يومٌ عادي

فن تشكيلي

آسر أيمن

وقف حسن كبطلٍ أسطوريٍّ، وفتح فاه، غير آبهٍ بنظرات السخرية من حوله، وهو يقول ردًّا على سؤالٍ من أستاذته:

   – بابا..

   وبدا كممثلٍ مسرحيٍّ مخضرَم وهو يتنهد لإضفاء الإثارة على ما سيقول، وإسكان الفضول قلوب زملائه.. وقد نجح في كليهما بجدارةٍ يُحسَد عليها.

                                      ***

   – فتّح ولِمّ قفصك شوية كدة؛ عشان ما أعدمكش العافية.

   قالها الرجل ذو الصوت الأجشّ، ضاغطًا على حروف كلماته بنبرة تشي بالتهديد. رفع صابر قفص العيش الخاص به لأعلى، محاولًا إبعاده عن الواقفين حوله في هذا الطابور المتكدِّس إلى أقصى حدٍ. كما رفع يديه المرتعشة معتذرًا، راسمًا على وجهه ابتسامة بلاستيكيَّة، لكنها لم تكن كافية بالنسبة لهذا الشيخ السمين أمامه، الذي أكمل برطمته بصوتٍ هامس تتسرب منه بعض الطلاسم غير المفهومة إلى أذن صابر، الذي حاول أن يبتعد عن المشاكل قدر الإمكان وهو يقول مبتسمًا:

   – حقك عليا يا معلم، أوعدك مش هتتكرر تاني.

   – ما هو مش هيحصل غير كدة.

   كان منظر هذا الطابور من بعيدٍ أقرب لأداة استُخدِمت لتعذيب الجموع لا مخبز؛ فقد دُهِس صبري بالوسط؛ لقصره البادي، كفأرٍ بين وحشين، وسقطت نظارته على الأرض وتهشّمت هي الأخرى.. تمامًا كصاحبها.

   لم تكد تمر ثوانٍ حتى صدم أحدهم صابر من الخلف فسقط إلى الأمام راشقًا قفصه في ظهر الشيخ الواقف أمامه، الذي قال، دون مقدمةٍ، بعد أن رمى قفصه بعيدًا:

   – لأ بقى! دة أنت شكلك قليل أدب وعايز تتربّى!

   لم يكَد ينطق المعلم حسني الجزّار – مالك الجزارة التي تتوسط حارته – جملته حتى انهال على صابر ضربًا، والآخر يحاول الرد أو حتى الدفاع، لكن فرق القدرات الجسدية لم يتِح له أيًّا من الاختيارات، فاكتفى الموظف الشاب بلعب دور القتيل.

   اجتمع الواقفون حولَ المتعاركَيْن دون تدخُّلٍ يُذكَر.. ومن بعيدٍ، لمح صاحب المخبز ما يدور خارجًا، فنزل عن الدَرَج الفاصل بين المخبز والشارع وثبًا، وتخطى الجموع، كذبابةٍ بين سرب جراد، وسحب جسد صابر من أسفل عم حسني الجزَّار – حتى كاد هو يتلقى الضربة التالية محل القتيل – وهو يقول:

   – مش قدَّك دة يا عم حسني.. وبعدين دة خلاص أُغمى عليه، سيبه بقى وما تجيب لناش مصيبة الله يرضى عليك.

   – طلاق تلاتة ما هحلِّه غير في قسم شرطة.

   اشترك الجميع في شهقةٍ موحَّدةٍ. قبل أن يستنكر مالك المخبز قائلًا:

   – قسم! قسم إيه يا عم حسني وأنت عادمه العافية كدة؟! عمل إيه هو لكل دة أساسًا؟

   – قلَّ أدبه مرتين وتلاتة، رغم إني حذرته.

   حاول الزبائن إقناع عم حسني بالتخلِّي عن فكرة القسم.

   – خلِّينا ناكل عيش بقى.

    دعابةٌ جيدة لكنها ليست في محلها، ولم تكفِ حسني ليتخلَّى عن فكرته، فشرع في إكمالها. أما صابر، فقد بدأ يفطن إلى ما يدور حوله وهو على مشارف القسم، محمولًا على ذراعي حسني.

   فطَّ صابر من ذراعي حسني كرضيعٍ فُطِم بين ليلةٍ وضحاها. شعر حسني بحركة صابر بين ذراعيه.. نظر أرضًا فوجد صابر يتأوه إثر الارتطام الذي حلَّ به نتيجة السقوط، والناس حوله يشهقون ويتهامسون. قام صابر الضئيل الجثة للغاية – بالمقارنة بجسد عم حسني الجزار – وقال محاولًا مسك يد حسني ليُقبِّلها:

   – والنبي يا معلم سيبني أمشي؛ لحسن الساعة زمانها داخلة على اتنين إلَّا..

   أخرسه كف المعلم الذي هوى عليه كصاعقة، وهو يقول:

   – ولو، برضو مش هسيبك.

   ظهرت نغمة الانتحاب جليةً في صوت صابر الذي أخذ يقول:

   – العيال.. ولادي قرّبوا يطلعوا من المدرسة، وما فيش حد يروّحهم غيري.

   كان حسني كتمثالٍ جامد وهو يصوِّب نظره للأسفل، نحو صابر.. علت الهمهمات من حولِه، قبل أن يتنحنح أحد المتجمهرين حوله، ليقول:

   – خلاص يا معلمي، أنت الكبير، وبعدين الراجل – معلش يعني – ما أساءش لكل دة، وسامحني لو الكلام مش على الهوى.

   زفر حسني في ضيقٍ وهو يقول:

   – خلاص يا ابني، روح الحق عيالك.. ولما تيجي بالسلامة نتصافى.

   صمت صابر وعيناه تدمعان كأن التأثر أخرسه، قبل أن يمضي دون كلام. وقد بدا على حسني أنه شاركه في الاغتمام هو الآخر، وقد ظهر عليه وخز الضمير جليًّا.

                                      ***

   – هو أكبر بطل عندي. أنا مش عارف هو بيجيب فلوس منين، ولا إزاي بيعرف يفضل سهران معانا الليل كله عشان يعوض مكان ماما، والصبح يودينا المدرسة ويروح شغله ويرجع يجيبنا، ويجيب طلبات البيت. بس أنا متأكد إن ورا الشجاعة دي تعب كبير، بس بابا مش بيبيّنه. ودة اللي بيضايقني.

   تعلّقت العيون به.

                                      ***

   لم يشعر صابر بالإهانة مثلما شعر اليومَ. جفَّت الدموع، أما أثر الموقف، فصابر يؤمن أنه لن ينمحي أبدًا.

   سقط صابر عن كرسيه حينما ارتطم الميكروباص، الذي ركبه، بمطبٍّ جعل السائق الجالس بجواره يسب نظام الطرق في إمبابة، مُلحِقًا إياها بسبة آخر في حق إمبابة أجمع.

   – اهدى بس يا ريِّس.

   زفر في مبالغةٍ، ثم قال:

   – ما هو دة مش مكان مطبّ يرضي ربنا برضو!

   لحظات وأردف:

   – هدينا والحمد لله. اسم الكريم إيه؟

   – صابر.

   – عاشت الأسامي.

   – تعيش.

   – شغال إيه بقى؟

   – يعني.. أنا موظّف في الشهر العقاري الصبح، وكاشير بعد الضُهر.

   ندّت عن السائق الشاب نظرة شفقة، لكن سرعان ما طواها في قرارة نفسه؛ ربما لأنه شعر أنه أسوأ حالًا. وعاد يتكلم وهو يراقب الطريق:

   – ويعني نويت تدفع أجرة العربية كلها يا بيه؟

   – مستعجل شوية بس؛ أولادي طلعوا من المدرسة من شوية وأنا اتأخرت عليهم.

   عبس وجه السائق وهو يقول:

   – كتر خيرك والله.

   ابتسم صابر ابتسامةً سريعة ثم ظل محافظًا على تقطيبة وجهه حتى غفا مرةً أخرى. وبعد بضع دقائقٍ، تكلّم السائق بجواره في هاتفه، هامسًا، كأنه على وشك اقتراف جريمة:

   – والله هحاسبك الليلادي، بس أنت ظبّط لي حتة مُعتبَرة من بتوع زمان. مشوارين كمان وهلمّ لك تمنه. آه، آه، جه واحد كدة – كتّر خيره – حجز العربية كلها فطلعت بدري. لأ يا فتحي، تأجيل إيه؟! ما تهزرش! فتحي، يا فتحي!..

   من الواضح أن الطرف الثاني قد أغلق الخط، فاغتاظ الشاب جدًا، وأخذ يخرج غيظه في سرعته المفرطة حتى وصل أمام العنوان.

   أخذ يحاول إفاقة الجثة الهامدة بجواره، قبل أن يستيقظ الأخير، قائلًا بغيرٍ تركيز:

   – تسلم يا أسطى تعبتك.. تسلم.

   هزّ السائق رأسه في ضيقٍ، قبل أن ينزل صابر. نظر للمدرسة، بدت خالية، كمبنىً مهجور إلا من نجليه الذين حاولا الجري نحوه، قبل أن يعترضهما البوَّاب طالبًا منهما الانتظار لحين دخول والدهما.

   دبَّ صابر يديه في جيبه الخلفي ليُخرِج المحفظة فلم يجدها. تصلّبت يداه، ثم سرعان ما امتدت نحو كل شبرٍ في ملابسه يحتمل وجود المحفظة. عملت اليدان كآلاتٍ للبحث عن المحفظة، لكن دون فائدةٍ، فالنتيجة واحدةٌ: المحفظة قد نُشِلت أو سقطت منه عند فرن الخبز!

   لم ينطق، ولم يعرف ماذا يقول، غير أن السائق قد فهم، فأمسك في معطف بدلته وجذبه نحوَه بعنف، ثم أخذ يمرجحه في الهواء وهو يقول:

   – نهار أبوك إسود! دة أنا هـ**** لو ما طلّعت ليش حقي ناشف وقتي.

   أعقب الجملة بصوتٍ بذيءٍ يصدر عن الأنف، ثم لفّ نحو بابه ليخرج مطواة ويستلّها. شهق الصبيَّان ووضعا يديهما على فمهما. وصابر قد قال: طب وصّلني البيت يا ريِّس وأنا هحاسبك على المشوارين.

قرّب المطواة من وجه الرجل وهو يهمُّ أن يقول شيئًا، قبل أن يأتي البواب جريًا ليقول:

   – حسابك كام يا ابني؟

   ما إن طلب الشاب مبلغًا حتى أخرجه له البواب في السرعة، وهو يصيح:

   – امشي، يلّا غور من هنا!

   لم يبدُ من نظرة الشاب الشهوانية نحو الأموال أنه سمع شيئًا. بدت في نظرات صابر أجلَّ آيات الامتنان، فلم يستطع النطق، واكتفى بقدرته على حبس دموعه.

خرج الأبناء جريًا، ليحتضنوا والدهم، قبل أن تقول الفتاة الصغيرة:

   – فين نضارتك يا بابا؟ وفين فلوسك؟

   جثى على ركبتيه ليحتضنها، وقال:

   – وقعوا مني في المكتب. بكرة، إن شاء الله، هدوّر عليهم.

                                      ***

   – دة أنا حتى يا مِس قعدت إمبارح أتفرج على كارتون سبايدر مان مع بابا. وهو قال لي إن سبايدر مان بطله المفضل – وبيتهيأ لي هو بيكدب؛ عشان ما كانش في سبايدر مان وهو صغير -، فقلت: وأنا كمان. بس لما فكرت تاني، اكتشفت إن بطلي المفضل بابا، على الأقل سبايدر مان مش مدير شركة زي بابا.. ولا سبايدر مان نفسه يبقى ولاده أحسن منه زي ما بابا دايمًا يقول لنا، ولا سبايدر مان بيحبنا زي ما بابا بيحبنا. 

                                      ***

   وصل صابر إلى منزله أخيرًا. كم كان يومًا شاقًا ومُرًّا! لا يذكر متى ولا كيف عاد، فقط بضع صور مشوّشة وذاكرة لا تقوى على ربط الأحداث.

   يذكر صابر أنه لم يبكِ – تقريبًا – منذ أنجب حسن سوى مرتين والثالثة اليوم، ولكن طافت على ذاكرته المشوشة بعض الصور من المرات التي بكى فيها: يومَ مرضت أمه، ويوم تُوّفيت زوجته.. واليوم.

   استجمع صابر تركيزه، ليتذكر أنه قد نام على الأريكة بلباسه من فرط إرهاقه، قبل أن يوقظه ابنه وهو يقول:

   – في حد بيخبَّط على الباب.

   – مين؟

   – ما أعرفش، تعالى افتح وشوف.

   هز رأسه موافقًا. نظر في ساعته، كانت الرابعة، عمله الثاني سيبدأ بعد ساعتين وحتى منتصف الليل. تحرك بعينين حمرواتين من إثر فقد النظارة.. والبكاء.

   كان الواقف خلف الباب خال زوجته. استقبله صابر بترحيبٍ لا يجبره عليه سوى كونه صاحب تلك العمارة.

   صافحه بجفاءٍ، وقبّله دون حرارة، وطلب منه الدخول إلى الشقة لأن لا خيار أمامه خيرٌ من ذلك.

   دخل سمير للشقة مبتسمًا ابتسامة واسعة لم ينجح الشارب الكث فوقها أن يحجبها. بعدما دخل وجلس على الكرسي القريب من الأريكة التي جلس صابر عليها، تنحنح الرجل مشيرًا بعينيه نحو الغرف الداخلية، تذكر صابر أنه هو من طلب منه أن يذكِّره أن يُبعِد أبنائه قبل أن يتحدث.

   نظر صابر نحو الغرف وهو يقول:

   – يا حسن، واد يا حسن.

   حضر حسن بسرعة.

   – نعم يا بابا.

   أخرج صابر من جيبه ورقة مالية، ووضعها في باطن كف نجله وهو يقول:

   – انزل هات بالعشرة جنيه دي عيش.. بس من الصغير.

   – حاضر. فين القَفَ..؟

   قاطعه صابر بحزمٍ صائحًا:

   – سيب القفص هنا، خد في كيس بلاستيك عادي. ولو المخبز دة ما عندوش غير أقفاص، شوف غيره.

   لم يفهم الفتى الحكمة، لكنه اكتفى بهزّ كتفه ورأسه، وتحرَّك.

   – أنا نويت أرفع إيجار الشقة لـ9000 جنيه بدل الـ6000 جنيه اليُتَمى اللي كنت بتقطّرني بيهم آخر كل شهر.

   قالها سمير دون مقدماتٍ، وظل على ابتسامته الودودة. أما صابر فقد شعر أنه تلقى جرحًا غائرًا فوق جروحه السطحية. من أين سيوفِّر هذا المبلغ؟ ومن أين سيأتي بما يُكفّل له باقي جوانب العَيْش؟ وماذا سيفعل في ليوفّر لابنيه مسكنًا مناسبًا؟

   – بس دة كتير قوي يا أستاذ سمير. أنا ما أقدرش أدبَّر المبلغ دة كل شهر.. ما أنت عارف ظروفي.

   – دة أنا مجاملك كدة عشان المرحومة الغالية بنت الغالية.

   اشتد غيظ صابر، فوقف وجذب الرجل من قميصه، وجرّه نحو الباب، وهو يقول:

   – أنت راجل ضلالي ونصاب وحرامي!

   حاول أن يهرب سمير من قبضته. ولما لم يستطع قال:

   – أنت اللي اخترت. بعد بكرة تكون مفضّي الشقة ومعزّل بالذوق عشان ما أرميكش في الشارع. والمُهلة دي للعيال مش ليك.

   أتى حسن ودخل إلى الشقة بجسده الضئيل عابرًا من أسفل سمير. وقبل أن يندهش من غرابة هذا المنظر، لكم صابر الرجل لكمةً أنزفته، لكمة شعر صابر أنه يفرغ، عن طريقها، كل ما اختزنه على مدار اليوم. وضع الرجل يده على أنفه. ولما امتلأت بالدماء، نظر له مهدِّدًا، وقبل أن يتكلم أغلق صابر الباب، والرجل يقول:

   – ماشي يا ابن الكلب، ماشي..

   أغلق الباب وابتسم للصغير الذي كان على وشك البكاء. جثا وقبّله وقال له:

   – مالك يا حبيبي، بتعيط ليه؟ ما فيش أي حاجة خالص. يلَّا بينا ناكل أي حاجة سريعة عشان نلحق نلم الشنط.

   – شنط إيه؟

   – ما إحنا هنسيب الشقة.

   بكى الفتى بكاءً ممزوجًا بالصراخ، وتبعته أخته دون أن تعي لما يبكيان، قبل أن يقول وهو ييمرر يديه على جسديهما:

   – لقيت شقة أحسن وأوسع من دي ميت مرَّة.

   حاول تهدئتهما وفلح مؤقتًا. ولما جلس وحيدًا، لم يستطع البكاء هذه المرة، كأن البكاء هذه المرة ليس مشبِعًا. أما السكوت فكافٍ.

                                      ***

   أتى اللَّيلُ هما يعاوناه في ترتيب حقائبهم. وقد عدا إليه حسنٌ فجأة كأنه تذكر شيئًا. اقترب منه وهو يُعدّ الحقيبة، ثم قال:

   – أقول لك حاجة وما تزعلش مني؟

   – قول ومش هزعل.

   – أنا نسيت أحط اللحمة في الفريزر.

   – لحمة إيه؟

   – اللي أنت اشتريتها الصبح ونسيت تاخدها.. الراجل اداها لي.

   لم يفهم. ذهب إلى المطبخ، ونظر إلى كيس الخبز. وجد فيه طبق لحم يزن كيلوهين.

   ولما سأل صابر ابنه عن هذا، قال إن هناك رجلٌ اسمه حسني قد أعطاه تلك العلبة على إنها لصابر وقد نسى أن يأخذها صباحًا لعجلته. ابتسم صابر وهو ينظر للعلبة في سخرية.

   أنهى صابر وبنوه الترتيب، ولم يستطِع أن يتقبل الرحيل بعد؛ وخصوصًا لأن هنا سكن مع زوجته قبل الوفاة، وهنا تربّى أولاده.. وهنا ضحك وهنا بكى، وهنا وهنا..

   وقف في الصالة، بجوار صورهم المجمعة مع زوجته المتوفاة، وأحضرهما، قائلًا:

   – تعالوا نتصوَّر صورة.

  سألته الفتاة:

   – ومين هيصّورنا؟

   – عرفت إن فيه في الكاميرا خاصية اسمها مؤقت. بعد ما نسندها، ندوس عليه ونتصور.

   أعدّ الصورة، ووضع هاتفه، وشغّل المؤقت وعاد. وفجأةً، تكلم حسن دون مقدمةٍ:

   – المِس النهاردة سألتنا عن أكتر سوبر هيرو بنحبه.

   لم يحوَّل صابر عينيه عن الكاميرا، أو يغير من تعبير وجهه وهو يقول في غير اكتراث:

   – واخترت مين؟ سبايدر مان؟

   صمت الفتى لحظات، ثم قال:

   – أنت.

   التفت له صابر، رقص قلبه طربًا، وارتعش جسده لقربه من البكاء مرةً أخرى.. وضم ابنه إلى صدره، والفتاة قد وثبت على ظهره، لتجعله حضنًا متكاملًا، وهي تضحك في صفاءٍ أجلى هموم صابر الكثيرة عن صدره.

                                    ***

   طوال الفسحة، كان الجميع يتحدث عن إجابة حسن النموذجية على سؤال البطل الخارق، ما أوشك أن يُبكي أستاذته وزملاءه.

 وكان يسير في الفسحة مع أحد أصدقائه المقربين، الذي قال له:

   – يا ريت باباك كان هنا عشان يسمعك. كان هيفرح بيك.

   – عندك حق.

   سكتا قليلًا قبل أن يقول صديق حسن:

   – يا ترى نظرتك عن باباك هتتغيّر لو طلعت مصدَّق عنه حاجة مش حقيقية؟

   ارتسمت على وجه حسن ابتسامة وهو يكمل طريقه كأنه لم يسمع السؤال. حاول الفتى سحب السؤال كاعتذارٍ عنه، لكن حسن أجاب في بساطةٍ:

   – لأ؛ لأني عارف إنه مش مدير شركة فعلًا.. شفته مرة وهو بيقول إنه موظف، بس كدبته عندي دي بالدِنيا.

   وقف الفتى الآخر فجأة، وقطب حاجبيه وهو يقول:

   – يعني إيه؟

   ليقول حسن في ذاتِ البساطة:

   – يعني أكيد دي مش الحاجة الوحيدة اللي بيكدب عليا فيها. بس هيكون بيكدب ليه؟ عشان يضمن حبي ليه، أنا بحبه لأنه بابا.. بس بابا، من غير أي حاجة تانية.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع