جابر عصفور.. من طه حسين إلى زمن التنوير الصعب

جابر عصفور

أسامة كمال أبو زيد

لم يكن رحيل جابر عصفور، في الحادي والثلاثين من ديسمبر 2021، حدثًا عابرًا في تقويم الفقد، بل بدا كأن صفحة كاملة من تاريخ الثقافة المصرية قد أُغلقت بهدوء لا يليق بضجيج ما أنجزه. فبعض المثقفين لا يرحلون بوصفهم أفرادًا، بل بوصفهم مشروعات مكتملة، عاشوا حياتهم وهم يوسّعون المجال العام للعقل، ويصونون للفكرة حقها في أن تُقال، وللاختلاف حقه في أن يعيش، حتى في أكثر الأزمنة قسوةً والتباسًا.

تعرفتُ إلى جابر عصفور قارئًا قبل أن أكون تلميذًا. كانت كتبه الأولى تعلن، بلا مواربة، انتماءه الواضح إلى الجيل الثالث والأخير من تلامذة طه حسين شبه المباشرين؛ ذلك الجيل الذي لم يكتفِ بتلقّي التراث، بل حاول أن يعيد قراءته وهو يضعه في مرآة العصر. كتب أطروحته للماجستير عن التراث النقدي العربي تحت إشراف سهير القلماوي، وتابع شغفه بنقد الشعر القديم، شغفًا لم يكن حنينًا إلى الماضي بقدر ما كان إيمانًا بأن التجديد لا يولد إلا من معرفة عميقة بالجذور. وكان يقول، بثقة من يعرف موقعه في السلسلة: لم يستطع أحد منذ الأربعينيات أن يخرج من ظل طه حسين في نقد الشعر والنثر ومتابعة الأدب الحديث، لأن ثقافة العميد هي الأساس الذي قامت عليه الثقافة العربية الحديثة.

وحين اتجه جابر عصفور إلى المناهج النقدية الحديثة، لم يقطع مع هذا الإرث، بل عاد إليه عبر أطروحته للدكتوراه «طه حسين: المرايا المتجاورة»، كأنما أراد أن يرى العميد من زوايا متعددة لا متقابلة، مرايا لا تتصارع بل تتجاور. ومن هنا تميز مشروعه: انفتاح واسع على نظرية الأدب، والأدب المقارن، والترجمات عن الإنجليزية في الاتجاهات النقدية المعاصرة، مع عودة دائمة إلى الموروث النقدي العربي، لا بوصفه سلطة نهائية، بل بوصفه مادة حيّة قابلة لإعادة القراءة والمساءلة.

لكن هذا المشروع لم يتكوّن في عزلة أكاديمية. ففي منتصف الستينيات، كانت تجربة «مجموعة المحلة» إحدى لحظاته التكوينية المبكرة. هناك، في يناير 1965، تشكّل وعي جيل كامل داخل فضاء مفتوح للحوار والقراءة والاختلاف، ضمّ أسماءً ستصبح لاحقًا من علامات الثقافة المصرية الحديثة، من بينهم جابر عصفور، ونصر حامد أبو زيد، وسعيد الكفراوي، ومحمد المنسي قنديل، ومحمد صالح، وفريد أبو سعدة، وجار النبي الحلو. لم تكن المجموعة تنظيمًا، بل مختبرًا للأفكار، ودرسًا مبكرًا في أن الثقافة موقف، وأن المعرفة لا تنفصل عن الأسئلة الكبرى للمجتمع.

في النصف الثاني من الثمانينيات، ظهر وجه آخر لجابر عصفور: القائد الثقافي. حين تولى إدارة مجلة «فصول»، ثم المجلس الأعلى للثقافة، لم يتعامل مع المؤسسة بوصفها منصبًا، بل بوصفها مسؤولية تاريخية في زمن الانغلاق. فتح المجلس أبوابه حين كانت النوافذ تُغلق، وصارت القاهرة، من جديد، ملتقى للمثقفين العرب والعالميين بعد انسداد طويل. دعا، ونشر، وترجم، واحتفى، وحمل الثقافة المصرية إلى خارج حدودها، كما استقبل ثقافات الآخرين في قلبها. مئات الترجمات، عشرات المؤتمرات، أصوات من كل التخصصات، من الأدب إلى العلوم الإنسانية، كأن المجلس في عهده قد صار بيتًا واسعًا للعقل المصري: تموّله الدولة، لكن يحرسه الوعي.

وكان يؤمن، إيمان العارف بتاريخ بلاده، بأن مصر لم تكن يومًا نقيةً من الآخر، ولا خائفة منه. من أيام هيرودوت وأفلاطون، مرورًا بابن خلدون الذي لجأ إلى القاهرة فأنجز فيها أعظم أعماله، وصولًا إلى العصر الحديث، كانت مصر تصنع نصف حياتها الثقافية بأيدٍ جاءت من خارجها. لذلك رأى القسمة بين «أصيل» و«دخيل» ضربًا من ضيق الأفق، وكان المجلس الأعلى للثقافة في عهده تجسيدًا حيًا لهوية مصر الجامعة: العربية، والإسلامية، والإفريقية، والعالمية معًا.

ومع اشتداد العتمة في العقود الأخيرة، ازداد انخراط جابر عصفور في معارك العقلانية والتنوير. كتب كثيرًا، وأحيانًا بنبرة حادّة، ضد الركام المتراكم في الخطاب الديني، وضد الخلط بين الدين والتطرف والسياسة. آمن بالتجديد وبالتواصل لا القطيعة، لكنه كان غاضبًا من بطء التغيير، ومن شراسة العنف الرمزي الذي يهدد العقل والمجتمع معًا. اختلفنا معه، وناكفناه، كما علّمنا، لكنه كان يحب هذا الاختلاف، ويفخر بأن تلاميذه قادرون على مواجهته بالحجة لا بالهتاف.

أول لقاء لي به كان في مدرج بكلية الآداب، جامعة القاهرة. أستاذ طلق، يتحدث ساعتين أو أكثر بلا توقف، عن ابن طباطبا وقدامة وحازم، وعن مندور ونجيب محفوظ، كأنه يفتح لنا أبوابًا على عوالم لم نكن نعرف بوجودها. ومنذ ذلك اليوم، ظل الحوار مفتوحًا بيننا: اختلافًا، وقربًا، ومودّة لا تنقطع.

كان جابر عصفور حلقة لامعة في سلسلة طويلة من البنّائين الكبار لثقافتنا الحديثة، سلسلة تبدأ بطه حسين، ولا ينبغي أن تنتهي برحيل جيل كامل من الأساتذة الذين صنعوا وعينا. خسارتنا به كبيرة، نعم، لكن أثره باقٍ: في كتبه، وفي تلاميذه، وفي المؤسسات التي أعاد إليها الروح، وفي إيمانه العميق بأن النقد ليس ترفًا معرفيًا، بل فعل حياة، وموقفًا وطنيًا، ودفاعًا دائمًا عن العقل في زمن التنوير الصعب.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يتركه جابر عصفور وراءه لا يتعلق بما أنجزه، بل بما نحن فاعلون بإرثه. هل نواصل الدفاع عن العقل بوصفه حقًا عامًا، أم نتركه فريسة سهلة للتبسيط والتكفير والتخوين؟ هل نعيد للثقافة دورها بوصفها قوة اقتراح ونقد، أم نختزلها في مناسبات وبيانات؟ لقد عاش جابر عصفور زمن التنوير الصعب وهو يعرف أن المعركة غير مضمونة، وأن الخسائر فادحة، لكنه آمن بأن التراجع عن الدفاع عن العقل هو الخسارة الوحيدة المؤكدة. من هنا، لا يبدو غيابه نهاية لسيرة، بل بداية لاختبار قاسٍ لنا جميعًا: أن نختار، كما اختار، أن يكون النقد فعل حياة، وأن تكون الثقافة موقفًا، وأن يظل العقل—مهما اشتدت العتمة—حقًا لا يُساوَم عليه.

كاتب وشاعر مصري. من أعماله: لك الموت يا راعى اليمامة 2000 رائحة الغياب 2013 بورسعيد شهادات في الحرب والحب كتابة…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع