د. سمير مندي
أول ما يسترعي الانتباه في ديوان كريم عبد السلام الأخير (أيها القارئ السعيد…ماذا فعلت الحملان بالذئاب) مؤسسة يسطرون 2025م، هو هذه الإشارة، أعلى غلاف الديوان، إلى نوعٍ من القصائد قد لا يكون مألوفًا للقارئ العربي «البالادات»Ballads . يقوم هذا النوع على الحكاية بالدرجة الأولى. الحكاية المقطوعة من قماشة الثقافة العريضة بألوانها الزاهية المتعددة من حكايات ومأثورات شعبية، إلى أساطير ومعتقدات، وتجارب تمتزج فيها الحقيقة بالخيال.
عنوان الديوان نفسه يعد لا بأشعار، وإنما حكايات. حكايات أشبه بحكايات كليلة ودمنة، أو حتى ألف ليلة وليلة. هناك حكاية عن الحملان والذئاب، وسؤال عما جرى بينهما. وهناك القارئ الذي، يُتوقع أن تهمهُ معرفة مآل الحدوتة. خصوصًا وأنَّ المفعول به هنا لا «حملان»، وإنما «ذئاب»، على عكس ما قد نتوقع. اللافت أن عنوان الديوان هو بمثابة رؤية عامة لقصائده ككل، مادام أننا لا نجد بين قصائده العشرين قصيدة بهذا الاسم. في القلب من هذه الرؤية تقع الحكاية السحرية. الشاعر نفسه لم يتأخر، بعد ذلك، عن تصدير كتابه بمشهد من مشاهد ألف ليلة وليلة.
الإهداء في مقدمة الديوان يشير، بدوره، إلى حكاية بين شخصين، وسر لا يعرفه إلاهما. ربما من أجل Lotie، المُهدى إليها، قرر الشاعر أن يخوض تجربة الكتابة في نوع من طراز غربي يحتاج إلى نفَس طويل وقدرة على الغوص في نسيج الثقافات المعقد. فالقصائد، في هذا الديوان، تطل برأسها في أكثر من اتجاه، فتمنح لا بصرًا إضافيًا، إنما بصيرة يحاور من خلالها الشاعر الكون الفسيح بلغات متعددة. ربما من أجلها قرر أن يخوض تجربة شعرية لم يخضها إلا القليلون من شعرائنا المعاصرين أمثال صلاح عبد الصبور وبدر شاكر السيَّاب. فيضخ، بذلك، دماءً جديدة في عروق قصيدة النثر الحالية.
الخيال الإبداعى
ضع كل هذا وراء ظهرك وتعال لنرى ونعرف ماذا قدم لنا الشاعر في مغامرته الجديدة هذه. فلن نقف، بحالٍ، على الأبواب دون الولوج إلى الخبايا التي تتوارى خلفها.
قلنا إن قصيدة (البالاد)، هي في أصلها، حكاية شعرية. فلم نتجاوز بذلك معناها كما عرفه ومارسه شعراء غربيون أمثال صامويل كولريدج وجون كيتس. مع ذلك فالحكاية ليست مقصودة لذاتها لدى عبد السلام هنا. فلسنا ننتظر منها أو فيها أن نقف على مصير بطلٍ من الأبطال أو مآلٍ من المآلات التي ينتهي إليها عادة أبطال الحكايات. وضرورة الحكاية هنا ولزومها ينبعان من منطق الرحلة الذي يميز الديوان. الرحلة في عوالم سحرية لا يربط بينها سوى الخيال الإبداعي الذي يجمع ما لا يجتمع. وهي ضرورية أيضًا لبسط أصوات وحوارات متعددة بين شخصيات وأزمنة وأحداث متباينة صانعة، بذلك، «فسيفساء» من طراز فريد.
على سبيل المثال في قصيدة (الحياة في حديقة الأوهام…الحارس…والبستاني وعازف الناي) فلسنا ننفعل بمصير الحارس أو البستاني أو عازف الناي بقدر ما ننفعل بالحوار الذي يجري بين هؤلاء، وبين حديقة ثارت نباتاتها استجابة لنزوعها الطبيعي لحياة حرة منحتها إياها الطبيعة عن طيب خاطر. حال ذلك نصبح مستعدين ومستمتعين بمجاز «الأوهام» التي نبتت على شكل زهور عملاقة، والزهور التي تبدد أوهامنا شيئًا فشيئًا حول فكرتنا عنها ورؤيتنا لها بعد أن ثَبَّتَ الشاعر على أعيننا نظارة من طراز نظارات «البعد الثالث» لنرى من خلالها ونعرف عالمه السحري:
«عادة ما تنبت في الحديقة أوهام على شكل زهور عملاقة، أوراقها وبتلاتها تتجه إلى الخارج. مع ذلك لا يجب الحكم عليها بأنها مارقة. وأجدني غير مضطر لاختصار الزهور العملاقة في كلمة. الكلمة هي المعنى والمعنى هو الوجود الحي، و«مارقة» تعني اغتيال صريح، وأنا لن أكون قاتلاً في يوم من الأيام. وهكذا طوال الأيام والليالي أتبع الزهور العملاقة التي تنبت بسرعة كبيرة خارج الحدود ليس لقمعها ولكن للحوار»
إزالة الحدود بين الأزمنة
سوف يلاحظ القارئ في ختام معظم قصائد الديوان لوحة لوجه مرسوم. تختلف طريقة رسم الوجه في كل مرة، وتختلف طريقة إبراز ملامحه بين لوحة وأخرى. ولكنه يظل وجهًا في نهاية المطاف. هل لذلك علاقة بالأزمنة المتباينة التي تعبر إليها القصائد، وتتمكن من إدراك وجوه الشبه بينها رغم اختلافها؟ هل هناك علاقة ما، بين اختلاف العين التي ينظر بها الشاعر في كل مرة إلى منحى من مناحي الوجود، واختلاف طريقة رسم هذه الوجوه؟ وهل لكل هذا علاقة بمعنى ما يدركه الشاعر في اختلاف وتنوعات أحوال الوجود؟ ربما. كل هذا وارد، كل هذا محتمل.
وربما لذلك ينادي «كتاب»، كما أسماه الشاعر، «أيها القارئ السعيد…ماذا فعلت الحملان بالذئاب» كتابًا آخر في تراثنا البعيد لعله كتاب «منطق الطير» لفريد الدين العطار مثلاً. ووجه الشبه بينهما قد يكون في الرحلة التي تتجاوز الزمن، وتعلو فوق حدوده سعيًا وراء معنى أو مجهول، دون أن تكون الرغبة في الكشف عن هذا المجهول، بالضرورة، مطلبًا.
قصيدة «كتاب الحروف…ما رآه الفارابي قبل كريستوفر نولان، وما عاد به عرابي من المنفى» واحدة من هذي القصائد التي تُزيل بسحرها الحدود بين الأزمنة، وتدمج في نسيجها انتصارات وهزائم ومحن وكشوف فلسفية وصوفية رائعة في اجتماعها. في مطلع القصيدة نقرأ هذه السطور:
«رأى الفارابي، بعد أن نفدَ زيتُ السراج، الكونَ كلَّه بين «أين» و«متى»، وكتبَ في الظلامِ على الرق الذي بين يديه: «المكانُ عَرَضٌ.. والزمان جَوْهَرٌ»، فأمر سعيد باشا بإلحاق أبناء المشايخ والأعيان بالجيش، للمساواة بين الشركس والمصريين، لكن صوتَ توفيق سُمع عاليًا في مواجهة عرابي: » ورثتُ هذه البلادَ… وما أنتم إلا عبيدُ احساناتنا»، فيما كريستوفر نولان يخيط الزمنَ، في ظلامٍ آخر، ليجعل أوبنهايمر بطلاً وعاشقًا سيئَ الحظ، ويضع هيروشيما وناجازاكي على رأس ترومان وحده، رغم أن أوبنهايمر من كان يعرفُ نهايةَ العالم»
أما في قصيدة «شمس المعارف… انقطاع الحبل السري وسقوط آدم وحلم استعادة الاسم الأعظم» التي يختتم بها الشاعر كتابه. فيعيد الشاعر من خلالها كتابة أسطورة السقوط من خلال رحلة أو ما يشبه معراج يقوم به الصوفي الشهير أحمد بن علي البوني:
«قرأ «أحمد البوني» أنه مكتوب أن نُفسد فيها، وأن نسفك الدماء، فسقط من جبال الجزائر إلى صحراء القاهرة وهو يمسك في يده رقاًّ من الكاغد عنوانه «شمس المعارف ولطائف العوارف»، ومدونٌ فيه المكتوبُ على جبهة آدم وعلى عصا موسى والمنقوشُ على خاتم سليمان، ممنيًا النفس بإدراك اسم الله الأعظم الملك القدوس المهيمن الجبار المتكبر، والأسماء التي كان عيسى بن مريم يرددها فيُحيي بها الموتى، حتى يتصل بقوى الكون التي تمسك الأرضَ عن السقوط وتُحرك الشمسَ في مدارها والقمر في مساره»
ديوان كريم عبد السلام «أيها القارئ السعيد..ماذا فعلت الحملان بالذئاب» ، يُعتبر تحولاً في قصيدة النثر المصرية. أكثر من لغة، وأكثر من لسان ينطق في هذه القصائد المرفوعة على أعمدة خيال ساحر. ليس الجديد في نوع القصائد المكتوبة وحسب، (البالاد)، الذي يقوم على حكاية شعرية، وإنْ كان ذلك مما يُحسب لها. إنما العبرة بهذه الفسيفساء الشعرية التي يصنعها كريم بقلبٍ وقدرة، وينقشها بألوان وأساطير وتجارب وشخصيات وحوارات أقرب إلى بعد شعري ثالث جميل.
ديوان «أيها القارئ السعيد..ماذا فعلت الحملان بالذئاب»، يخرج بقصيدة النثر، ربما للمرة الأولى، من (كورنر) الذات الضيق المعتاد.














