دانييل بولانجي
ترجمة: مبارك وساط
تقديم:
دانييل بولانجي (1922 ـ 2014) : روائيّ وكاتب قِصّة قصيرة وشاعر وكاتب مسرحيّ وكاتب سيناريوهات فرنسيّ. من بين رواياته، نَذكُر: “مِرآة من هنا”، “الباب الأسود”، “الأرعن”… ومن مجموعاته الشِّعْريّة: “أيّتها النّافذة يا سفينتي”، “ضاحية الجِنّيات”، “من صوفٍ ومن حرير”، “فندق الصّورة”، “لمسات (أو رتوشات)”…
نُضيف أنّ دانييل بولانجي كان مُمثّلاً سينمائيّاً أيضاً، وقد مثّل في عشرة أفلام. والصّورة أعلاه، التي يبدو فيها على وشك إطلاق النّار، مُقتبسة من فيلم “مُنتهى الإجهاد” (أو: بِنَفس منقطع)، للمخرج جان لوك غودار.
هذه بعض من لمسات (رتوشات) أو قصائد د. بولانجي:
لمسةٌ على الاحتفال
عندما كُنْتُ حكيماً
كنّا أنا والخادمة خلال الأيّام المرشوشة بمسحوق السُّكَّر
نتركُ الحشد يتقاتل في السّاحة الكبرى
على قطع حَلوى صغيرة
يُلْقي بها إليه قُضاةٌ رومانِيّون
كنتُ أركبُ التّرام مع الخادمة
ونمضي حتّى المحطّة الأخيرة
وكنّا نعود إلى البيت
في نفسِ المَرْكبة الرّومانِيّة الصّفراء
من مكان أبعد بكثير من النّجومِ
التي ثَقَّبَتْها كلماتٌ مَجهولة
*
لمسة على الحقل المُوحش
المسلكُ وسَط نباتات الذُّرَة
الذي يُشرف عليه القمر الأحمر
رأيتُه في حُلم
كان في ذلك الحلم حتّى البردُ
ذو رائحة التّفّاح
وعلا نداءُ طائر بلا شجرة
واهتاجَ الظّلّ الذي كان يتجمّع
ويرتعشُ في أسفل سنبلة
لكنْ جاءني ذلك الشّخص وسألني
عن الطريق والسّاعة
وعمّا إذا كان لديّ ما يُشرب وما يؤكل
ما دمتُ واقفاً هناك
بِلا حِراك
ومنذ أمد طويل
*
لمسةٌ على المزاج
لِمَ هذا القلق
إزاء غطاء المائدة الذي لا تَصِمُهُ لطخة
وفوقه الإناء النّحاسيّ والبَيْضة
يُوازِنانِ غَسَقَيهما؟
ما مِنْ حِكايةٍ تُرْوَى لنا
ولنا في هذه الأغذية رغبة.
لكنّ البيضة والإناء هما في إطار
والإطار في مُتحف
والمتحف يُغْلَق في المساء
في ذكرى جهود الرّسّام الشّاقّة.
*
لَمْسَة على الخائنة
لقد تركَتْ لي كلابَها
تِلْكَ الأحزانَ الكبيرةَ التي يُداعبُها المرء
*
لمسة على الإغواء
رغبتي بِخُطى ذئبة
تمضي رفقة القمر
حتّى النّوافذ غير المُحْتشِمة
ظلمة الليل التي تتدلّى منها يَد شاحبة
تنُوسُ على سريرٍ مُعَلَّق
وأنفاسُها على رقبتي
*
لمسة على الحرارة
تلك التي تتعرّى
بين المرايا
النّهار ذو العينين الواسعتين ينهشُها بنظراته
أَيادٍ أُخْرى غير يديها
ستتمكّن من اجتياز الجداول والرّوابي
سَتُزيّنُها بِقليل من الليل
*
لمسة على كُتلة العظام
الكلبُ الذي يُشبْهُ روحي
بَقِي واقفاً
أمام ذِكْرَاي
*
لمسة على الحاضر
تُقْلِعُ ذِكْرى
من مَدْرَجِ الذّاكرة الطّويل
وتَسْقُطُ وتَتحطّم
*
لمسةٌ على الجنون
إنّه يُغْلِق مروحة البحر
ولا تعود الرّيح سِوى خَفقٍ
لِجناحيْ كاسِرٍ لا يتحرّك
ويَفترس الشمس
*
لمسةٌ على الشَّفَق
قُرْبَ جدولِ الماء تَسْهَر نجمةٌ ثُمّ تغطِس
كاسِرٌ التقفَ الضّوء المُتَشَكّي
ها هو صِياح الدّيَكة الذي يُدْمي الليل
الخوفُ يَفْصِلُ مَشْهَداً حادَّ الزّوايا
حيثُ نَسْمعُ النّدى وهو يُولَدُ مُرْتَعِداً
*
لمسة على العزلة
ليل تُعَدُّ خطاه
حول البيوت التي من دون حُبّ
المرايا تنتظر
متواجهةً
مَوْتَ مصباح
*
لَمسةٌ على الشُّؤْم
لِلسّماء الّتي تُوَجِّهُ عيونها
صَوْبَ أزهار الصّباح
وجهُ طِفل
الرّيحُ تُخْرِجُ قططها
لماذا تأتين أنتِ خرساءَ مبهورةَ النَّفَس
أيّتُها الكآبة
الشّبيهةُ بأولئك العجائز اللّواتي ينظُرْنَ إليك
مِن عتبات الأبواب
والسّواد الملازم لهنّ
لا يموتُ أَبَداً
*
لَمسة على الحِداد
الأرملة تجلس في حقل الخشخاش
يُصبح للأزهار في يَدِها
ارتعاشُ ذاكرتها
يُضيفُ الموتُ حَجَرَهُ
إلى جِدار الحُلْم
*
لمسة على الحُبّ الجديد
على حنجرته
سِكّينُ الذّاكرة
*
لمسة على الهُدنة
مُصْفَرَّةً من الغيرة
تنتظرُ تُفّاحةٌ على المائدة
مجيء الصّباح
قُرْبَ الرّجل والمرأة النّائمَيْن
*
لمسة على صلاة المساء
يا نجمةً تتنقّلُ من شجرة إلى أُخْرى
غازِلةً نَشيدَها الخفيف
البيتُ أبحرَ صوب عُرْض البَحر
والأطفال في النّافذة
يُشِيرون بالإصبع إلى نُقطةٍ في السّماء
أكثرِ رِقّةً من شفتين
وُلِدَتْ بينهما الكلمات
*
لمسة على امتلاك العالَم
من ذاك الحُبّ الكبير
بقي في مُؤَخَّر خزانة
قليلٌ من الشّعر على فُرشاة
*
لَمسة على السّباق
تَنبثق عن الجُزر بُقَعُ موسيقى
يتدحْرَجُ الضّوء في هيئة زَبَد
من خلال الرّائحة المفتوحة
نحو نساءِ لَسْن من هذا البَلَد
لا ظِلال لهنّ ومرسوماتٍ بالصّمت
*
لَمسة على المهجور
أيّتها النّجوم التي هي مهاميز على خاصِرة الليل
أيتها النّظرات، يا أعِنّةً طويلةً للرّغبة
الزّمن يتراجع ويبقى على الضّفّة
فيا جليد الغياب
إنّ انعكاس صورتي على زجاج النّوافذ
يُخْجِلُني
*
لمسة على عشيقة
القطّ يفتحُ لك الباب، الببّغاءُ يُحَيِّيك، الكلب يلحس ثوبك، القرد يُرَتّب الكؤوس على المنضدة، المرأة المنغلقة الياقة تركتْ شفتيها مزمومتين،
تنظر إلى الطائر المعدنيّ الصّغير وهو يدلف إلى ساعتها الحائطيّة.
وها ملاكٌ يَمُرّ.
*
لَمسة على النّدم
في حديقة الذّكرى
المأهولة بتماثيل من دون حدقات
على كلّ رغبة أصبحت حجراً
يَكْسُرُ الحُبُّ جَناحَه
*
لمسة على الانتقال إلى مسكن جديد
كلُّ ميّتٍ يسرقُني
ويترك على الجدار دَمغةً باهتة
لكنّ الليل المتتبِّع
يُعيد بالحبر رسْم اسْمي
الّذي بدأ يتحلّل
*
لَمسة على الصِّفْر
صمتٌ ملء الفم
لمسةٌ على الانتظار
مُلتهباً بين المرايا
يكتسي الصَّمت
هيئةَ المحبوبة
*
لمسة على الحياة
أشواك وجدران
الوردة
على شاهدة القبر
*
لمسةٌ على الحبّ
هذا القنديل الذي ننقله من مكانه
كي نعثر على ظِلٍّ جديد
*
لمسة على الزّوجة
هذه المرأة قالتْ للأطفال
بأنْ لا غضاضة في نسياني
مثلما يُنسى الباب الّذي تمّ المرور منه
وأنّه يمكن استعمال أسماء أخرى غَير اسمي
لمناداتي
وأنّي لم أَعد أَعرفُ أين أنا
رغم أنّي هنا
كالشَّرّ الذي تظهر الحاجة إليه
أحياناً
*
جِينُونْ *
امرأةٌ كما أُحِبّ النّساء: طويلةٌ وضخمة، وفي عينيها تُقرأ دواخلها. تبيعني شراشفَ وفي بيتي تُغَطّي بها الجدران، فتدقّ المسامير، وتستمرّ في دقّها، وتُحدّثني عن الحبّ الذي لا تُمارسه إلّا واقفة.
……………………..
* جينون ـ Junon ـ : ملكة الآلهة وحامية الزّواج، حسب الميثولوجيا الرّومانيّة.
*الصورة دانييل بولانجي مسدِّداً مسدّسه في فيلم منتهى الإجهاد














