فصل من رواية “نشاز في سماء المدينة “

khalil nasseef

خليل ناصيف*

منير

أنا قزم ولا يمكنني العمل مثل شباب المخيم في الورشات، لا يمكنني حمل دلاء الباطون الى معلّم البناء، لا يمكنني دفع عربة ثقيلة في سوق الخضار، لا يمكنني العمل ناطورا للعمارات .
أعرف جيدا ما تقصده أمي، حتى وهي صامتة يمكنني سماعها تصفني بالقزم، لكن من قال إني أرغب بالعمل في نقل دلاء الباطون في الورشات او نقش الحجارة .
سأمتلك العمارة كلها وأشغل الناس عندي. يوما ما سوف أقف في الطوابق العليا لعمارتي الضخمة وأنظر للناس في الأسفل، كلهم حينها سوف يكونون أقزاما.

 تجاهلت صرخات أمي اليومية في وجهي وخرجت أبحث عن عمل، أي عمل ممكن، كل يوم كنت أخرج من البيت إلى المدينة بحثا عن مهنة مريحة، ودائما أعود إلى المخيم متعبا جائعا وقد اهترأ حذائي أكثر .
لم أملك أجرة الباص إلى المدينة وكنت أمشي، ولكن حتى المشي لم يكن مجانيا، إنه يستهلك حذائي الرخيص بسرعة.
بمجرد وصولي كنت ادخل إلى متوضأ جامع جمال عبد الناصر في رام الله، أغسل وجهي وأنفض الغبار عن ثيابي ليكون شكلي مقبولا أمام أصحاب دكاكين الملابس والبقالات، سألتهم عن عمل وتسولت العمل بدون جدوى، أصابني اليأس ثم وجدت نفسي أقلي الفلافل في مطعم سميح في المخيم مقابل بضعة ليرات إسرائيلية، بعد نهار كامل من الوقوف أمام المقلاة الكبيرة ثم أمام حوض الجلي لتنظيف قدر الفول النحاسي الذي كان المعلم سميح يطلب مني تلميعه يوميا، مهمة شاقة تستزف مني ساعة كاملة لإزالة اللون الأسود  بسبب  (شُحبار بابور الكاز )، ثم أعود إلى البيت أجر نفسي جرا من التعب، كان المعلم ينقدني أجري أسبوعيا مساء الخميس، فاستلقي على سريري أتأمل ورقة الليرة الإسرائيلية، وأتحدث مع صورة الرجل الذي يحمل معولا ضخما على الليرة، هل هذا يعني إنه ينبغي الحفر بالصخر للحصول على المال؟.
أشعر بالتعاسة فليس بإمكاني حمل هذا المعول الكبير .
في نهاية الأسبوع أُعطي نصف اجرتي لأمي التي كانت تضعها في صرة قماشية مخبأة في صدرها واحتفظ بالنصف الباقي، وبما انني كنت اتناول طعامي في مطعم سميح وهو عبارة عن وجبة مكونة من الحمص ومشتقاته :
حمص فول مسبحة، كلها أسماء دلع لطعام فقير يساعد الفقراء على نصف حياة .
كان يتبقى معي مبلغ بسيط يكفي لشراء علبة كولا أحيانا مع ادخار القليل لشراء حذاء جديد بدلا من حذائي الذي اثقلته رقع اسكافي المخيم .
بعد شهرين من العمل أطلت أصابعي من فردة الحذاء اليمنى وهكذا تحتم علي الذهاب إلى المدينة لتفتيش سوق البضائع العتيقة بحثا عن حذاء مستعمل بحالة جيدة .
مشيت إلى المدينة، اردت استهلاك الحذاء حتى آخر قطعة منه، بل  كنت افكر باستخدام جثته في صنع نُقّيفة ( مقلاع صغير )  لصيد العصافير ولكنني ندمت، فعندما وصلت المدينة كان الحذاء قد انتهى امره، وكنت ملزما بتأجيل شراء الحذاء للأسبوع القادم، لأنني انفقت قسما من المال في شراء تذكرة سينما، لم يمكنني تجاهل اغراء الدخول إلى سينما الوليد لمشاهدة الفيلم الهندي، كانت صورة الممثلة نصف العارية التي يحملها رجل عملاق مغرية جدا، هل سوف تتعرى تماما في الداخل ؟
توجب علي الدخول لأرى كل شيء .
توجهت إلى الجامع وقت الصلاة، ولكنني لم ادخل لأصلي بل توجهت إلى اليسار نحو المراحيض، غسلت وجهي ورتبت شعري، تأخرت قليلا بانتظار خروج آخر المتوضئين من المكان ثم خرجت بسرعة تجنبا للإحراج، كنت قد تركت حذائي في الخارج، احتفظت بشبشب الوضوء البلاستيكي ومشيت إلى السينما وقطعت التذكرة، كنت قد اقنعت نفسي بانها سرقة مشروعة، فانا لم اسرق حذاء أحد من المصلين ولاحقا عندما اصبح ثريا سوف أشتري شبشبا للجامع او أقوم بإعادته بعد أسبوع، وهذا لم يحدث ابدا، لم أتمكن من ارجاع الشبشب لأنه اهترأ، ولم اشتري شبشبا بديلا، لكني صرت اتجنب المرور بالجامع لأنني  تخيَّلت الجميع ينادوني بالقزم السارق.

………………….

*كاتب فلسطيني

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع