لحسن وحي*
يُعد المفكر الحداثي “محمد سبيلا (1942 – 2021)” من رجالات الفكر المغربي، ولعله الوحيد من أولئك المعاصرين الأوائل الذين حاولوا التفكير في الحداثة والفلسفة، إنه عادةً ما يُوصف بفيلسوف الحداثة؛ نظرًا لارتباط فكره بالحداثة وعناصرها الفكرية والفلسفية؛ ونظرًا أيضًا لبحثه الدؤوب في الماهية والأسس الفكرية، والمدلول الفلسفي والميتافيزيقي لموضوع الحداثة الذي يظهر في إنتاجه الغزير وتنظيره المتماسك. لاسيما أن تخصصه كان تخصصًا في الفلسفة الحديثة والبحث عن: روحها، وجوهرها، وبؤرتها التي كانت الحداثة هي هذه الروح والبؤرة، وهذا الجوهر الفكري للأزمنة الحديثة.
إذا كانت فلسفة “محمد عزيز الحبابي” فلسفة غدوية/ غدية، فإنَّ الأمر ذاته ينطبق نوعًا ما مع فلسفة “محمد سبيلا”، إنها ارتباط وثيقة وصلة متصلة بالمستقبل في تطلعها نحو ما هو آتٍ، واهتمامها كل الاهتمام بالراهن والحاضر، وكذا موّلتها أهمية قصوى للحظة القائمة في قوتها واشرئبابها. فلو سألنا “سبيلا “: هل اخترت الفلسفة أم هي التي اختارتك؟ فستكون إجابته على الشكل الآتي:« في الظاهر يبدو أنني أنا الذي اخترت الفلسفة كحِرفة وهواية، ولكنها هي التي اختارتني في العمق، وظلت، وستظل تداهمني وتغريني، وتمارس عليَّ فتنتها الأبدية.»(1)
إذ تشترط الحياة الفلسفية أو الفكرية أن يحمل المرء معه همومًا معرفية تساؤلية، وهي حياة تبدأ بتراكم طفولي لتساؤلات ميتافيزيقية وأخلاقية كبرى، من مثل: من أين أتيت؟ ولماذا أتيت؟ وكيف كنت؟ وكيف أصبحت؟ ما الخير والشر؟ وما المصير؟ ولماذا يموت؟ كل هذه الأسئلة وأخرى كانت تُراوده إذ هي رافقت الرجل منذ طفولته، أقصد هنا المفكر المغربي الحداثي “محمد سبيلا “.
في المنوال ذاته تجدر الإشارة إلى أبرز مؤلفات الرجل وترجماته: الفلسفة بين العلم والإيديولوجيا، (الرباط، 1972) تساؤلات الفكر المعاصر (مؤلف جماعي، الرباط، 1986)، مدارات الحداثة (الرباط، 1987)، سلسلة دفاتر فلسفية، بالاشتراك مع الأستاذ عبد السَّلام بنعبد العالي (الدار البيضاء، ما بين 1989 – 1992)، قضايا الفكر المعاصر (مُؤلَّف جماعي، الرباط 1990)، الإيديولوجيا (الرباط، 1993)، المغرب في مواجهة الحداثة (الرباط، 1999)، الأصولية والحداثة (الرباط، 2000) …. إلخ.
طبعًا لا تختزله الكلمات ولا العبارات، مفكر الحداثة، رجل السُّؤال، سؤال الحداثة والفلسفة “محمد سبيلا”، إنه دائمًا يؤمن بأن هناك انتقالًا من سؤالٍ إلى سؤال أعمق.
بما أنَّ الفلسفة تستمد زخمها من خلال الاهتمام الذي تُكنّه لشأن العام، وفي سعيها إلى إعطاء مقدارٍ كبير لـ: قضايا الإنسان، والتفكير النَّقدي، والوعي الجماعي، ووعي بآليات التحديث والتأطير الفكري للتحولات الـ: فلسفية، والفكرية، والعلمية، والاقتصادية التي عرفها، ويعرفها، وسيعرفها العالم. فإنها تكتسي أهمية بالغة لدى “سبيلا”، إذ يرجع لها (الفلسفة) – بحسب سبيلا – الفضل الكبير والكثير في قراءة التراث الفكري العربي – الإسلامي، لا قراءة تمجيدية أو تقريظية، وإنما قراءة نقدية فاحصة. ذلك أولًا، بالانطلاق من مفاهيم ومنهاج حديثة – معاصرة، وثانيًا، بالاعتماد على أدوات وآليات حديثة.
ونظرًا أيضًا لكون« حياة الفلسفة في بلدنا – بوجهٍ خاص- تتوقف على قدرتها على تغذية الوعي المغربي وتأطيره في اتجاه التطور.»(2) ليس هذا فقط، بل تعيننا في التعامل مع الفكر الغربي تعاملًا نقديًّا كذلك، من خلال التمييز بين ما هو علمي وما هو إيديولوجي، بين ما هو كوني وما هو محلي- خصوصي. مع مراعاة تاريخية المعارف وسياقاتها الثقافية والحضارية. لاسيما أيضًا أن« الفلسفة من حيث هي تفكير شمولي في الحاضر،»(3) فإنها الكفيلة عن باقي العلوم الجزئية التي تستند إلى التَّحليلات القطاعية وإقامة نظرة ووعي تجزيئيين، تغيب فيها كل الضرورات والإكراهات المنهجية التي يطرحها السياق، بفتح الأفق وتحقيق مُبتغى الحداثة والحرية الإنسانية.
كما أنَّ الفلسفة في نظر “سبيلا” لايمكن أن تكون ترفًا فكريًّا ولا مجرد فُضلة عقلية، ولافقط مجرد« سباحة في سماء المفاهيم المجردة – ولامجرد – تأملات في المفاهيم الكبرى كـ: العقل، والحرية، والمصير، وغيرها…»(4)- هنا نلامس نوعًا من النَّقد، ولو لم يكن مُوجهًا مباشرة إلى الحبابي! فسبيلا هنا ينفي أن تكون الفلسفة فقط مجرد تأمل مفاهيمي -، وإنما هي في نظره، عقل وتعقل، تفكير وتفكر، وانفتاح على الواقع، واستيعاب مكوناته واتجاهاته. يعبر بالأساس عن حاجة مجتمع في طور التحول، أو على الأقل، يسير نحو التقدم والتطور، مجتمع يعاني الأمَرّين: فلا هو في ماضيه، ولا هو في حاضره؛ مجتمع مُمزق، في حاجة إلى إعادة التفكير في قضاياه، قضايا كبرى تُطرح على الفكر البشري برمّته، وفق أفق التفكير فيها، شموليًّا وتاريخيًّا.
أ- الفلسفة باعتبارها قدرًا فكريًّا ومخزونًا للحكمة البشرية.
« إنَّ عودة الفلسفة إلى الجامعة المغربية اليوم هو بمثابة عودة الروح إلى الجامعة؛ لأن جوهر الجامعة، من حيث إنها المؤسسة الحديث المؤطرة للمعرفة، هو نشر الفكر الحديث، وإشاعة الحداثة الثقافية، وهذه العودة تعبر عن: حاجة اجتماعية وثقافية، ووعي بدورها التنويري، ودورها في بلورة وعي حداثي مغربي بالحداثة وأسسها الحداثية.» محمد سبيلا (الفلسفة وتحولات المجتمع المغربي (2007)).
الفلسفة في بُعدها الحداثي- يربط “سبيلا” بين الفلسفة والحداثة؛ ذلك لكون الفلسفة هي الكفيلة بترسيخ كل منجزات التحديث والحداثة(5) في: الفكر، والثقافة، والمجتمع المغربي، وسيما أيضًا أنها-أي: الفلسفة– تسهم بوجهها وصورتها الحداثية« في تنوير العقول وتفتيح الأذهان، وإذكاء الفكر النَّقدي والعقلاني.»(6) وهنا يطرح السؤال التالي: أي نظرة يقيمها “سبيلا” للفلسفة؟ أو بمعنى آخر: ما معنى الفلسفة لدى “سبيلا”؟ وكما سبقت الإشارة إليه؛ إن “سبيلا” كان دائمًا مُلمًّا أشد الإلمام بهموم فلسفية فكرية وأسئلة ميتافيزيقية ذات بُعد سيكولوجي، وكانت مرتبطة هي الأخرى به(الأسئلة)، منذ صغره إلى أن وافته المنية جرّاء جائحة كورونا.
سنضع تساؤلًا لعله ينيرُ طريقنا مباشرة إلى التعريف أو المعنى الذي يقدمه “سبيلا” للفلسفة، ألا وهو: لماذا هذا الربط الدائم والمستمر بين الفلسفة والحداثة؟ على اعتبار الحداثة موضوعًا ضمن موضوعات وانشغالات الفلسفة خاصة الفلسفة الحديثة، والفكر المعاصر بمختلف تياراته واتجاهاته، إلا أننا سنعالج هذه المسألة لاحقًا. بالمقابل، نبادر بطرح سؤالين، هما: ما الفلسفة من منظور “سبيلا”؟ وهل تصور “سبيلا” للفلسفة تصور حداثي أم تصور امتدادي لما هو متوارث ومتعارف عليه في الثقافة الفلسفية المغربية؟
يجيبنا “سبيلا” عن السُّؤال الذي طرحناه آنفًا الذي هو إشكال هذه المقالة:« الفلسفة هي قدرٌ فكري ومخزون الحكمة البشرية الذي يجتذب العقول ويدمجها في خزانه المعرفي والتساؤلي الضخم.»(7) ولا اختيار فيه؛ لأنه ببساطة يجعل المنخرط فيه وبه، ضمنيًّا، ينخرط انخراطًا غير اختياري، فضلًا عن كونها – أي: الفلسفة- ذاك القدر الفكري الذي يكون استجابة لحمولة حاجات نفسية وعقلية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بأسئلة سيكولوجية وميتافيزيقية طبيعية وأنثروبولوجية، إلى غيرها من الأسئلة الأخرى التي لاتنفصل عن المعيش الإنساني.
كما أنها [الفلسفة] في نظر “سبيلا”، هي التي تشد عقول المفكرين والفلاسفة إليها وتجذبهم انجذابًا لا اختيارًا، ذلك بوصفها قدرًا فكريًّا ومخزونًا للحكمة البشرية يحاول دمج إبداعات البشرية في وحدة فكرية، في أفق تساؤلاته الشاملة؛ ففي هذا صدد يرد “سبيلا ” قائلًا:« فاختيار الفلسفة ليس اختيارًا شخصيًّا فرديًّا لمادة معرفية بقدر ما هو استجابة لحاجات عميقة في النفوس تتمثل في زخم الأسئلة: السيكولوجية، والميتافيزيقية، والطبيعية، الأنثروبولوجية وغيرها.»(8) وبالتالي، إن الفلسفة وفق هذا الطرح استجابة لأسئلة تثيرها النفوس في دواخلها قبل أن تطرحها في العلن، كما يثيرها الكائن القلق المتسائل في أعماقه.
يسوق لنا “سبيلا ” مثالًا عن هذا، في الربط الذي أقامه “سيغموند فرويد” بين الميل نحو الفلسفة وبين تجربة “صدمة الميلاد” والقلق الذي يُداهم الإنسان في طفولته وهو يبحث عن أجوبة لأسئلته (أسئلته حول الخلق والوجود، الولادة والموت…)، بيد أن هذا القلق الطفولي يزداد حدة كلما زادت التساؤلات عمقًا وزخمًا، خاصة في علاقتها بالثالوث الأوديبي. في موضعٍ آخر، يقول” سبيلا “:« علينا أن نعرف أولًا بأن الفلسفة ليست قصيدة شعرية يمكن استظهارها في ظرفٍ وجيز، إن الفلسفة تراثٌ فكري ضخم للبشرية، وفي أثناء تعاطينا الفلسفة يجب استدراك الفوات التَّاريخي القديم (..) بعد أن يكون هذا التراث الضخم قد تمثل في لغتنا العربية وأصبح سائدًا (..) إذ ذاك يمكن أن نتحدث عن جيل الإبداع الفلسفي؛ لأننا لا يمكن أن نصل إلى مستوى الإبداعية في الفلسفة ما لم نصل إلى المستوى العالمي بالاحتواء والفهم الشامل للتراث الفلسفي العام.»(9) وعليه، فإن سمة الفلسفة هي كونها لاسردية أو شعرية، فقط، تحتمل الحفظ والاستظهار؛ لأنها تراث فكري إنساني يحتاج الإبداع فيه إلى استدراكه تاريخيًّا وفهمه فهمًا سياقيًّا، غير أن العملية التي تسبق كل هذا هي إخضاعه وتمثله في لغة السياق الثقافي والحضاري المُراد نقله إليه، لينجم عن هذا الاستدراك التَّاريخ والاحتواء اللغوي، تحصيل ودخول سكة الفهم الشامل للتراث الفلسفي العام، أولًا، كتراث بشري عالمي ضخم يشمل أفكار عقول مضت. ثانيًا، للارتقاء إلى مستوى الإبداع فيه.
عودا إلى المسألة التي أجلناها (مسألة ربط الحداثة والفلسفة)، يبين “سبيلا ” مدى الترابط الحاصل بين الحداثة والفلسفة، فكلاهما في نظره، قدر فكري لا اختياري؛ ذلك لكون الحداثة هي نفسها تخترق الإنسان سواء أكان في مجتمع يؤمن بها أم لا يعير أي اهتمام إلى أن تخترقه وتخترق مجتمعه؛ إذ يقول “سبيلا”:« أما بالنسبة للحداثة، فهي أيضًا اختيار فكري غير عرضي، فالمرء الذي نشأ في مجتمع تقليدي تُداهمه الحداثة من كل صوب.»(10) ناهيك الغزو التقني الذي تعرفه بيئته مما يثير لديه جملة تساؤلات عميقة.
غير أن السُّؤال عن الحداثة سؤال من شأنه طرح أسئلة: الجدة، والنوعية، والتطور، في مقابل إثارة فضول قيمي إزاء ما تتعرض له القيم والأخلاق، وإزاء ما تتعرض له الطمأنينة الإنسانية، بحيث يجد الإنسان، وتحديدًا بلغة “الحبابي”، إنسان عالم ثالث، يجد نفسه وجهًا لوجه أمام سيل من الآلات المتطورة التي قد تفوقه فعلًا وقدرةً في بُعدها التقني. فما من خيار أمامه سوى التساؤل عن هذه الآلات والتساؤل عما يقف وراءه من تطور علمي، ومن تحديث تقني تكنولوجي.
أمام الانشقاقات والانكسارات والتحولات الكبرى التي عرفها العلم عامة والعلم الحديث خاصة وأمام الثورة البيوتكنولوجية(11) المعاصرة، كان على الفلسفة أن تتعقب الخطوات التي عرفها العلم وما وصلت إليه التقنية، بحيث كرست جانبًا منها على الوقوف «عند المنعطفات الكبرى التي عرفتها بعض المعارف العلمية»(12)، وهي منعطفات سمحت للفلسفة أن تعيد النَّظر في البداهات والمطلقات على حد تعبير “سبيلا”. وإلى درجة أن أصبح الفيلسوف أمامها يفحص ويمحص التآكل والتفكيك النسبي الذي أحدثته، سواء أكان على مستوى الروابط الاجتماعية والتضامنية، أم على مستوى العلاقات الأسرية والاقتصادية، واقتفاء أثر الخلفيات الفلسفية والفكرية التي كان وراءها. بل أصبحت الفلسفة تُعاني منذ أن تبلور العلم بمفهومه الحديث الذي حملت معه مجموع من الاتجاهات كـ: الوضعية، والمادية، والتَّحليلية، شعار:« إن العلم هو النمط الوحيد والنهائي للمعرفة البشرية.»(13)
ليصبح العلم دين داخل إيديولوجية علمية أو علموية، بل أصبح سلطة وأنموذجًا معرفيًّا وحيدًا يلزم الاقتداء به، وحيال هذه الأزمة التي داخلت فيها الفلسفة، جاء الفرج أخيرًا على يد المدرسة الفينومينولوجية التي سعت مع “إدموند هوسرل” إلى عد الفلسفة علمًا دقيقًا أو كعلم دقيق، الأمر الذي يعبر عن مطمح بعض الفلاسفة ورغبتهم في أن تكون الفلسفة علمًا دقيقًا. وقد انعكس هذا التعقب، بوضوح، في الحقل الإبستمولوجي الذي لا يمكن أن يكون إلا تركيبة من تركيبات الفعالية الفلسفية، كما وجدت الفلسفة نفسها مدعوة بقوة واستمرار إلى الآتي:
أولًا: استيعاب معطيات العلوم الإنسانية والعلوم الأخرى التي ما فتئت تقلب نظرتها كليًّا للإنسان والظواهر البشرية والاجتماعية.
ثانيًا: إلى أن تكون أكثر انفتاحًا على العلم الذي أصبح أنموذجًا يعطيها دروسًا. وفي حوالي هذا، يقول “سبيلا “:« الفلسفة دائمًا تبحث في إبستمولوجيا العلم وفلسفته، وفي الدلالات الفلسفية في الاكتشافات العلمية (..) إنها إشكالات عميقة، وتطرح على الفكر الفلسفي ضرورة التفكير في الأبعاد الفكرية والأخلاقية لهذه التطورات النوعية الحاسمة وفي انعكاسات سواء أكانت إلى الإنسانية المتقدمة أم الإنسانية التابعة.»(14)
إلى جانب هذا، يضيف “سبيلا” في موضع آخر:« إن ضخامة – بل شراسة – هذه التحولات تفرض علينا واجبًا مضاعفًا في التفلسف، وتُولد لدينا حاجة مزدوجة إلى الفلسفة بغاية فهم ذاتنًا وفهم الآخر.»(15) أما في بُعدها الحداثي (الفلسفة)، فهي مدعوّة بوتيرة أكبر إلى عقلنة التدبير: الاقتصادي، والإداري، والسياسي، وكذا عقلنة الثقافة، مع ضرورة القطع، كل القطع، مع الرؤى السحرية للعالم. إذ هي مفتاح التحديث والعقلنة لكل القطاعات البشرية. بالمقابل، انفتاح بالدرجة العالية والكبيرة على الواقع واستيعاب مكوناته واتجاهاته. وإذا كان الأمر هكذا، فلابد من طرح سؤال: هل يمكن أن نقيم تصورًا يرى في الفلسفة نظرة للعالم وفكرًا مركبًا؟
لابأس بالإشارة في هاتين الفقرتين الأخيرتين من هذا العنوان إلى مسألة مادة الفلسفة وظيفة الفلسفة في مجتمعنا المغربي الذي لا ينفصل عمَّا يعيشه العالم اليوم، فقد لعبت مادة الفلسفة في نظر “سبيلا ” دورًا فكريًا تحديثيًا في المجتمع المغربي، منذ أن تم إنشاء المدرسة المغربية الحديثة – العصرية، في كل من العهدين: الاستعمار والاستقلال، وهو دور لاينفصل تمامًا عن الوظائف التي جاءت بها الحداثة، بمعنى: إن وظيفة الفلسفة كانت حينئذٍ« كفكر حداثي وتحديثي،» (16) لها دور تنوير وتوجيه؛ ولأن الدرس الفلسفي وحده ما يشكل مختبر المفاهيم الذي من خلاله يتعرف التلميذ أو الطالب على معنى: العقل، والديمقراطية، والوحي، والحرية، والحداثة…، فهو يسلط الضوء على بقية الدروس الأخرى، كما يزودهما بأدوات التفكير من: نقد، وفهم، وتحليل، وبناء، وفحص، وإعادة النظر.
ب- الفلسفة: رؤيا للعالم، وهوية مركبة.
أية فلسفة؟(17) هو العنوان الذي وضعه “سبيلا ” لإحدى مقالاته، وهو عنوان أوبالأحرى تساؤل يحمل معه استثناء خاصًّا، ألا وهو القول بعدم احتمال تحمل الفلسفة لهوية واحدة، فإذا ما كانت الفلسفة ذات معانٍ عدة، فإنها لا تكاد تكنُّ مجرد جملة هويات(معانٍ)، ولكل عصر هوية خاصة به. أو بمعنى آخر وبشكلٍ أدق إنَّ الفلسفة تتخذُ لنفسها داخل كل عصر سمة وهويات محددة، تجعلها مُختلفة أو ممتدة تمامًا عن الهوية التي اتخذتها سلفًا، والتي ستتخذها لاحقًا.(18)
إلا أنه سؤال (أي فلسفة؟) يُطرح ويطمح إلى وضع تساؤلات أخرى من قبيل: أي تركيب فلسفي يستجيب للحاجة الموضوعية والتَّاريخية للمجتمع الذي يندرج تحت مسمى العربي والمغربي خاصة؟ هل تبني فلسفةٍ ما وإهمال أخرى هو شرط لتحقيق إبداع فلسفي مغربي؟ وأي فلسفة تستطيع أن تعبر عن واقع هذا المجتمع المغربي الذي تسود فيه، بشكل من الأشكال، القيم التقليدية ومظاهر التحديث غير المكتملة؟
لنرجع إلى السُّؤال الذي فتحنا به الفقرة أعلاه من هذا العنوان، يقول “سبيلا”:« أعتقد أنَّ الإجابة عن السُّؤال الأساسي: أي فلسفة؟ لن تستقيم إلا على ضوء الوعي الدقيق بهوية الفلسفة التي هي فكر مركب وليس علمًا متحدد المعالم.»(19) مستشهدًا (سبيلا) بقول “هربرت ماركيوز”، ” فالفلسفة في جوهرها إيديولوجي، والطابع الإيديولوجي هو القدر الحقيقي للفلسفة. وليس في استطاعة أي مذهب وضعي أو علمي أن يُلغي هذا الطابع.”؟(20) يُفهم من هذا القول أن الفلسفة لاتنفصل عن الواقع وعن الصراعات التي من شأنها تأخذ مسافة، وفي نظر “سبيلا” تظل كل فلسفة دائمًا انعكاسًا للوضع الحضاري والثقافي والاجتماعي وللهاجس السياسي الذي يعيشه الإنسان أو المشتغل بها، وهو وضع مُحدد يستلزم تقييم مدى صلاحيته ومدى صدقه. فـ« كون الفلسفة نظرة محددة للعالم نظرة تنشأ في ظل سياق اجتماعي وثقافي محدد»(21) يفرض بالضرورة اتخاذ مسافة وموقف نقدي معه؛ ذلك لإبراز خصوصيته ومدى احتماله في أن يكون نظرة شمولية كونية، ومدى اقترابه أو ابتعادها عن/ من الصراع ضمن سياق ثقافي وإيديولوجي محدد.
وعلى سبيل المثال: يعطي لنا “سبيلا” مثالًا: فعقلانية “ديكارت” التي كانت على صلة وربط برؤية الفئة الثالثة، المناهضة للكنيسة والأرستقراطية في فرنسا (ق17)، كانت محكومة بالسياق الذي أُفرزت أو ظهرت فيه، وهو نفس السياق الذي حُكم عليها بأن تكون ازدواجية، أولًا: تركز سلطة الكنيسة على مسألتين، هما: العقل مصدر الإيمان، وقبول الحقائق العلمية؛ ثانيًا: الخروج عنها في الآن نفسه من خلال إحلال المعرفة الفردية المنظمة، انطلاقًا من الاستدلال العقلي، وعدم القبول بالمعرفة المطلقة التي كانت الكنيسة هي الوسيط فيها وموصل إليه. والحال بالمثل بالنسبة لفلسفة “باسكال” التي ماهي إلا رؤية مأساوية، والحال نفسه كذلك بالنسبة للفلسفة اليبنتزية التي هي محاولة التوفيق بين الحقائق الدينامية للعلم الجديد والمطلقات الجامدة للفكر الإقطاعي العتيق.
إنَّ المستفاد مما سبق هو كون كل فلسفة لاتُفهم إلا على ضوء ربطها بالصراعات القائمة، بل أكثر من ذلك، إنها لاتنفك عن الأسس التَّاريخية والاجتماعية التي سمحت لها بالظهور والنشأة ـ الفلسفة الماركسية مثلًا، لاتفهم إلا من خلال ربطها بأزمة التأخر السياسي والاقتصادي الألماني وظهور الطبقة العاملة.
لذا فكون هوية(22) الفلسفة فكر مُركب لاعلم محدد المعالم والأركان، يطرح احتمال أن تكون هذه الهوية، هوية إيديولوجية، كما هو الحال عند زمرة كبيرة من الفلاسفة. مع هذا، فإنَّ من بين الهويات التي تتخذها الفلسفة: الظاهراتية، والوجودية، والشَّخصانية، والجوانية، والماركسية، والوضعية… الأمر الذي يؤكد في نظر “سبيلا” كون الفلسفة، في لحظةٍ ما، تحمل بُعدا إيديولوجيا بالرغم من أنها تُنصِّب نفسها دائمًا على أنها العدو اللدود لكل إيديولوجية.
ضمن المضمار نفسه، ألا يمكن أن نتساءل: بأي معنى يمكن عد الفلسفة نظرة محددة للعالم؟ يجيبنا “سبيلا”:« الفلسفة كتجربة، وكنظرة شمولية وكلية»(23) يقيمها المرء ليس بمعزل عن: العالم، وبيئته، وسياقه: الثقافي، والاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي، والتَّاريخي بالأساس؛ ذلك وإن المرء، في الفلسفة، يجد نفسه دائما أمام مستوىً محدد من التجريد، لاسيما أن الفلسفة ليست علمًا جزئيًا، كما أنها ليست دراسة تجريبية تفصيلية ميكروسكوبية لهذه الظواهر أو تلك (الكلمات لسبيلا)، إلا أنها إذا ما سعت إلى درست ظاهرة جزئية، فإنها لاتبرح حتى تنظر إليها في كليتها وشموليتها، بوصفها بنية شاملة ومن حيث ديناميتها وتطورها.
وأمام أنماط التوتر والتحول الحاصلة في الواقع العربي المعاصر، يتساءل “سبيلا”: من نحن؟ وأين نحن الآن؟ هل نحن مؤهلون لتعامل الإيجابي مع الحياة؟ هل نحن في مستوى العصر؟ إنّ تحقيق هذه المطالب لايتم بالتمني، وإنما من خلال نظرة شمولية، سواء أكان على مستوى الأكسيولوجي والإبستمولوجي والثقافي، أو على مستوى: الإدراكي، والاجتماعي، والاقتصادي، كما يتحتم على المشتغل المغربي بالفلسفة في نظر “سبيلا ” الوقوف عندها، وقوفًا وفق نظرة شمولية كلية لاتهمل أي طرف من أطرافها.
فإلى هذا وأمام مرويات النهاية (موت الفلسفة، وموت الإله، ونهاية التَّاريخ، وموت الإنسان…) وما تعيشه الفلسفة اليوم، يقول “محمد سبيلا “:« لقد قتلت الفلسفة أكثر من مرة، ولكنها لم تمت، كما مرة قتلت إما باسم: الدين أو العلم أو التقنية، وإما المنهج أو اللغة أو الذات، لكن تاريخ الفكر لم يشهد وفاتها، ولم يسجل نهايتها.»(24)
إن اللقاء مع الفلسفة في نظر “سبيلا” يتيح لكل فرد بأن يلج إلى حرية التفكير والدخول عوالم الفكر النَّقدي، وتحقيق غنى ثقافي يخدم الحداثة والديمقراطية، والوفاق والسلم؛ ذلك و« أن الفلسفة، عن طريق نقاش الأفكار الذي تشجعه، ومن خلال الحوار الذي تقيمه بين الأشخاص وبين الثقافات،»(25) وأيضًا في سعيها إلى تكريس: ثقافة السلم، والاختلاف، والتنوع الثقافي، والتقارب الحضاري، وخلق فضاءات للتسامح والتضامن، تثير التساؤل عن إمكانية كونها أداة للحوار وفنًّا للعيش، مُجابهة لـ: العنف، والكليانية، والظلامية، وعن عدّها إمكانية ضمن إمكانيات الإنسان، أو بوصفها ممارسة نظرية فعالية واستراتيجية، استراتيجية تنقل بنفسها من موقع حقيقة إلى موقع نقد، وعن إمكانية كونها مبدعة المفاهيم ومساءلة ومحاكمة لهما أيضًا.
….
الهوامش:
1) : محمد سبيلا، دفاعًا عن العقل والحداثة (حوارات)، (المغرب – الرباط: منشورات الزَّمن، ط1، 2003)، ص20.
2) : المصدر نفسه، ص122.
3) : محمد سبيلا، ” الفلسفة وتحولات المجتمع المغربي”، مجلة مدارات فلسفية، العدد 15، (1 تموز 2007 )، ص14.
4) : محمد سبيلا، مدارات الحداثة، ( لبنان – بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1، 2009)، ص9.
5) : في هذا الصدد ينظر “سبيلا” إلى مفهوم الحداثة ومصطلح التحديث على أنهما: مفهوم نوعي يشير إلى ما هو مشترك، أي: إلى الخصائص المشتركة الشاملة بين المستويات كافة، فهو يعني: العقلنة، والتمايز، والفصل بين الديني والدنيوي، وذلك في التَّجربة الأوروبية طبعًا. (في حين) يشير مصطلح التحديث إلى الوجه السيروري والصيروري للحداثة، فالحداثة الاسم النوعي لهذه العمليات أو التحديثات على المستويات كافة. انظر: محمد سبيلا، دفاعًا عن العقل والحداثة (حوارات)، (المغرب، الرباط: منشورات الزَّمن، ط1، 2003)، ص58. وعلى أنها أيضًا (الحداثة): مصطلح يشير إلى الحالة التي تقود إليها سيرورة التحديث، وهي – في معنى آخر– نموذج فكري مثالي، وحالة نموذجية يفترض فيها الاكتمال واستيفاء كل العناصر. وهو نموذج يتضمن نظرة جديدة لـ: الطبيعة، والزَّمن، والمجتمع، والتَّاريخ (..)، وقد جعلت الفلسفة المغربية من موضوعة الحداثة هذه موضوعاتها المركزية بدرجات متفاوتة ومن منظورات مختلفة (..) إن التَّفكير في الحداثة هو تفكير في التحولات الكبرى التي شهدها مجتمعنا في شموليتها(..) وفي التحولات الفكرية الكبرى الملازمة لها. انظر: محمد سبيلا، “الفلسفة وتحولات المجتمع المغربي”، مجلة مدارات فلسفية، العدد15 (1 تموز 2007)، ص11.
في خضم هذا، تقول ” لامية معاش” وهي في صدد الحديث عن مفهوم الفلسفة وعن استيعاب الحداثة والتحديث لدى” عبد الله العروي “: يمكن حصر مفهوم الفلسفة عند عبد الله العروي بالقول: الفلسفة هي عبارة عن دراسة تقوم بتوجيه العقل العربي نحو استيعاب أسس الحداثة الغربية، واتّباع الشروط التَّاريخية التي أنجبتها، وهذا من خلال توجيه الفعل باتجاه تلك الشروط التَّاريخية وسلك الأسباب المؤدية إلى استظهار حداثة عربية (..) فلسفة قائمة على النَّقد. لامية معاش، مفهوم الفلسفة طه عبد الرحمن ( مذكرة تخرج لنيل شهادة ماجستير أكاديمي، جامعة قاصدي مرباح، ورقلة، الجزائر، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية (شعبة الفلسفة) ، تحت إشراف: برابح عمر، نُوقشت 9/6/2018، ص 21./ بالرغم من أننا لا نحبذ هذا الاستعمال لكلمة “دراسة” التي عمدت الباحثة الجزائرية إلى استخدامها، لكنه تأويل/ قراءة مقبولة).
وفي هذا النقطة بالذات نستعيد نقد “الحبابي” ” للعروي”: ما أظن أنك ستخالفني إذا صرّحت أن الفكرة التي لأخينا عبد الله العروي عن الفلسفة – في علاقتها بالدين والتَّاريخ – مرفوضة؛ لأنها تعزل الفكر الفلسفي عن حياة النّاس في واقعهم. انظر: سالم حميش، معهم حيث هم – لقاءات فكرية، (المغرب – الدار البيضاء: بيت الحكمة، ط1، 1988)، ص 164.
6) : محمد سبيلا، ” أية فلسفة؟ “، مجلة الثقافة الجديدة المغربية، العدد 21، (1 حزيران 1981)، ص41.
7) : محمد سبيلا، دفاعًا عن العقل والحداثة (حوارات)، (المغرب- الرباط: منشورات الزَّمن، ط1، 2003 )، ص37.
8) : المصدر نفسه، ص: 37-38.
9) : عبد الرحيم العطري، ” حوار مع المفكر المغربي الدكتور محمد سبيلا “، موقع الحوار المتمدن، (19/ 5/ 2005).
10) : محمد سبيلا، دفاعًا عن العقل والحداثة (حوارات)، (المغرب – الرباط: منشورات الزَّمن، ط1، 2003)، ص 38.
11) : هي أساسًا مجموعة ثورات متداخلة يتفاعل فيها المكون: الرقمي، والمعلوماتي، والعقلي الرياضي المنطقي، والكيمائي، والفيزيائي، والذري، فهي تحول نوعي عميق يمكن إجماله في الانتقال من صناعة الأشياء إلى صناعة الحياة، لكن أثرها لايظل في حدود العناصر المادية(..) بل إنها تحمل في الوقت نفس تحولات نوعية في المجال الثَّقافي وبخاصة حول التصورات المتعلقة بـ: الحياة، والموت، والشيخوخة، والنفس، والجسم، والروح، وحول مدى قابلية الكائن الإنساني للاكتمال Perfectibilité والخلود وقضايا ميتافيزيقية أخرى. انظر: محمد سبيلا، “الثورة البيوتكنولوجية المعاصرة وآفاقها الفلسفية”، مجلة الفيصل، العدد 505-506 (1 تشرين الثاني 2018)، ص 69-70.
12) : محمد سبيلا وعبد السَّلام بنعبد العالي، المعرفة العلمية – دفاتر فلسفية – نصوص مختارة، (المغرب- الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، ط2، 1996)، ص6.
13) : عبد السَّلام طويل، ” محمد سبيلا: الثقافة صمام وقاية من الانجرار إلى الأحكام المتسرعة (حوار)”، مجلة الدوحة الإلكترونية، (18 كانون الثاني 2020).
14) : فاطمة عاشور، “محمد سبيلا: نعيش خسوف المثقف العضوي.. والإرهابي المعاصر ليس غيبًا “، مجلة الفيصل، العدد 497-498 (1 آذار 2018)، ص81.
15) : محمد سبيلا وعبد السَّلام بنعبد العالي، التَّفكير الفلسفي – دفاتر فلسفية – نصوص مختارة (ترجمات)، (المغرب- الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، ط 3، 2008)، ص6.
16) : محمد سبيلا، دفاعًا عن العقل والحداثة (حوارات)، (المغرب- الرباط: منشورات الزَّمن، ط1، 2003)، ص122.
17) : عنوان لمقال نشره “محمد سبيلا ” في مجلة الثقافة الجديدة المغربية، في العدد 21 بتاريخ 1 حزيران 1981، ص34.
18) : للإغناء، نضيف في هذا السياق: ويمكن للسؤال المُوجَّه إلى الفلسفة حول هويتها أن يتوافر على جواب متضمن جانبين بارزين. طبعًا، هناك إمكانية لمقاربات أخرى، ونحن نعمل هنا على الانخراط فيها بشكل تمهيدي؛ لكي يبدو الجانبان اللذان هيمنا على مسار التقليد الفلسفي، قد اتخذ أن تقابل الماهية (Essence) والوظيفة [Fonction]، فمن جهة الماهية (وهي أيضًا ماهية التَّاريخ والأصل والحدث والمعنى، وأصل الاشتقاق (Etymon))، هناك محاولة للتفكير في الفلسفة بِعَدِّها كذلك، كما هي، وكما يمكن أن تكون، وكما صُممت أن تكون عليه، ومنذ بدايتها بالتحديد، انطلاقًا من الحدث الذي تأسس ضمن تجربة اللغة، أي منذ سؤال الوجود أو حقيقة الوجود، وهنا تتحدد بشكل موجز صورة “التفكيك” الهايدغري. ومن جهة الوظيفة، هناك محاولة لإدانة هذه النزعة التأصيلية (Originarisme)، بالاعتماد على أسلوب اسمي (Nominaliste) ظاهريًّا، فهذه النزعة لن تفيدنا في معرفة الحقيقة النفعية للفلسفة، أي: معرفة ما تفعله، وما يُنجز باسمها، ما الذي تستفيده جراء ذلك؟ وما الموقف المُتخذ منها، أو الموقف المُتخذ ضمن أفعال: الخطابات، والنقاشات، والتقييمات، والممارسات الاجتماعية والسياسية، والمؤسساتية التي تجب الإحاطة باختلافاتها وليس بالخيط الجينيالوجي الذي يربطها بانبثاق منسي؟ (..) إن الفلسفة والهوية الفلسفية هما أيضًا اسمان لتجربة تعرض نفسها داخل المماثلة عمومًا، أي: تشرح في الرحيل، فهي تقع في مكانٍ لم تحدث فيه، هناك حيث المكان غير طبيعي وليس أصليًّا ولا مُعطى… انظر: جاك دريدا، عن الحق في الفلسفة، ترجمة: عز الدين الخطابي، مراجعة جورج كتورة، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، ط1، تشرين الأول 2010)، ص 33 − 35.
19) : محمد سبيلا، ” أية فلسفة؟ “، مجلة الثقافة الجديدة المغربية، العدد 21، (1 حزيران 1981)، ص35.
= في مقال “مصطفى المسناوي (1953-2015)”، ـ بنسبةٍ ما، نجد نفس التصور أو التعريف الذي يقيمه ” سبيلا ” للفلسفة بما هي فكر مركب، إذا يقول “المسناوي”: الفلسفة، بطبيعتها، فكر نقدي تركيبي مرتبط بالعالم والحياة (..) يحتل الفكر الفلسفي (..) مكانة بارزة؛ بسبب أنه أكثر أنواع الفكر شمولية (..)؛ لأنه أبرزها في الاعتماد على العقل النَّقدي الحر غير المرتبط بقيم مغرقة في الذاتية (مثل: الفن والشعر) ولا بقوانين ونواميس غيبية (أشكال من الإيديولوجيا) (..) إن على الفلسفة أن تعانق العالم والعلم؛ كي لا تموت. نظر: مصطفى المسناوي، “بقاء الفلسفة وفاعليتها رهينان بانعتاقها”، مجلة الثقافة الجديدة- المغربية، العدد21، (1 حزيران 1981)، ص: 26-27.
20) : هربرت ماركيوز، الإنسان ذو البُعد الواحد، ترجمة: جورج طرابيشي، (بيروت: منشورات دار الآداب، ط3، 1988)، ص216.
21) : محمد سبيلا، ” أية فلسفة؟ “، مجلة الثقافة الجديدة المغربية، العدد 21، (1 حزيران 1981)، ص35.
22) : نقيضًا لما أورده “هربرت” ومن زاوية أخرى، لا هوية للفلسفة سوى أسئلتها، والسؤال رغبة الفكر. انظر: محمد سبيلا، “نقد الحاجة إلى الفلسفة محاورات بين جميل حكيم ورشيد بوطيب”، مجلة مدارات فلسفية، العدد 16، (1 تموز 2008)، ص 218.
23) : عبد السَّلام طويل، ” محمد سبيلا: الثقافة صمام وقاية من الانجرار إلى الأحكام المتسرعة (حوار) “، مجلة الدوحة، (18 كانون الثاني 2020).
24) : محمد سبيلا، في الشرط الفلسفي المعاصر، (المغرب- الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، ط1، 2009)، ص35.
25) : محمد سبيلا، ” تخليد اليوم العالمي للفلسفة يتوج بإعلان الرباط “، مجلة مدارات فلسفية، العدد 16، (1 تموز 2008)، ص 223.
………….
* كاتب مغربي، حاصل على ماستر الفلسفة والفكر المعاصر- جامعة محمد الخامس الرباط














