عبد الرحمن أقريش
المكان زاكورة.
الزمن 1992، يوم من أيام الآحاد.
بمقاييس الزمن يبدو الأمر بعيدا الآن، بعيدا جدا، ولكن ذاكرتي تحتفظ بالتفاصيل، تفاصيل طرية، موشومة وترفض الإنمحاء.
أشعر أحيانا وكأن ذلك حدث بالأمس.
في البداية اكتشفت ما يكتشفه السائح عادة في اللقاء بمدينة يزورها للمرة الأولى.
في الوهلة الأولى بدت المدينة بسيطة، جميلة وهادئة، هذا النوع من المدن الذي تزوره أياما، تسكنه أسبوعا أو أسبوعين، وبعدها تسكنك هي إلى الأبد.
طبعا أنا لست سائحا، لست من هواة السياحة الثقافية ولا من أنصار النزعة الإيكولوجية، وبحكم السن وانعدام التجربة فقد كان صعبا علي العمل بعيدا عن مدينتي وعائلتي، وكان عزائي الوحيد هو هذه الوجوه المشرقة للمدينة، بساطتها، جمالها، الشروق المبكر، أطياف الظهيرة، الأصيل، الغسق الملون، كثبان الرمل المذهبة التي تحركها الريح في كل الاتجاهات، الوادي، واحات النخيل الممتدة إلى حدود الأفق، وطبعا أهل المدينة البسطاء فهم ناس طيبون وفي منتهى الكرم.
الكثيرون مثلي ممن أرسلتهم الوزارة للاشتغال هناك يعتبرون ذلك بمثابة عقاب، أسألهم.
- عقاب لماذا؟ وعلى ماذا؟
بعضهم لا يجد الجواب، بعضهم يقارن المدينة بمدينته، بعضهم لا يحب الريح والزوابع الرملية، البعض يكره حرارة النهار، البعض لا يطيق برودة الليل، والبعض الآخر يعاني الأرق ويخاف من الهوام والزواحف المؤذية في الصيف…
من جهتي كنت متذمرا بالخصوص من ملوحة الماء الشروب وانقطاع الكهرباء، وتعثر خدمات الهاتف العمومي.
مرت الأيام، تلاشت دهشة البدايات وسحرها وأعدت اكتشاف المدينة وناسها بالتدريج، واكتشفت أن الزمن وإيقاع الحياة هنا مختلف عما هو مألوف، وفي كل مرة أتيقن أن ما أراه ليس ما أراه حقا، وأن الأشياء لا تحدث دائما كما أتخيل.
لم أكن مستعجلا، قررت أن أمنح بعض الوقت للوقت لكي أفهم، في الأسبوع الثاني أو الثالث – لم أعد أذكر – اكتشفت أمورا غامضة ومستعصية، بدا لي وكأن خلف الأشياء تختفي أشياء أخرى، وكأن المدينة مغلفة بالأسرار، وكأن وراء الأسرار أسرار أخرى لا تنتهي، اكتشفت أن الزمن هنا لا يمضي بنفس الوتيرة كما في كل بلاد الدنيا، الزمن هنا لا يعبأ بقوانين الزمن.
هنا تشرق الشمس باكرا، أحيانا مع الخيوط الأولى للفجر ضدا على كل أنظمة الطبيعة منذ كوسمولوجيا (بطليموس)، مرورا ب(بنيوطن)، وصولا إلى (إنشتاين)، إلى آخر الأسماء التي نظرت للامتداد الكوني وفكرة (البيغ بونغ).
ولكنني اندهشت أكثر عندما اكتشفت أن أيام الأسبوع هنا مجرد أسماء بدون مسمى، الأيام هنا لا ترى، تمضي ولا تمضي، تغدو وتروح بهدوء وبدون جلبة، اليوم الوحيد في الأسبوع هو يوم الأحد، الأيام الأخرى لا تصلح إلا لانتظار يوم الأحد…
هنا تبدأ الأيام دائما على الشكل التالي.
في الصباح الباكر تستيقظ النساء أولا، وبعدهن تستيقظ الدجاجات، لا أدري لماذا هذا الترتيب، فكرت في كل الحكايات التي قرأتها في الكتب، استحضرت بالخصوص (أليس في بلاد العجائب)، افترضت أن ذلك يحدث ربما بحكم مقاربة النوع، طبعا استبعدت الفكرة فهي غريبة وغير مهذبة، فلا علاقة بين النساء والدجاجات، ولكنني بكل أمانة لا أفهم.
بعد النساء يستيقظ (الخماسون)، ينطلقون إلى العمل، ينزلون إلى الحقول، يشيدون الأسوار الحجرية، يشذبون الأغراس وينظفون السواقي، ربما بحكم قوانين المادية التاريخية وآليات الصراع الطبقي، وكلمة (ربما) هنا من باب الاحتياط فقط، فأنا متيقن تقريبا أن التراتب الاجتماعي والتفاوت بين البشر تحكمه علاقتهم بما يملكون، المال والألقاب والجاه وخيرات الأرض…
أما الرجال وهم الملاك وأصحاب الأرض فهم لا يستيقظون عادة إلا عندما تكون الشمس قد طردت زمهرير الصباحات الباكرة، يتناولون فطورهم على مهل، حساء من الشعير المطبوخ بالحليب، حبات تمر، خبز وإدام، وبراد شاي بدون نعناع (أتاي الرفيع ما يحتاج ربيع)، هكذا يقولون.
بعد الظهيرة، تبدأ القيلولة المقدسة وتمتد ساعة أو ساعتين، وبعد صلاة العصر ينتظم الرجال في جلسات في ظلال القصور الطينية، يجلسون هناك بملابسهم وعماماتهم الأنيقة الشديدة البيضاء، يتحدثون، يدخنون، يحتسون الشاي، بعضهم يسند ظهره إلى الجدران الحجرية، بعضهم يجلس القرفصاء، وآخرون يتمددون في وضعيات جسدية مريحة، فيبدو المشهد في كليته جميلا وملونا مثل لوحة استشراقية…
وينتظرون.
ينتظرون أن تفرج السلطة عن مياه السد.
ينتظرون أن تعود الحياة للوادي .
ينتظرون أن تنضج تمور الواحات .
ينتظرون مرور حافلة (الستيام).
ينتظرون عودة الرعاة والمواشي.
ينتظرون آذان المغرب.
وينتظرون يوم الأحد.
ثم أخيرا يصل يوم الأحد، ويعود الزمن الكوني – الفيزيائي إلى دورته العادية، فهو اليوم الوحيد الذي يرتفع فيه إيقاع الحياة، فيسرعون.
يسرعون لتناول وجبة الفطور.
يسرعون للذهاب إلى السوق (في السوق هناك ثلاث مواد مهددة بالنفاد، الفلفل الحار، حبات الملوخية، وأحجار الملحة الحية)
المعلمون القادمون من الدواوير والقرى المجاورة هم أيضا يسرعون يوم الأحد، يسرعون إلى الحلاق لقص شعورهم وأخذ حمام دافئ، يسرعون لاقتناء الجرائد والمجلات وإجراء مكالماتهم الهاتفية…
ثم أخيرا ينتهي يوم الأحد، ينتهي مساء الأحد، فبعد صلاة العصر يكون السوق قد انفض، والبضائع نفدت.
ثم في المساء يزحف الليل، يهيمن على المدينة، يشعر الجميع بالتعب من جراء الإيقاع السريع ليوم الأحد، ولحسن الحظ ينخفض التوتر تدريجيا، وتبدأ الدورة الدموية في الانتظام بفضل وجبة عشاء دسمة قوامها اللحم، حبات الملوخية وعبق التوابل من كل الأصناف.
وبعدها يركن الرجال إلى الزوجات.
في الصباح الباكر تختفي النجمات من السماء، ترتسم الخيوط الأولى للفجر ويعود الزمن إلى إيقاعه الجنوبي الأبدي، ينكمش على نفسه، يتثاءب، ويدور ببطء في انتظار يوم الأحد.