحلم والكوابيس.

القصيدة تتبع بنية سردية وصفية تبدأ برصد لحظة زمنية محددة: “في يومٍ ما” الذي يعكس بداية سردٍ غير محدد للزمان، ما يفتح الباب أمام التأويلات. ثم يتحدث الشاعر عن “حافةِ اليوتوبيا”، وهي نقطة الالتقاء بين المثالي والواقعي، ما يثير سؤالًا جوهريًا حول حدود العالم المثالي ومتى يمكن أن تبدأ فوضاه. إن الانتقال بين “اليوتوبيا” و”الديستوبيا” يخلق حوارًا داخليًا متوترًا حول مفهوم الأمل في مواجهة الواقع القاسي، وهو تحول يعكس انهيار الأفكار المثالية التي تعبرعن هشاشة المفاهيم التي يعتقد الإنسان أنها ثابتة، مثل الأمل أو الحلم المثالي. الانتقال إلى “الديستوبيا” يمكن أن يُفهم على أنه تذكير بأن الفوضى والدمار قد يكونان قريبين جدًا من كل “يوتوبيا” ممكنة.،إذ يُحيل إلى التحولات التي تشهدها المجتمعات والفرد في زمننا الحاضر. الحلم المثالي يتبدل إلى كابوس، واللحظة المثالية تُمحي، مما يعكس الهشاشة وعدم الاستقرار في العصر الحديث.

يظهرهذا التحول أيضًا في تطور اللغة نفسها في القصيدة. في البداية، يتسم النص بالتحليق والنقاء، لكن سرعان ما يبدأ في الانحدار نحو الظلام (الليل، الأفق الرمادي، الكوابيس). يبدو أن الشاعر  يسعى للحديث عن التحولات الكبرى التي قد تتعرض لها الأفكار المثالية، حيث يصبح الواقع احيانا نوعا من الكوابيس.

  فالطيور المهاجرة تمثل في القصيدة صورة للشعر نفسه؛ هي “تعبر السماء بلا حدود، بلا حُرّاس”، أي أن الشعر هنا يتسم بالحرية المطلقة، فلا يلتزم بقيود أو قوانين. الشاعر يجعل من الطائر رمزًا للنقاء والإبداع، فهي الشاعرة غود “تطير في السماء متناغمًا على نفس الإيقاع”. لكن هذا الطائر يواجه تحولًا مفاجئًا في القصيدة، حيث تتغير البيئة و”انطوى النهار على الليل” وأصبحت اليوتوبيا مجرد “ديستوبيا”، ما يعكس الارتباك الذي يعصف بالعالم، ويفتح الباب أمام استحالة التمييز بين “الكوابيس والواقع” وهكذا من خلال تقديم الشعر كطائر مهاجر “بلا حدود، بلا حُرّاس”، كما تُلمح القصيدة إلى نقد ضمني للقيود الاجتماعية والسياسية التي قد تُفرض على الانسان والشعر أو على الفنان بشكل عام. ، قد يبدو أن الفن يُجبر على الخضوع للرقابة أو للإيديولوجيات السائدة. لكن القصيدة تشير إلى أن الشعر، رغم هذه القيود، سيظل يجد طريقه إلى العالم، يعبر حدود السلطة والرقابة، ويصل إلى محطات مختلفة، ليظل ذا فاعلية في تنوير العقول.

أما إيقاع القصيدة يأتي في شكل متوازن بين السطور، مما يعكس التناغم الذي وصفه الشاعر بين الطيور والشعر. حيث يساهم الإيقاع في بناء تجربة شعرية، كما يُستخدَم في البداية تكرار العبارة “بلا حدود، بلا حُرّاس”، التي تضاعف الإحساس بالتحرر الكلي قبل أن يحدث الانهيار الواضح في التحول إلى “الديستوبيا”. بينما تتحول القصيدة، كما يتحول الفضاء الزمني والمكاني، لتخلق تأثيرًا نفسيًا عميقًا لدى القارئ، إذ يجد نفسه في دائرة من الشكوك بين ما هو جميل وما هو مُرعب.

تستحضر القصيدة أحد الأسئلة الفلسفية الجوهرية في الأدب المعاصر: ما وظيفة الشعر في زمننا هذا؟ هل هو ما يعبر عن أعمق احتياجات الروح البشرية، أم هو مجرد أداة للإغراء والتسلية؟ القصيدة تشير إلى أن الشعر قد “طار” مع الطيور، بمعنى أنه أصبح عنصرًا حرًا لا يخضع لأية رقابة، ليظل هو نفسه صوتًا يعبر عن الخيبة والواقع المؤلم في ذات الوقت. إذن، “قصيدة حمراءة جيدة” هي على الرغم من جمالها، تحمل صبغة من الألم، ربما تُمثل انعكاسًا لنضوج الشعراء الذين يُدركون أن الكلمات قد تكون مصدرًا للحرية، لكنها قد تكون أيضًا سجنًا ثقافيًا، أو ارهاقا للدم دون مبالاة، وهكذا ان هذه النهاية المأساوية لشاعرة مدافعة عن حقوق الانسان والمهاجرين بذاتها قصيدة جيدة حية و أثبتت صدقها وقوتها لأن حبرها كان دما..

. الشعر كوسيلة للتواصل مع العالم

القصيدة تختتم بصورة “قصيدة حمراءة جيدة” التي “قرأتها كل محطات العالم”. هذه الصورة النهائية تُظهر كيف أن الشاعرة تحولت الى نصا شعريا مؤثرا، على الرغم من كل التحولات والخيبات، يظل أداة للتواصل العالمي. الشعر هنا ليس مجرد تعبير عن الذات، بل هو وسيلة للوصول إلى جمهور واسع، في محطات مختلفة من العالم، ليتلاقى مع آلامهم وأحلامهم.

القصيدة المهداة إلى رينية غود تبرز فكرتها الأساسية: أن الشعر لا يظل حكرًا على الأماكن المثالية أو الأوقات السعيدة، بل يمكن أن يكون أيضًا تعبيرًا عن معاناتنا من التغيرات والتحولات المظلمة في الحياة. الشعر هنا بالنسبة للشاعر هو لغة شعورية عالمية، تتجاوز القوالب المعهودة وتظل حية حتى في أوقات الانهيار.  

إن “شِعرٌ جيّد” هي قصيدة تدمج بين الشعر الذاتي والكوني، وتطرح أسئلة فلسفية حادة حول الدور الذي يلعبه الشاعر في مواجهة تحولات الواقع. القصيدة تحمل في طياتها جمالية فنية مميزة، من خلال صورها الشعرية المبتكرة، والتحولات المتتالية التي تضع القارئ في حالة تأملية مستمرة حول ما هو حقيقي وما هو متخيل في عالم حبلى بالجور والمشاكل والفوضى.

في النهاية، يقدم لنا الشاعر عملًا فنيًا يتأمل في العلاقة بين الفرد والعالم، وبين الحلم والكوابيس، مما يثير انطباعًا بأن الشعر هو الوسيلة الوحيدة التي يمكنها أن تواكب التحولات الكبرى في عصر مضطرب ويمكن للشاعر أن يكون نصا شعريا بذاته تصدق بمواقفها فحوى رسالته.

**

شِعرٌ جيّد

سوران محمد

في يومٍ ما،

على حافةِ اليوتوبيا،

كنتِ تراقبين الطيورَ المهاجرة

تعبرُ السماء-

بلا حدود، بلا حُرّاس.

كلَّ عامٍ تعود

لأيّامٍ معدودات.

هذا الموسم جاءت

محمولةً على أمواج الشعر.

وهكذا صار الشعرُ

طائرًا معها،

يطير فيَ السماء

متناغما علی نفس الإيقاعٍ.

فجأةً

انطوى النهار على الڵيلُ.

وانزلقتِ اليوتوبيا إلى ديستوبيا.

لم تعد تميّز

بين الكوابيس والواقع .

قبل أن تختفي في الأفق الرمادي

مع السرب،

كتبتِ قصيدةً حمراءة جيدة

قرأتها

كلُّ محطّاتِ العالم.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع