فوبيا×2

maimoun harash

  ميمون حرش 

    أتمدد على سرير الفحص كطفل مُطيع، أترك لطبيبي جسدي حبلا على غارب مبضعه، يجسّ بدني مترصداً موضع ألمي، يمرر يده في أماكنَ يحفظها جيداً، ليعلم ما بي، لكنه عبثاً يحاول (ربما)، فألمي فظيع، ومخفي، مثل دراكولا، لا يبرز إلا وهو مقنع، ورغم أن طبيبي مختص في  الأمراض الباطنية لم يفلح، مع ذلك، في رصد دائي؛ هذه زيارتي الثانية له، بعد الأولى، والمضنية.. لقد حيّره أمري، فعلاً، فبعض الآلام جيش مُدرب، تحرن لأطباء كثيرين رغم قصفهم المختار بعناية، وفي أوقات دقيقة قبل الأكل وبعد الأكل، سلاحهم إبر، وعقاقير، وتحاليل… قد لا تشفينا، ولكنها تعلمنا كيف نحفظ أوقات أكلنا رغم الكفاف، يصبح “قبل وبعد” هو دوامنا مع الأدوية حتى دون أكل.

  شكّل طبيبي مع مرضي ثنائياً عجيباً، ألمي يستدعي مداوياً، وهذا يلح في طلبي، كل مرة؛ في زيارتي الثالثة  لطبيبي ، وبعد أن جرّب معي حيله الدوائية كافة، دون جدوى، سيعلن لي جولة حربية جديدة، اِعتدل في جلسته، قال إني أحتاج لطبيب متخصص في «…»، أوصاني به، كتبَ شيئاً في ورقة بيضاء أنيقة، ناصعة أكثر من مستقبلي، كان سريعاً في كتابته، هدفه أن يتخلص مني(ربما)، وضع مكتوبه في ظرف، وأغلقه بإحكام، مدّه لي، لكني تركتُ يده ممدودة مدة، محتجاً بلطف:
” دكتور، أعاني من فوبيا كل ما هو مغلق: الأمكنة، الأظرفة، الأفواه… افتح الظرف رجاءً “

رازني ملياً قبل أن يحرر يده، يواصل التحديق في عينيّ، يترك الظرف الخفيف ينساب فوق مكتبه، يلتقطه كرة أخرى بحركة فيلمية، يتنهد وهو يفتح الظرف دون امتعاض، يخرج ورقته، يمدها لي، يقول لي بهدوء مقنع مثل ألمي: “اِقرأ”؛ أخذت الورقة منه، اعتدلتُ وأنا أقرؤها، تتراقص حروفه القليلة في عينيّ، خطه عصي على الفهم، كل حرف بحجم سرطانة البحر، قلت له ببراءة:

” دكتور، خطكم غير مقروء، ثم لست أدري لماذا تهملون- معشر الأطباء- علامات الترقيم، والرجوع إلى السطر، والكتابة وفق فقرات، و…”
قاطعني بحدة، وبامتعاض هذه المرة، قائلا:

 ” كلانا مريض سيدي، أنا أيضاً أعاني من فوبيا حادة لكل ما هو مشرع، الأفواه المفتوحة خاصة”.

  كرر كلمة “الأفواه”، ثم ابتسم، ظل مبتسماً وهو يحدق فيّ بشكل غريب.
 أنا لم أبتسم، خرجت أجر ألمي لأقصد طبياً آخر حسب توصيته…غالباً هو طبيب نفساني (هكذا حزرت).

   جولة أخرى مع طبيب جديد، كونوا معي، لتعرفوا المزيد، فحين أحكي عن ألمي أحس نفسي بشكل أفضل.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع