أسامة كمال أبو زيد
تواترت الأنباء بأنَّ (حُرّاسَ الفراغ) قادمون حتمًا إلى المدينة. ولم يتَّفق الناس يومًا على حقيقتهم؛ فالبعض قال إنهم بشرٌ يشبهوننا تمام الشَّبه، لكنهم يتحدَّثون لغةً أخرى لا نفهمها. وقال آخرون إن تسميتَهم لم تأتِ مصادفة؛ فهم كالجراد، لا يدخلون مدينةً إلا تركوها خاوية. بينما أصرَّ نفرٌ ثالث على أنهم ليسوا بشرًا أصلًا، بل من سلالة النمل الأبيض؛ لا تراهم، لكنهم ينخرون كلَّ شيءٍ في صمت، حتى يهوِي فجأةً إلى الفراغ.
وظلَّت المدينة تنتظر؛ ليلٌ يعقبه نهار، ونهارٌ يتبعه ليل، دون أن يظهر أحد. حتى تحوَّل الانتظار من مجرَّد فكرةٍ طارئة إلى حالة انتظارٍ جماعية مُرهِقة ومُهلِكة. لم يعُد أهلُ المدينة يتحدَّثون إلا عن (حُرّاسِ الفراغ)، ولم يعودوا يفعلون شيئًا سوى انتظارهم، كأنَّ الزمن نفسه توقَّف عند تلك الكلمة.
كانت المدينة، قبل انتظارهم، أجملَ المدن على خريطة الدولة؛ عروسَ البحر المرمرية التي خرجت من التقاء بحرين. جاءها المغامرون من الشواطئ البعيدة، وبنوا فيها مدينةً جمعوا فيها ملامحَ كلِّ المدن القابعة جوار البحر، فصارت مدينةَ المدائن وعروسَ الشواطئ معًا. ومع مرور الوقت تحوَّلت مدينةُ البحر إلى أجمل بقعةٍ على الخريطة كلِّها، وأتاها الناس من كلِّ البقاع القريبة والبعيدة، كما يُؤتى إلى حلمٍ سماويٍّ مفتوح.
وخوفًا من تبدُّد تاريخ المدينة ونسيانه، اتفق أهلُها على أن يجمعوا تاريخها ومعالمها وملامحها، بل روحها أيضًا، في متحفٍ كبير: سجلاتها الأولى، تفاصيلها الصغيرة، الأيام التي كانت فيها فكرةً قبل أن تصير أجملَ المدن. واختاروا مكانًا للمتحف، ووضعوا فيه كلَّ ما يتعلَّق بها، كأنهم يُودِعون ذاكرتهم في مكانٍ آمن.
وبعد طول انتظار، قرَّروا أن يقفوا عند كلِّ مداخل المدينة ليمنعوا قدوم (حُرّاسِ الفراغ) إن ظهروا. وبالفعل وقفوا هناك، يُحدِّقون في الطرق القادمة من الخارج، دون أن يتخيَّل أحدٌ أن (حُرّاسَ الفراغ) لم يكونوا قادمين من بعيد، بل كانوا بينهم منذ البداية؛ لم يكونوا غرباء، ولا كائناتٍ هابطةً من سماءٍ أخرى، بل كانوا حُرّاسَ المتحف أنفسهم. أولئك الذين أفرغوه في صمت، جمعوا سجلاتِ المدينة ومقتنياتِها، ثم اختفوا، تاركين المدينة قائمةً بلا ذاكرة، خاويةً تمامًا، بينما ظلَّ أهلُها واقفين عند المداخل، ينتظرون (حُرّاسَ الفراغ) الذين لم يأتوا أبدًا.















