“اختبار الندم” لخليل صويلح: تشريح الانتهاك

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

رهام راجح محمود

 مرّة أخرى، يكون الجسد مسرباً للعبور لدى "خليل صويلح"، في روايته الجديدة "اختبار الندم"( نوفل ـ هاشيت أنطوان ). ينفذ خلاله ليتلمّس تضاريس الحرب، وآثارها. فيحوّل اللغة الشعرية إلى "محمول"، تُسجّى على أجساد كائناته الرّوائية المعطوبة بالحرب، لتصير الرواية أشبه " بغورنيكا"، يشيّع فيها الكاتب بلاده الموازية للأجساد المشوهة، دون أن يبرح المعجم الحسّي، في المستويين المكاني والزماني

فالأجساد الأنثوية فضاءات لمجريات العمل، وذاكرته المتقرّحة ، تخترقها الأحداث ، وتعكس بحطام مرايا الحرب أزمنتها السابقة، التي حرص صاحب” جنّة البرابرة” على أن يقحمها في صفر لحظة السرد ليحيل على انتهاك الحرب للذاكرة والحاضر في آن معا.

“الانتهاك ” عمود العمل الفقري، فالجميع مُنتهِك، ومنتَهك في آن معاً.حيث تعبث إناث الرّاوي – الذي بدا كأنه يخطّ انكساره في الحرب- بمخيّلته التي صارت نهباً لأطياف أجسادٍ، وبلاد ممزقة ومنتهبة ” يسهرن فيه كالّلهب في السراجفي محاولة للمواءمة بين الأنثى والوطن المشترِكين في الاستلاب والقهر.

أجساد عديدة يقيم الراوي محكيّه على أنقاضها، أوّلها ” أسمهان مشعل” مفازة خاوية تستظلّ بنخيل الروحانيات، لتخفي شبقها وانكسارها. تعيش على هامش الحرب، وتبقى كخطّ سردي، هامشاً، في عملٍ يحفل بالمركز كبؤرة للحرب، وشاهدٍ على جحيمها.” كان عليها كسلحفاة أن تجري سباقاً مع الأرنب وستفوز حتماً، وكان عليّ كقنفذ أن أتعارك مع أفعى وأنتصر عليها. ما أعجبني في سيرة القنفذ أنه كائن ليليّ لا ينام، لكنني، في المقابل، لست شوكيّاً إلى هذا الحد ، وإن استنفرت أشواكي، فذلك بقصد الدفاع عن النفس من طعنة مباغتة”.

نارنج عبد الحميد” كانت محور العمل، أرادها الكاتب وتداً آيلاً للسقوط في بنائه الروائي، شيّعها عبر معجمه الجنائزي حال ظهورها، كأيقونة، ليتركها في المستوى التعبيري، بتشوهها الجسدي والنفسي، فُرجة بائسة ، ينتظر القارئ “ذبولها” وانهيارها .فضاء تخييلي للذّة موسومة بالندم، انتقام للجسد السلعة المشوّه بالذاكرة، والأزمنة المفوّتة، كدالٍّ حمّله الكاتب إيديولوجيا باتت سمة لنصوص المرحلة الراهنة. فالفتاة التي وقعت ضحيّة اغتصاب وحشي في أحد المعتقلات، صارت مقصداً بذاتها في حركة السرد، ما يعكس تجاهل وجهة النظر المغايرة في المأساة السورية،إلّا بإشارات خاطفة وسريعة من الكاتب. “كلانا حطام عواطف، وشهوات، وفزع. كنت بحاجةٍ إلى أن أتدثّر بها ،وأن تتدثّر بي. جملة واحدة من معجم الأشواق ، أو عناق مباغت ، أو ملامسة أصابع تكفي للاشتباك وارتخاء الأضلاع،وإطفاء هذه الحمّى .هل يحتاج الأمر إلى مثل هذه المبارزة الصامتة”.

“جمانة سلوم” بدورها كانت محاولة لمكافحة الحرب بالتطهير البصري، فالمصوّرة الفوتوغرافية التي وثّقت” القبح” كقيمة في الحرب السورية، فرّت إلى استكناه جماليات الجسد بالصورة، كردّ على العسف، والتشوه، والموت، الذي حضر في الرواية كفضاء رديف موّارٍ بضحايا الحرب، “محمد وهيبي” الذي مات في برلين، “فكأن أوكسجين الغربة الثقيل لم يلائم نحول جسده”.

“بشير العاني”الشاعر الذي قتلته التنظيمات التكفيرية في دير الزور مع ابنه “ذبحاً” بتهمة الردّة.

“نايا مروان” الشابة التي انتحرت في الغربة.

“فتاة الشعلان” التي ماتت وحيدة في منزلها . وغيرهم من الضحايا.. ما حوّل المتن الروائي إلى  مقبرة جماعيّة، موازية للوطن، خففّ من قسوتها  اعتماد الكاتب أسلوب القطع في توزيع مشهديّاته الروائيّة “بالتناوب”، ليمنح العمل حيويّة على المستوى الدلالي، عبر اختزالات كنائيّة، كثّفت لغة القص، من خلال مزج التخييلي بالواقعي، فيما بدا سرداً حداثيّاً، لموت موازٍ لحيوات ضاعفت الحرب هشاشتها النفسيّة، لنجد شخوصه تتعلّل بافتعال الحياة عبر الاتّكاء على الفن. فالكاتب الذي يدرّس الطلبة كتابة السيناريو، وقع على حياة منبتّة الصلة بالحياة، فشيّد بناءه الروائي “بالكلمة” و”الصورة” ليدفع القارئ إلى فضاء دلاليّ متخيلّ عن الجحيم السوري، تتراسل فيه الأجساد التي أصابتها لعنة الحرب لتعريتها من خطاياها، من مفتتح النص إلى خاتمته. هنا” حيث الجحيم يمشي على قدمين” ينتج الكاتب نصّاً مُرهِقاً بعوالمه الجحيمية، يحفل بالواقع كمعطى دلالي على الانهيار المرتقب، ممثّل بما بقي..مسودة رواية لم تُنجز، وأرواح على حافّة اللذة والموت، وندم بحجم وطن تحوّل إلى “مصحّة”.
” خرائطي ممزّقة، ولم يعد مفيداً ترقيعها، أو رفو  تضاريسها بالحنين، أو
الندم، فأينما اتّجهت ابتلعتني حفرة عميقة، تنبعث منها رائحة عفونة، أستغيث في العتمة، ولا أحد ينصت إلى استغاثتي. أصبحت حياتي بطعم حساء أعيد تسخينه أكثر من مرّة”.

كشهود، يقحمنا الروائي في محكيّه، الذي يقوم بهيكله التركيبي، على المزاوجة أسلوبيّاً بين” السيناريو” و”الرواية، لنتابع مشهديّاته السرديّة عن يوميّات الحرب السوريّة، بعد تقسيمها إلى أرقام في المتن الروائي، للقياس على حياة صارت الأرقام “كبُعد رمزي”  سمتها الرئيسة ، لنجد الروائي السوري يكتب بفصوله الستين، صوراً مشحونة بظلال لأرواح، يتركها معلّقة بطاقتها الحسيّة الإيحائيّة، كنُدب حيّة في معارض الحرب الدائرة.

…………………………..

* ناقدة سورية

[email protected]

 

مقالات من نفس القسم