فتحي مهذب
الأم
في العتمة المتوهجة
حين تختفي الذوات
في حديقة اللاوعي
ويذوب قطي مثل قطعة سكر
تحت شرشفي
ويحلق النوم مثل وطواط مذعور
أصغي إلى خطوات خفيفة
مثل أجنحة العصافير
وطرق متقطع على باب غرفتي
ولما أفرك لمبة روحي
لا أجد غير رائحة معطف أمي الشتوي
مشبعا برائحة الأرض والياسمين
كانت ترميه على ظهري
مثل شبكة
لتصيد سمكا طازجا من
من بحيرة قلبي
لتشبع إحساسها المتعطش للأمومة
وأنام مثل ملك أشوري
.تحرسني ملائكة من النور والبركات
***
الدمغة
كنت مصابا بلوثة خفيفة جاءت نتيجة تراكمات كثيرة،
لعل من أبرزها الدمغة التي تغطيها طبقة من الشعر الكثيف أعلى جبهتي اليسرى
كان الحلاق الذي أرتاد محله كل شهر تقريبا هو الوحيد الذي يعرف حجم هذه الدمغة المتخفية تحت غطاء من شعري المشعث.
كنت أتألم كثيرا عندما يطلق صديقي الحلاق حبلا طويلا من الزفرات فوق رأسي المهشمة قليلا
وهو بصدد ممارسة فنه الهندسي الجميل بمقص قادر على قطع شريط الكلمات الرمادية التي تغلف مخيلتي.
كنت أشعر بحرج شديد وأنا أحدق في وجهينا في المرآة الأمامية الكبيرة.
وجهي الذي يبدو كما لو أنه طائر مذعور يصطفق تحت كلكل القلق.
وجه الحلاق وعيناه المرشوقتان في ذؤابة رأسي تحديدا في قطر الدمغة.
كان يدور حول رأسي مثل ثعلب حول فريسة مستسلمة لمشيئة القدر.
تتطاير كلماته الجائعة في الهواء
باحثة عن ثقوب سهلة لاكتشاف أسرار الدمغة التي تحتل حيزا من جمجمتي المتداعية.
كان يحاول استدراجي لمعرفة ماهية هذه الدمغة بطرق ملتوية
بيد أني لم أسقط في شرك كلماته المتطلعة إلى هتك سجف الحقيقة
كنت أحتفظ بسر الدمغة في بئر نفسي العميقة.
لا أريد أن يطلع أحد على محتوى قصتي المليئة بالتراجيديا.
كان حلاقا ماهرا يعرف كيف يتعامل مع تضاريس ومناخات الأرؤس البشرية لذلك لم أشأ أن أستبدله بحلاق آخر.
وبمرور الوقت صرت أشك في تصرفاته المشينة
إستوقفني ذات يوم وهو محاط بكوكبة من الأصدقاء.
كان ينظر إليهم واضعا يده على شطر جبينه الأيسر في إشارة إلى الدمغة التي تطبع أعلى جبهتي اليسرى
وصار أصدقاؤه يفعلون ما قام به من حركة ملأى بالسخيمة والكراهية.
أدركت أن صديقي الحلاق لم يكن موضع ثقة بما أن دائرة التنمر إتسعت وصار كل واحد يؤول الدمغة الملعونة حسب مزاجه وما تبدعه مخيلته من شذرات مغرضة.
تفاقمت حالتي الصحية
صرت أختفي كثيرا.
ولا أظهر إلا قليلا في الحواري والأماكن الجميلة التي يرتادها الناس.
أخيرا فكرت في خطة للإنتقام من الحلاق.
سأقتله وأمزقه شر ممزق.
فكرت طويلا في إنجاز هذه الخطة الدموية.
لم أكن أعلم أن الدمغة التي توارت تحت شعري
المشعث لم تكن إلا مجرد قناع لحقيقة أشد بشاعة.
في تلك الليلة الليلاء بينما كنت أحضر شفرة الحلاقة الصدئة التي اختلستها من محله أثناء ذهابه لشراء قهوة الكبوسان .
بدأ ينتابني شعور بحركة غريبة تحت جلد جبيني كأن شيئا ينبض، يختلج هناك ينمو يتنفس.
أمسكت المرآة المتشظاة بيدي المرتعشة تحت ضوء الشمعة الخافت رأيت الدمغة تتمدد كبقعة زيت سامة تلتهم ما تبقى من جلد سليم.
إخترقت عظم جمجمتي بلطف مخادع كأنها تبحث عن شيء ما في الأعماق.
أسبلت جناحي بصري المكدود، لكن صورة الحلاق وهو يضحك مع خالصته وأصدقائه المقربين إنفجرت خلف جفني ،فصرخت بغيض أعمى.
إتخذت قرارا حاسما أن الزمن حان.
تسللت إلى محله مساء بينما العالم متأهب للرحيل إلى عوالم النوم الفسيحة.
رائحة النعناع العطن إختلطت وتمازجت مع رائحة الخوف.
كان شبه نائم على كرسيه الجلدي المتشقق.
يداه اللتان تشبهان ساقي نعامة نافقة ملطختان بدماء أسرار كثيرة ممدودتان دون حركة .
دنوت منه، شفرتي في قبضة يدي اليمنى تلمع كعين شيطان.
لكن قبل أن أنقض عليه ،إلتفت نحوي فجأة .
عيناه لم تكونا عيني إنسان .كانتا تشبهان فتحتين مظلمتين تؤديان إلى لا شيء.
إبتسم هامسا بصوت لم أسمعه من قبل.
أخيرا ..ظننت أن الدمغة ليست عيبا بل هي باب مفتوح.
أحسست بجبهتي تتمزق كالورقة الغضة الرطبة.
إنسحب الجلد، واللحم ،والعظم، كاشفا عن فجوة سوداء في رأسي إنسابت منها أذرع هزيلة لامسة وجه الحلاق بلهفة.صرخ ،لكن صراخه سرعان ما اختنق سريعا.
رأيت جسده يذوب كالشمع ،يسحب إلى الفراغ الذي فتح في جمجمتي .الدمغة…كانت جائعة.
الآن كلما مررت بمرآة أرى وجوها كثيرة تطل من الفراغ الأسود.الحلاق وأصدقاؤه وآخرون لا أعرفهم.أسمع ضحكاتهم تتحول إلى صراخ كلما كلما أطعمت الدمغة المزيد.إنها لا تتوقف عن النمو والإتساع .
وقبل أن أغادر نظرت إلى المرآة للمرة الأخيرة.
وجه جديد يحدق في .لم يكن وجهي المذعور القديم بل وجها آخر أكثر ظلمة وشراسة وانتقاما.
ثم خرجت إلى الشارع وسط الجموع كأن شيئا لم يكن.
**
اعتن بنفسك
اعتن بنفسك جيدا
بحمامة روحك الأسيانة
قالت سلمى
السنة الفائتة
حاول أن تربت على كتف حزنك اليومي
وانهض من رمادك
لا تصدقي أحدا يا سلمى
لا تصدقي صمتي الثرثار
حظي اليتكلم ببرود فاحش
كلماتي الممطرة في الخلوة
حقا هرمت يا سلمى
هرم الضوء في عيني الكليلتين
هرم المعنى العميق للأشياء
بيتنا القائم على أسس المخيلة
أصدقاء طفولتي الطيبون
شجرة اللوز الأرملة
أنا سكران وحزين يا سلمى
الفراغ يلوح لي بفأس الهندي الأحمر
في الباص العجوز
حيث الكراسي كائنات
تفكر في المستقبل
والمسافرون
أوراق تتساقط
بفعل الجرعة الإضافية من القلق
المستقبل يا سلمى
يقفز من الشباك
مثل لاعب جمباز
في انتظار المزيد من الخسارات الفادحة
لا ينظر لأحد
ثم يختفي في الزحام.
أنا لم أمت يا سلمى
حولت كل الطعنات
إلى ينابيع ذهب
رميت متناقضاتي في قاع البئر
آخيت المستحيل.
***
قصة البيت الملعون
(لم يكن الليل في بيتنا يضارع ليالي البيوت التي تجاورنا.
كان يهبط بثقله المعتم كأنما يحمل نعشا لا يرى ويضعه في غرفة أمي التي تشبه إلى حد بعيد مركبا غارقا في قاع المحيط.
كانت أمي تطلق في نومها صوتا غريبا جدا لا يمت بسبب للأصوات التي نعرفها نحن أبناء العالم الفيزيقي.
صوت يثير الرعب والهلع كأن الريح تعوي داخل حنجرة منسية تحت الأرض أو كأن مدينة بأكملها تعول من بين ضلوعها.
تناهى إلى سمعي هذا الصوت أول مرة، لم يكن نومي أنذاك عميقا.
سمعته بكل حواسي دفعة واحدة كما لو أن الزمن توقف لينصت مثلي.
رأيت الهواء يرتجف والظلال تذوب مثل مكعبات الثلج.
سمعت أمي تهمس بشيء لا يترجم إلى لغة البشر.
في الصباح ،كنت أظن أن إعصار من الحمى أو الجنون ضرب قلعة رأسي.
لكن الصوت عاد في الليلة التالية..
ثم عاد مجددا..ثمثم تكرر حتى صار طقسا ليليا.
لم أعد وحدي في خضم هذا الجنون.
صار أخي يتحدث في نومه ويصرخ بنفس النغمة الملعونة ،نفس التنهد الذي ينتهي ببكاء حاد لا يصدر عن كائن بشري.
ثم تلبسني أنا.
صرت مثلهما أصدر نفس الصوت الغريب وأنا متموضع بين حدي اليقظة والنوم.
حاولنا أن نقف على حقيقة هذه الحقيقة الماورائية الغامضة لم نجد حلا مقنعا ولا تفسيرا منطقيا .
توالت الأيام وأروحنا متلفعة بالرعب والجنون يلوح بمنديله الأسود أمام أعيننا المنكسرة.
هكذا تسلل هذا الصوت الغريب إلى جدران البيت فشرعت تصدر طنينا خفيا كما لو أنها مهددة بالسقوط في قلب الهاوية.
ثم إنتقل هذا الصوت المفزع إلى جيراننا.إنها لعنة الصوت الغامض المخيف الذي انطلق من حنجرة أمي إلى سكان المدينة .
كلنا يصرخ في الليل بصوت لا ينتمي إلى عالمنا الفيزيقي.
كذلك حيواناتنا الأليفة أصابتها عدوى هذا الصوت المقزز.
لم أكن أتخيل أن المدينة التي نشأت فيها ستغدو بهذه السرعة قطعة من جحيم بارد.
كانت شوارعنا تعج بالحياة والحركة ونعومة العلاقات البشرية
وتبادل التحايا.
أما الآن فقد صار كل شيء مغرورقا بالصمت كأن أحدا قد خنق الحا بقفاز غير مرئي.
في تلك الليلة ،وهي الليلة السابعة بعد أن بدأ الصوت يستشري ويتكاثر كالأوبئة سنعت طرقات خفيفة على نافذتي.
نهضت مقتربا بحذر إذ رأيت طفلا غريبا بثياب مظلمة واقفا يتنظر إلي بعينين لا يشبهان أعين الأطفال.
كانت عيناه فارغتين لا بياض فيهما.عينان من الليل ذاته.
ثم فتح فمه وأصدر ذلك الصوت،
إنه الصوت التي تطلقه أمي في الليل لكن بصوت طفل.
أحسست بالأرض تميد بي.
ورأيت الغرفة تتنفس.
كل ما في البيت كان يرتجف معي:المصباح، الستائر، الكتب، سقف الغرفة،حتى المرآة اهتزت كأنها تبتلع انعكاسي.
صرخت ،لكن صوتي ظل حبيس ظلمات الروح.
كان الصوت وحده هو المسيطر.
صوت واحد يتكرر،بصيغ مختلفة،من أفواه كثيرة،بأعمار متفاوتة،لكنه يحتفظ بجوهره الرهيب: شيء ما يهمس من عالم آخر.
منذ تلك الليلة لم أعد أعرف من أنا.
هل أنا الوريث الشرعي لذلك الصوت؟
هل أنا من يسمعه..أم أنا الصوت نفسه وقد اكتسب جسدا بشريا؟
لم نعد أميز بين النوم واليقظة.
صرنا نستيقظ على همهمات تأتي من بين الشقوق.
الجدران لم تعد صماء كما عهدناها..
بل صارت تنبض مثل كائن حي.
تتنفس ببطء، وتصدر بين حين وآخر أنينا مبحوحا،كأن أحدا ينام داخل الحائط.
لم أعد أقترب من الجدار.
كنت أشعر بحرارته ترتفع كلما دنوت كما لو أن شيئا يطبخ خلف الطلاء.
في الليل ،كنت أسمع خربشة، ثم نقرة،فشهقة،ثم صوت خطوات متلعثمة تمشي فوق السقف.
وحين أصعد لهتك سجف المجهول
لا أجد أحدا.
كنت أقول لنفسي : إنه الوهم..حمى الصوت التي أصابت المدينة .
لكنني ذات مساء ،أمسكت بأمر لا يمكن إنكاره:
خرجت خصلة شعر من الجدار.
نعم خصلة شعر داكن،طويلة ،رطبة، تتدلى ببطء من موضع مرتفع من الحائط.
إقتربت مرتعدا..لم ألمسها..
لكنها كانت تنمو.ثم رأيت عينين نصف مفتوحتين تنظران من بين التشققات ،مطوقتين بسائل شفاف لا لون له، ولا رائحة.
حين تذوقته لاحقا، كان يشبه طعم الحنظل.
في تلك الليلة ،أدركت أن بيتنا لم يعد مسكنا بل صار كائنا غريبا.
وأنا داخله.
حين بلغ الرعب ذروته ولم نعد نملك تفسيرا لما يجري ،دلني أحدهم إلى رجل يعيش في أقصى المدينة،لا يسكن بيتا ،بل كوخا حجريا مائلا بين شجرات الزيتون المسنة.
قال الناس:إنه كاهن.
وقال آخرون :إنه مشعوذ.
بيد أن الجميع إتفقوا على أنه أعمى.
أممت كوخه وحدي في ظهيرة معتمة والشمس تلفظ جثتها في الأفق.
وجدته جالسا على حصير من جلد الماعز، واضعا يديه على ركبتيه،ووجهه إلى الجدار.
لم يلتفت،لم يسألني من أنا.
قال فقط:
“الصوت يسكنك وها أنت تسكنه”
إرتعدت مفاصلي.
لم أنبس ببنت شفة ولم أصف له شيئا.
_”أمك كانت المفتاح …وكانت الضحية”.
خطوت خطوة مقتضبة،فرفع يده فجأة كأنه يحذرني،ثم أخرج من جيبه قطعة مرآة مكسورة.
ناولني إياها قائلا: “سترى ما لا يرى حين تنظر بها إلى الجدار الذي لا يكف عن الأنين”
ثم همس بصوت يشبه اصطفاق جناحين منكسرين:
-“لا ترفع عينيك وتحدق فيه
فإن رأيت وجهك هلكت”.
عدت في المساء قابضا على قطعة المرآة المكسورة كما لو أنها سلاح بيدي.
كان البيت ساكنا أكثر من المعتاد..
حتى الهمسات توقفت،والنبض داخل الجدران أرخى سدوله.
لم أجد بدا من رفع المرآة المكسورة باتجاه الحائط.
كان الضوء شاحبا، لم أكن أبحث عن إجابات شافية بل عن نهاية.
فجأة رأيت في المرآة ما لم أره من قبل.
الجدران تتلوى،السقف يقطر دما أسود،الأرضية تنشق عن ألسنة، والمرآة ذاتها ترتجف بين أصابعي كأنها تحترق من الداخل.
ثم رأيت وجوه الجيران،أخي وأمي،،كذلك وجهي أنا..
وجوه مشوهة تبتسم بأسنان لا تنتهي وتطلق أصواتا مزعجة مربكة.
صوت واحد يخرج من ألف فم،من الجدران، من السقف، من داخلي.
كنت أرتجف كمن وضع في قبر وهو مازال على قيد الحياة.
ثم سمعت الكاهن الأعمى يهمس في أذني.
“المرآة ليست نافذتك بل قبرك.”
أفلت المرآة من يدي…لكنها لم تتوقف عن عكس صور مرعبة جدا.
وحتى اللحظة ،مازلت أراها مكسورة في الزاوية..
٩تعكس شيئا واحد فقط:
.وجهي..لكنه متجمد لا حراك به.
***
أيها الزمن
وأنت أيها الزمن
أيها السلوقي الذي يطارد قطيع الساعات الحرجة
الذي تصعد الغيوم من معطفه البني
أيها الحاجب الحبشي
حامل بريد الموتى
قارع الأجراس في كنيسة النهار
أيها الساحر الأشقر
تحمل الفلاسفة في قوارب سريعة
يلوحون بتنظيرات معقدة
لروحك المليئة بالأسرار
يشربون الفودكا متكئين على كتف الريح
سعداء بسلاسة نهرك المترامي
بجناحك المخيف تقلب القوارب
وتغرق المهاجرين إلى جزيرتك النائية
وأنت أيها الزمن
تدع خالصتي يرضعون الشرفة المنطفئة
وعلى أكتافهم جبال من العذاب الخالص
تقتل المستقبل وتدفنه في ألبوم العائلة المنقرضة
تكنس الحاضر بأظافرك
تهاجم الماضي بمسدس أشيب
كذبت علي كثيرا
وأنا أسد عظيم في السافانا
وهانذا مأهولة رأسي بالقطن
كتفاي مليئتان بزئير النقرس
منطفىء نسر البصر الفارد جناحيه
في الملكوت
أكركر جسدي مثل سحلية
مكسورة الخاطر
بنصوص جميلة سأقاتلك إلى الأبد.







