دائرة الرمادي

دائرة الرمادي

نهى محمود

لا يذكرني صوت فيروز بأحد غير صديقتي البعيدة عني بمقدار سفر ساعتين بالطائرة، لم نسمع معا فيروز أبدا .. لكن صوت فيروز يذكرني بها .

ورائحة الشتاء تذكرني بالفقد، ما أفقده يذكرني دائما بما لديّ .

هدوء الحزن أفتقده كثيرا … الحزن الصاخب يؤلمني ولا أحتمله ويكون لزاما عليّ أن انام نصف شهر كي أتخلص من أزيزه في رأسي .

الحزن الصامت يتعايش معي وأحتمله . 

لكنه ثقيل على قلبي .. تتجمع في رأسي حيل البهجة لكني لا أجد رغبة في شيء .. سوى التلوين .. أشتري خمسين لونا من الشمع والخشب وافتح كراسة تلوين جديدة .. كنت قد دسستها وسط شوار العروس الذي كنت أشتريه طيلة العام الماضي . الآن يمكنني أن اهدأ وأفتح الصناديق واخرج ما يحلو لي لأستخدمه .

كراسة التلوين هي ما ألحت علي، لدرجة أني عرفت مكانها بمجرد ان نظرت لأكوام الأشياء المكدسة فوق بعضها بفوضى مقيته .

أجلس بها على الأرض وابدأ في صبغ الرمادي بألواني .. وأتذكر بسبب ذلك الطقس لمقاومة الحزن .. كل أحزاني السابقة التي تخلصت منها بالطريقة ذاتها .

ابتسم بسخرية كيف لطريقتي للتخلص من الألم أن تصبح نقطة يتجمع عندها كل ما أوجعني !

لكني أكمل دائرة التلوين، رائحة الشتاء، وفوضى العالم من حولي، وسخافة وعبثية المشهد السياسي الوقح.

وأنوار التحرير التي تشبه ليله صلاة مباركة .

مناقشاتي القليلة مع بعض المقربين حول “اختفاء الخاتم الذهبي”، طلب صديق ألا أتحدث عن الأمر على الملأ، وطلب هبة الا أكتب عنه .

وسؤال ياسمين لي في برنامجها الإذاعي على الهواء .. هل تفشي الكتابة أسرارك !

وبؤس النساء في العالم !

كلها أشياء تجعلني أفتح الورقة البيضاء وأغلقها عشر مرات قبل أن أكتب حرفا جديدا ، لكني خوفي من الكتابة يحرضني على الكتابة .

وفقدي للأشياء يضيء لي كنوزي .

الحزن الذي علمتني الحياة إنه يتبدد .. والأصدقاء الذين يرسمون على روحي ابتسامات محبة .. وأبي الذي أختفي في حضنه بلا ذرة قلق واحدة .. وكتابتي التي تحملني لأمس السحاب الأبيض الذي أحبه .. وقلبي الذي يعدني بالمزيد من الفرح والمعجزات .

أطبق يدي على كل ذلك وأمضي .

نهى محمود

84 مقال
صدر لها: الحكي فوق مكعبات الرخام ـ رواية ـ دار ميريت كراكيب نهى محمود ـ مقالات ـ دار مزيد راكوشا…

مقالات ذات صلة

أن تعيش في بلاد الإسكيمو

رغمتزايدارتفاعدرجاتالحرارةفىالقاهرة، فإنالأسبوعالماضىكانبالنسبةلِىأسبوعًاجليديًابامتياز، ورغمندرةالثلوجأوالجليدفىمصروالعالمالعربىعداقممبعضالجبالكماجنوبسيناءأولبنان، فإننىحيثُماولَّيتُوجهىكنتأجدالجليدفىطريقى، ولميكنالجليدمعوقًاأتعثربه، بلموضوعوأساستجاربمعيشيةومعرفيةجديدة. يرتبطالثلجفىذهنىمنذالصغربشهربرمضان، الإفطارعلىماء «ساقع»، وكنافىالسبعينياتنحرصعلىشراءأجزاءمنلوحالثلجلتبريدالماء، وكانمنالمشاهدالمألوفةأنترىشابًايركبعجلة، وعلىمقعدهاالخلفىلوحمنالثلجملفوففىالخيش، فىطريقهلمحلالبقالةلتبريدزجاجات «الحاجةالساقعة». فىأولالأسبوعتعرضتلتجربةمثيرة، وأمضيتساعةونصفالساعةمنالوقتوسطسبعةآلافطنمنالجليدعلىمساحةشاسعة، وكأنىانتقلتعبرآلةالزمكانإلىالقطبالجنوبى.. وإذاكانالحريجعلذراتالأكسجينفىالهواءتتباعد، ممايجعلالإنسانيشعربضيقفىالتنفسفيصيبهالتوتروالانفعالالذىيظهرعلىسلوكه.إنهواءالجليديبدونقيًاطازجًا، حيثلاغبارولاترابلاشىءسوىذراتالثلجالهندسيةالشكلتتلاحموتتجمعمعبعضها، لتكونبياضًاشاهقًايساعدعلىهدوءالأعصابوالتأمل، وربمايدفعالبعضللنزقواستعادةطفولةمبتورة، فيشاركفىكلالألعابالتىيضمهاالمجمعالجليدى، كركوبالزلاجاتوكراتالثلجالعملاقةالتىنتدحرجبداخلهامنقمةمنحدرطوله ٣٠ مترًا، أوركوبالتيوبرنحيثمسارالمنحدرمتعددالارتفاعات، وكأنهامطباتصناعيةلكنهالاتقللسرعةالتيوبرنبلترفعنالأعلى، لننخفضثانيةأوالصعودعلىالقدمينجبلداخلىبارتفاع ٨٥ مترًا، وركوبالقطارالسريع، الذىيمربجزءمنالباركومنخلالهأستعيدأحاسيسالمنفيينإلىسيبيريا، وسياطالهواءالجليدىتزيدأحزانهملدرجةيصلونفيهاإلىالاكتئابالذىيدفعالبعضإلىالانتحار.هذهالتجربةكونتلدىإجابةجزئيةعنسؤاليترددأحيانًافىذهنى: هلأستطيعأنأقيمفىواحدمنبلادالشمالالقطبىكنداأوالدولالإسكندنافية؟ وكيفيعيشأهالىألاسكاوكيفيطيقونهذاالجليد؟.. الملابسالثقيلةهىالحلولكنكىتتواءمعليكبالاهتمتمبأطرافك.عليكأنتهتمبأطرافك، لأنهيبدووكماهوالحالمعالأوطانوالبلادأنأطرافالإنسانفىالعالمالجليدىهىنقطةضعفهالتىيمكنللبرودةأنتهاجمكمنها، إنهاالحدود، فكلمالهتماسمعماتخشىوماتحمىنفسكمنه، عليكالتعاملمعهبحذرشديد، ودوناستهانة، لاتسمحللتسريباتالباردةأنتمسقدميك، لايكفى «شرابصوف» واحدفليكناثنان، ثلاثة، كلماكانتأطرافكحصينة، فشلالبردأوأىشىءفىأنيغزوك. وكمابدأالأسبوعبتجربةجليديةانتهىبمتابعتىلخبرنشرتهمواقعالأخبارعنانفصالواحدمنأكبرجبالالجليدفىالتاريخعنالقارةالقطبيةالجنوبية، وتقدرمساحةجبلالجليدالمذكوربحوالى ٦ آلافكيلومترمربع، أىمايعادلأربعةأمثالمساحةمدينةلندن، الجبلالجليدىيقعشمالشرقالقارةالقطبيةالجنوبية. استدعىهذاالخبرالجديدللذاكرةخبرًاآخر، هواعتزامدولةالإماراتسحبجبلجليدىمنالقارةالقطبيةالجنوبيةإلىسواحلها، وأكدالمهندسالفرنسى Georges Mouginصاحبفكرةالمشروع، أنباستطاعتهتحقيقمايبدوصعبًا، ولديهواحدجاهزللنقل، فهلكانهذاالجبلالذىانفصلحديثًاهوالجبلنفسهالذىيشيرالمهندسالفرنسىإليه؟.. خاصةأنالعلماءرصدواشروخًافىالقطبالجنوبىوتزايدتهذهالشروخمنذعام ٢٠١٤.وفكرةسحبكتلجليديةمنالقطبالجنوبىليستوليدةاللحظة، لكنهاظهرتمنذالقرنقبلالماضى، عندماطرحبعضالعلماءعام ١٨٢٥، فكرةسحبكتلوجبالثلجيةإلىمناطقبخطالاستواء، لترطيبجوالأرضبأكملها، كمافكرونستونتشرشلرئيسوزراءبريطانيافىالاستفادةمنالجبالالجليديةفىصنعحاملةطائراتمنالجليد، وحالتظروفمابعدالحربالعالميةالثانيةدونتنفيذها.وفىالسبعينيات، راودالسلطاتالسعوديةحلمنقلجبلجليدىمنالقطبالشمالى، لإذابتهعندسواحلالمملكةوالإفادةمنمائهالعذبللشرب، لكنموانعتقنيةحالتدونتنفيذالفكرة. ويبدوأنالولعالخليجىبالجليدلنينتهى، ومنلديهالمالفليفعلبهمايريد.ولأنالأسئلةتولدأسئلة، فهليمكنلىأنأسأل: لماذايقيمالأوروبيونمنطقةصحراويةذاترمالوشمسملتهبةوأشواكونباتاتوجمالفىأراضيهم؟.
صفاء النجار 14 يوليو 2017
أقسام الموقع