وَحشة

هيثم الوزيري

ظلام الليل والبرد، محمل بأكياس من المشتريات، باب العمارة الحديدي مغلق ولا يملك له مفتاحا، لم يعتد أن يتحرك بلا مفاتيح، الوقوف أمام الباب انتظارا لشخص ما ربما يكون نازلا أو ربما يكون صاعدا فيفتح له الباب، يصعد إلى حيث الدفء.. حيث يلقي من يديه الأكياس.. يجلس بصحبة كوب من الشاي بالنعناع وكتاب.. رواية ممتعة، لقراءة الروايات الممتعة في البرد نشوة لا تضاهى بالنسبة له.

يحاول الاتصال بها منذ ما يقارب الساعة، تليفونها مغلق، هي من أخذت مفاتيحه، ترى هل فعلت ذلك عن عمد؟، يتابع محاولة الاتصال بها على الرغم من نفس الرسالة المسجلة التي تطلب منه أن يترك رسالة صوتية.

فكر في النداء بصوت عال، لكن كانت أمامه معضلة أنها عندما تنام فهي تموت فعليا، لا يمكن لانفجار نووي إيقاظها، كذلك هو لا يحب أن يسمع أحدهم نداءه في جوف الليل، تلك مشكلة دائمة تواجهه عندما يتحتم عليه أن يرفع صوته في نطاق مفتوح.

الهلع يسيطر عليه، ربما هو خوف طفولي، رعب الإنسان البدائي من الظلام والبرد المرتبط دوما بهجوم وحوش البرية، يذكر وقوفه أمام بوابة المدرسة بعد انصراف التلاميذ وقد فاتته الحافلة، للمرة الأولى يرى الشارع الواقعة فيه المدرسة خاويا، اعتاده دائما يملؤه الصخب والزحام.. غبار يملأ الجو تصنعه أقدام التلاميذ الذين ألقوا بحقائبهم أرضا يلعبون الكرة أو استغماية، أصوات حديث متداخل، خلية نحل ذات أزيز متواصل لا ينقطع.

الصمت التام، الفراغ، إحساس بالعدم لفّه يومها، بالإضافة إلى الشمس التي تسارعت حركتها استعدادا لوقت الأصيل، أحس كمسافر أضاع تذكرته على باب المطار.  

على المقهى يجلس مستأنسا بضجيج رواده المشغولين بمتابعة مباراة كرة قدم، يمسك بكوب الشاي بكلتا يديه، حرارة الكوب تصطدم ببرد كفه محولة إياه تدريجيا إلى دفء محبب، يتطلع إلى الشاشة، المباراة ممتعة بالفعل، يندمج مع إثارتها ثم يتذكر فيمسك بالهاتف، مرة جديدة.. الهاتف مغلق ما يزال، الغضب دخان أسود يملأ صدره، بنزين الغل يجري في عروقه، ويقسم أن تطرقع كفه على خدها حين تفتح له الباب كالعادة بعينيها نصف المغلقتين من أثر النوم.

مع نهاية المباراة يعود الهلع ليسكنه، المقهى يكاد يخلو من الناس، لم يعد إلا فئة قليلة تحلقت حول أحجار الدومينو، يهم بفتح حقيبته لإخراج الرواية التي يحملها محاولا قتل الخوف والوقت معا، لكن ذلك الهدوء بعد الصخب يزيد من توتره، يعيد الرواية إلى الحقيبة، يخرج تليفونه.. التوتر والخيال لا ينسجمان، على تليفونه يلعب السودوكو، الأرقام هي المهرب، حقيقة هي، كحقيقة أرقام الدقائق والساعات التي تمر.. إلى أن تفتح هاتفها.. إلى أن يطلع الصبح.

الخوف من أن يترك، أن يخلفه الناس وراءهم، فعلها أهله من قبل، تركوه وحيدا يوم جمعة وذهبوا لزيارة الأهل، كان يفترض أن يكون معهم، لكنّ رسوبًا طارئا في اختبار شهر اللغة العربية كان بالنسبة إليهم مدعاة لتركه كقطعة غسيل وسخة على كوم الغيارات.

يومها كان الاستماع إلى الراديو يوم الجمعة مقبضا، هو الذي لم يعتد إلا على أن يحيا على صوت الراديو منذ الصباح وحتى موعد الذهاب للمدرسة ظهرا، يذكر يومها حلقة برنامج أغرب القضايا، إلى الآن ما زالت موسيقى البرنامج تثير فيه مزيجا من الهلع والشجن.

انفضت جماعة الدومينو ولم يبق سواه واثنان انتحيا ركنا وانخرطا في حديث طويل، رأسه مدفون في شاشة التليفون حيث السودوكو تجنّبه الالتقاء بنظرات القهوجي، التي ربما قد تحمل فضولا أو تساؤلا، خاصة وقد أمسك بالمكنسة وشرع يزيل عن أرضية المقهى ما علق بها من تراب اليوم الطويل، هنا بادره بالسؤال

– وقت الإغلاق؟ أليس كذلك؟

– لا لا نحن لا نغلق.

هنا وللمرة الأولى تنفّس بارتياح، نفس مصحوب بزفرة ملتهبة، أخرج الرواية من الحقيبة، أمسك هاتفه، وقد قرر أن يجرب بالاتصال بها من جديد.. الشاشة أضاءت فجأة مصحوبة باسمها مع رقمها، رفع الهاتف إلى أذنه..

-ألو.. ألو.. ألووووو.

همَّ بالرد عليها ثم تراجع، أغلق الخط ووضع الهاتف جانبا، دفن رأسه بين صفحات الرواية، وقد هدأت نفسه وقرر أن يكون هذا المقهى بيته لهذه الليلة.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع