جسدٌ غاضب.. يسكنني

sara alkasaby

سارة القصبي

في عام 2103 أُصبتُ بمرضٍ غريب،

لم يجد أحد تفسيرًا واحدًا له.

يلتف حول عنقي حبل من نيرانٍ حارقة،

لا تفصلني عنه عقاقير،

ولا تعويذات جميع القُرّاء.

 

كنتُ أعلم في داخلي أن جسدي يهاجمني

كلما طاوعتُ بيئةً لا تلائمني،

وكلما زادت قدرتي على كتم صوت

يخبرني بالهروب.

 

يثور كل شيءٍ داخلي لأتحرّك،

وظلّ هذا الحبل الحارق

يلتفّ بياقة ملابسي،

يمنعني من ارتداء أي قطعة

ذات رقبة مرتفعة.

قصصتُ كل ملابسي،

حتى أغلاها.

تعادلت في عينيّ كل الأشياء،

وكل ما أرغبه

أن تتوقف هذه الشهب النارية.

 

غاب وعيي ونفد صبري،

جرّبتُ كل شيء،

حتى لبن الأشجار.

جمعناه قطراتٍ

لتهدئة هذا السرب الحار،

 

وكنتيجةٍ طبيعية

اندلع جسدي مرةً أخرى ضدي،

فارتفعت رقبتي بفقاقيع نارية

كمن وضع جلدي

فوق قدرٍ يغلي في معملٍ كيميائي،

ذابت فيه كل العناصر الحارقة،

كأن أمينَ معملٍ مجهول

تركني فوق فوهة التفاعلات،

ترتفع الفقاعات

وأنا أشعر أنني أتحول

وحشًا سرياليًا.

 

أبكي أمام المرآة،

أتغيّب عن عملي

وجيراني،

وعن الوجود بأكمله.

أدرك في كل لحظة

أن هذه الثورة لن تنتهي

إلا إذا عرفتُ موضع الخطأ

وأصلحته.

 

أنا بطيئةٌ في تنفيذ الضربات الصعبة،

أحسبها كثيرًا،

أنتظر، وأتجرّع الصبر

كجملِ صحراءٍ عجوز.

 

كل ثورةٍ عنيفة

تفور من قاعٍ عنيفٍ وغاضب،

وأنا لا أحب السخط

ولا أميل لكل هذا الغضب.

 

حتى أصبحتُ وحشًا

بوجهٍ جميل

ورقبةٍ كاملةٍ مشوّهة،

أحمل ندباتٍ، وبقعًا كبيرة بألوانٍ مختلفة.

 

كرهتها زمنًا طويلًا،

ثم تصالحتُ معها

لأنها أنا،

ولأنها صرخة

حاولت أن تسحبني

من متاهةٍ كبيرة.

 

تعلّمتُ أن أداوي الندبة

وألّا أسخط على زمنٍ ما قبل العذاب.

 

أتذكر آخر ليلة

ارتديتُ فيها قلادةً ذهبية

منحوتة في شكل وردة أحبها،

اشتريتها بعد أن مررتُ بجانبها

شهورًا وشهورًا.

 

جمعتُ ثمنها من راتبي

وأنا أعلم

أنها لن تليق

إلا برقبةٍ من المرمر،

لا تليق الوردة

إلا برقبةٍ تطلّ على صدرٍ فينوسيّ،

صدري أنا…

هذا الجمال خُلق لي.

 

آخر مرةٍ ارتديتها

كنتُ فخورةً بهذا الجمال.

 

..عشت كثيرًا حتى تصالحتُ

مع هذا النفور..

 

عندما أسأل نفسي:

هل أحببتك حقًا؟

أجد أنني

كنتُ أرفع شعري عاليًا،

وأرتدي أمامك

ملابس بلا رقبةٍ عالية،

ولا أُغطي ذلك الجزء المشوَّه.

 

عندما نضج النهار

فوق جسدينا يومًا،

كانت لحظةً فارقة.

عندما رأيتَ ندبةً كبيرة

وتساءلتَ:

من أين هبط هذا المنظر الرهيب؟

 

حينها كدتُ أن أبكي كثيرًا،

لكنني تماسكت.

أجبت بداخلي: أنها مني

كشفتُ لك

عن بقعةٍ كبيرةٍ من الزمن،

بقعةٍ من الرفض

والألم.

 

رفضتُ يومها

أن أحكي لك قصتي،

لم أرد أن أشارك أحدًا

هذا التفرد

وهذه الخصوصية.

 

كنتُ أنتظر

أن تراني

بلا تلك اللطمة فوق جسدي.

لم تكن علامات ضرب،

ولا أثرًا تركه أبي،

ولا آثار عِراك

مع رجلٍ حاول البطش بي.

 

إنها أنا.

معركتي معي.

 

هذه بوابة زمنية،

كلما لامستُها

أعرف أن عقاب الصمت

هو الاختناق،

وأنني كلما فوتُّ المعنى

طال الحبل حول أوصالي.

 

أظنّ أنك لاحظتَ

أن عينيّ تهربان بعيدًا،

وأن وجهي تحوّل

إلى كتلةٍ ساخنة

ترتبك

وتستعد للمطر الغزير.

 

اعتذرتَ

وسحبتَ عني هذا الموقف.

لا أعرف لماذا

لم أحكِ لك قصتي ببساطة،

ربما

لأنني لم أرد

أن أبرّر لك وحشي

الذي رأيتَه،

ولا أشباحي

التي تخنقني،

ولا قبحًا

ولا جمالًا،

أنتَ…

بالأخص أرفض بجوارك التبرير.

 

أنيابك

التي تخمش صدري الجميل

أتحمّلها

كلما راودتك رغبةُ التهامي.

 

هذا الذَنَب

المخفيّ عن العالم

كان يؤنس كل ليلة

مجلسنا.

 

وهذا الوحش

الذي يحطّمني

في نوبةٍ متوحشة،

لا أراه قبيحًا.

 

حتى هذا اليوم

لم أُفصح لك عن سرّي،

لم أحكِ لك هذا اللغز،

أردتُ أن تراني

كما أراك.

 

كاتبة وشاعرة مصرية

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع