يوسف إدريس والقصة القصيرة

يوسف إدريس

شوقي عبد الحميد يحيى

ليس صحيحًا أن يوسف إدريس كان أول من كتب القصة القصيرة، حين وضع نفسه في مصاف الكُتّاب في العالم أجمع لها. لسبب بسيط، أن أي نوع أدبي لا يتطور فجأة وبقرار من فرد، وإنما هو حصيلة من سبقوه من كتّابها، وبالتراكم، ولظروف النشأة والمعاصرة التي تفرض وجودها على مفهوم النوع الأدبي. فيوسف إدريس ليس إلا حلقة في سلسلة بدأت أوائل القرن التاسع عشر، حيث بدأت إرهاصات الكتابة القصصية، ومنذ العام السابع عشر من القرن العشرين، حين بدأ محمد تيمور كتابة قصة «في القطار». وحكمت التجارب والتحولات التي لازمت كل عصر، من حينها إلى الآن، تطور القصة القصيرة، إلى أن تقدم يحيى حقي بالحديث عن القصة، وكتب قصته الشهيرة «البوسطجي»، والتي وضعها الكثير من النقاد في مصاف الرواية، لكننا نراها قصة قصيرة، بامتياز. فليس صحيحًا أن نلغي كل هذه التجارب، ليبدأها يوسف إدريس بطاووسيته. فلم يكن إلا سلسلة طويلة مرت بها القصة القصيرة، حتى وإن ادعى هو ذلك، حيث جاء يوسف إدريس في ظرف سياسي كان يعاني فيه من الوضع الاجتماعي الذي شمل العديد من كتّاب القصة القصيرة – تحديدًا. فكان له عنصر التمرد الذي تطاول به، وجعل من شخصيته محل جدل ونقاش بين مؤيد ومعارض، فخضع لكلا المؤثرين اللذين يدفعان الكاتب لأن يتمرد على كل قائم، وكأنه يرفض ما يراه سائدًا.

حيث أخرج أول مجموعاته القصصية «أرخص ليالي» في العام 1954، أي بينما كانت ما عُرفت بثورة يوليو لا تزال تتلمس خطواتها الأولى. الأمر الذي يؤكد أن قصص هذه المجموعة كُتبت بينما كان رجال يوليو يخططون للانقضاض على الملك، حيث إن أول قصة له نُشرت في مجلة «القصة المصرية» في مارس من العام 1950، أي أنها كانت قبل العام 1952. ولذا يمكن القول بأن العامل الشخصي والاجتماعي كان هو الأسبق في تبني الثورة على كل قديم.

إنه عندما قدم أولى مجموعاته «أرخص ليالي»، فضلًا عن أن يوسف إدريس نشأ قلقًا بطبعه، يسعى إلى إثبات ذاته، ولذا قال عنه وائل عبد الفتاح في جريدة «الحديث»، بعنوان «يوسف إدريس الذي لا تكتمل صورته دون خطاياه»: «يمكن أن نضيف إلى علاقة يوسف إدريس بعبد الناصر تأثير التكوين الشخصي ليوسف إدريس، الذي يميل إلى نجومية متوحشة (لم يكن يطيق ابتعاد الأضواء عنه.. ولا الانزواء في الظل.. وربما هذه شخصية زعيم غير متحققة أو نرجسية لم تكن تخفى على أحد) »

فضلًا عن أن النشأة التي – على ما أعلم – لم يتحدث عنها مطلقًا، ولا ذكرت المراجع التي تحدثت عنه أي ذكر لذلك، إلا أن الوحيد الذي تحدث عن ذلك كان أحمد عباس صالح، الذي قال عنه: «وعند وفاته كتب عنه أحمد عباس صالح، وكان شديد القرب منه: ولد يوسف إدريس لأسرة بسيطة، ونشأ خلال فترة كانت فيها مثل هذه الأسر غير قادرة على الالتفات إلى أبنائها. كان الآباء والأمهات مطحونين بمشاكل الحياة اليومية، وكانت المهمة اليومية لأية أسرة من هذه الأسر لا تتجاوز الجهاد في سبيل الرزق والإفلات من الفقر والاستلاب والهامشية. ولذلك لم تكن هناك فرصة حقيقية للتواصل مع الأبناء»

وكأن النشأة المتواضعة أيقظت فيه الرغبة الشديدة في إثبات الذات، على الرغم من أنه لم يذكر تلك الندوة التي كانت تقام بمقهى عبد الله بالجيزة، وحضرها كل نجوم الأدب في ذاك الوقت، و«حاولت اكتشاف بذور الواقعية الحقيقية في القصة القصيرة عند يحيى حقي، ناهيك عن أنها حملت بضراوة على القصص الرومانسية التي كانت شائعة، وقد استفاد يوسف إدريس كثيرًا من هذه الندوة، لدرجة أن الباحثين يعتبرونها في عداد المكونات الثقافية التي صنعت يوسف إدريس»

وقد انعكس ذلك على علاقته بالرؤساء، بدءًا من عبد الناصر، إلى السادات فمبارك. فمن المعروف أن إدريس كان يساريًا، وقد نشأ في ذلك حكام تلك الفترة، وكانت ميولهم تتجه بشدة ناحية اليسار، باستثناء السادات. لذلك يقول عنه وائل عبد الفتاح: «منذ قيام الثورة وربما حتى الآن.. هم الذين يمنحون بركاتهم وتأشيرات الصعود للأدباء المتوافقين مع اتجاهاتهم الفكرية. حصل على البركة والتأشيرات عشرات من أنصاف المواهب، لكن أفلت البعض.. وبينهم يوسف إدريس»

وبهذا اجتمع العنصران المؤثران في عملية الابتكار، أو الثورة، التي أحدثها يوسف إدريس في القصة القصيرة، والتي تتضح بقراءة أولى مجموعاته «أرخص ليالي»، واللذين يتمثلان في الزمن الخارجي والشكل الدائري.

فإذا نظرنا إلى أول قصة في المجموعة، والتي منحت للمجموعة اسمها «أرخص ليالي»، والتي تدور حول عبد الكريم العائد من صلاة العشاء، في ظلمة القرية، فتعثرت قدمه، فراح يصب الشتائم واللعنات على كل من بالقرية. ونلاحظ أن يوسف إدريس ركز في هذه القصة – والقصص الأخرى – على طبيعة الشخصية في الطبقات الشعبية، ووصف الحالة التي تحيط بهذه الشخصية، وكانت عاملًا أساسيًا في تصرف الشخصية.

فإذا كنا نرى عبد الكريم، الفلاح الذي يعيش في القرية – مجهولة الاسم – فنرى أن من صفات هذه البيئة أن عبد الكريم صنع «البيشت» من صوف الغنم بنفسه، وظلمة القرية هي التي أوصلته لهذه الحالة من الغضب.

كما نلاحظ استخدام الكاتب للغة التي تُستعمل في تلك البيئة، مثل البيشت ولململ: «والذي بَلْبَل كيانه، أنه ما إن دخل إلى الزقاق، حتى ضاعت منه ساقاه الغليظتان المنفوختان، ولم يعد يعرف موضع قدميه الكبيرتين المفلطحتين اللتين تشقق أسفلهما، حتى يكاد الشق يبلع المسمار، فلا يبين له رأس»

وتمتلئ الحارة بالأطفال الذين تجمعوا عليه: «ويصيبه شقيٌّ بصفيحة في إصبع قدمه الكبير النافرة عن بقية أصابعه». ويتساءل، وبِشْتُه يهتز، عن معمل التفريخ الذي يأتي منه من هم أكثر من شعر رأسه. حيث يلقي الرجل بكل غضبه وشتائمه على من يأتي بهذا العدد من الأطفال.

ويستمر إدريس في تهيئة المناخ الذي يؤدي إلى الإتيان بهؤلاء الأطفال: «ورجال البلدة الخناشير قد انكفئوا يغطّون من زمان، وتركوا الليل لصغارهم الملاعين». وحيث السكون يخيم على القرية، ولا وسيلة للسهر، وقد جافاه النوم بعد أن شرب كوب الشاي الثقيل قبل المغرب. حيث تنعقد وتتجه القصة إلى الحالة الخاصة/العامة، حيث إنه رغم عدم وجود ما يسهر عنده، فيجب أنظف من الصيني بعد غسيله: «وليس معه قرش صاغ واحد، حتى يذهب إلى أبي الإسعاد، ويطلب القهوة على البيشة، ويتبعها بكرسي الدخان».

فما كان أمامه سوى أن يذهب إلى بيته، وامرأته التي أتت له بستة أولاد: «ولكنه أعرف الناس بامرأته، وأعرف من شمهورش برقدتها كزكيبة الذرة المفروطة، وقد تبعثر حولها الصغار الستة كالكلاب الهافتة، ولن تصحو حتى لو نفخ إسرافيل في نفيره، وإذا تفتحت ليلة القدر وقامت، فماذا تفعل؟»

ويبحث عن امرأته بين الأولاد، حتى يجدها: «فقال وهو ينضو ثيابه، ويستعد لما سيكون: هه، لله يخرب بيت اللي كان السبب». وليأتي السابع من الأولاد. وليعود عبد الكريم بعد سبع سنوات، وقد أصبح لديه سبعة أولاد، يلعن من يأتي بهذه الأطفال.

وهنا نتأمل تناول إدريس للجنس، الذي لم يأت هنا لإثارة، ولكنه هو البداية، البداية لحياة جديدة وفم مفتوح جديد. فضلًا عن تقديم أجواء القرية، في مثل هذا الليل، الأمر الذي يجعل القارئ يعيش تلك الأجواء، إلا أن التركيز هنا لم يضع المسؤولية على الفرد، ولكنه يضعها على الدولة التي تركت تلك القرى، ليس لدى البشر فيها غير «الخلفة»

ويضع إدريس الزمن الخارجي للقصة في تلك النهاية: «وبعد شهور وسنوات كان عبد الكريم لا يزال يتعثّر في جيش النمل من الصغار الذين يزحمون طريقه في ذهابه وأوبته». حيث تلقي تلك اللفتة إلى ما تريد القصة قوله، وهو أن الدولة هي المسؤولة عن ذلك، ويصبح ما دار في القصة من أحداث هو الزمن الداخلي للحدث الأكبر، استغله إدريس في وصف القرية وأحوالها والظروف التي أدت لفعل ما فعل. فجاءت القصة متماسكة – فنيًا – وواقعيًا، وأدت الوسيلة إلى الغاية.

ولنلحظ أن زمن القصة لم يتجاوز زمن الفعلة نفسها، لكنها تفرض سطوتها على القصة كلها. وهو ما نستطيع أن نقول بأنه إدريس كان هو صاحب هذه الصيغة.

ومن هنا نستطيع أن نستشف ميول يوسف إدريس السياسية، والتي فرضتها النشأة عليه، ويتضح ذلك من قراءة القصة التالية في المجموعة، «نظرة»، والتي تتعرض لفتاة صغيرة ذاهبة إلى الفرن لخبز ما يطلبه السادة:

“وكان ما تحمله معقَّدًا حقًّا؛ ففوق رأسها تستقر صينية، وفوق هذه الصينية الصغيرة يستوي حوض واسع من الصاج مفروش بصينية بطاطس بالفرن، وفوق هذه الصينية مفروش بالفطائر المخبوزة، وكان الحوض قد انزلق، رغم قبضتها الدقيقة التي استماتت عليه، حتى أصبح ما تحمله كله مهدَّدًا بالسقوط”

فهنا نتلمس الوضع الاجتماعي للفتاة الصغيرة، التي وقفت تتفرج على الأطفال – في مثل سنها – وهم يمرحون ويلعبون الكرة، لنصبح أمام المقارنة بين وضع الفتاة وهؤلاء الأطفال الذين يمرحون ويعيشون حياتهم، ويؤكده ما تلفظت به الفتاة: «ثم مضت وهي تُغمغم بكلامٍ كثير لم تلتقط أذني سوى “ستي”»، حيث تضع تلك الكلمة ذلك الفارق.

وتسير الفتاة في طريقها، بعد أن وقفت قليلًا تتفرج على ما لا يفعله الأطفال. ولتنتهي القصة: «ولم تلحظْني، ولم تتوقَّفْ كثيرًا، فمن جديدٍ راحت مخالبُها الدقيقة تمضي بها، وقبل أن تنحرف، استدارت على مهل، واستدار الحِملُ معها، وألقت على الكرة والأطفال نظرة طويلة. ثم ابتلعتْها الحارة«

وحيث يتضح هنا أيضًا المفارقة بين طبقتين من المجتمع، وتتركز القصة كلها في اللحظة التي وقفت فيها الفتاة الصغيرة تشاهد ما يفعله الأطفال.

ثم يعود إدريس ليتذكر ما كان في الطفولة مع قصة «الشهادة»، مع مدرس الفصل، الذي فشل في إقناع التلاميذ به، إلا فرحته الصامتة بكون واحد من تلاميذه أصبح دكتورًا. واستغرقت القصة هنا مسافة رحلة القطار إلى المعادي، في طريقه إلى حلوان. ونلاحظ أن شخوص القصص كلها يعانون القلق النفسي.

وإذا ما انتقلنا إلى قصة «شغلانة»، سنجد الخصائص هي.. هي. رغم أن المساحة الكتابية قد طالت، ولكن المبرر لذلك أن الزمن الخارجي، الذي يكمن في النهاية، يتطلب أن يستعرض الكاتب حياة «عبد» من أولها وكيف تنقل بين الأماكن المتنوعة، فقد كان في الأصل «طباخًا، تعلَّم على يد الحاج فايد الشامي، وأتقن الصنعة، حتى إن طبقًا كان حين يخرج من يده محبوكًا محوجًا يحظى بإعجاب المعلم نفسه». «الدمعة«.

ثم «اشتغل عبده صبيًّا في الورشة التي بجوار المطعم، ثم طرده صاحبُ الورشة، فعَمل بوابًا فترة من الزمن». كما كان له صوت، وإن لم يكن جميلًا، إلا أنه نفعه في: «وحين كان يبيع الخيار والشمام والعنب كان يَلفِت الشارعَ كلَّه إلى بضاعته بنداء واحد».

كما عمل سمسارًا: «وكان يجوب الأزقَّة ليلَ نهار بحثًا عن حجرةٍ خالية، وكان يجدها، ويجد معها العشرة قروش«”

المهم أنه عمل أعمالًا كثيرة، حتى أقعدته الحاجة، وجاءه «طلبة» التمرجي، ولم يدخل إدريس في التفاصيل، وتركها للقارئ كي يستنتجها من الموقف والنتيجة. المهم أنه عرض عليه بيع دمه، وفي البداية تحسنت حالته، وبدأ في الإحساس بالحياة، وكانت من نتيجة ذلك ثناء زوجته عليه، حتى إنها عندما أخبرته بمعايرتها بزوجها الذي يبيع دمه، فكان تعليقه: «المهم أن وابورهم والع، وإيجارهم مدفوع”

 

وداوم عبده على تلك الوسيلة للعيش حتى بدأت زوجته تحدثه عن «رِجلَيه الرفيعتين، عنه، «الحتة» ووجهه الذي يصفرُّ، وتقصُّ عليه في كلمات مبتورة عابرة، ما تقوله النساء وكيف عايرتْها حميدة حين تشاجرت معها بزوجها الذي يبيع دمَه».

وداوم على تلك «الشغلانة» كل أسبوع، حتى فوجئ بهم يومًا يرفضون تقديمه لدمه:

“وقالوا له: لا.

– ليه؟                               – أنيميا.

– أنمية إيه؟                        – فقر دم.

– وماله؟                           – ما ينفعشي.

– وبعدين؟                         – لما تقوى.

– أنا قوي أهه، أهد الحيطة.       – هبوط في القلب.

– مالكوش دعوة.                  – تموت.

– أنا راضي.                   – صحتك، الإنسانية.

– ودي إنسانية يا جدعان؟!«

وهنا نلحظ أن الاهتمام بالإنسان في أضعف حالاته هو الهم الكبير الذي يكرسه الكاتب في قصصه، وقد احتفظ بالزمن الخارجي إلى نهاية القصة، بينما سار السرد طوال القصة، مهتمًا بالتشويق، الذي لا يشعر القارئ بالراحة إلا إذا وصل إلى نهاية القصة، فضلًا عن أن القصة قد امتدت لتشمل ما يقرب من الست صفحات، وهي السمة التي ميزت الكثير من القصص.

وقد ركز العنوان – للقصة – على الرؤية التي أرادها الكاتب، حيث إن العمل أو «الشغل» هو الذي دفع «عبده» إلى أن يبيع دمه. وكأن المجتمع أو (الحكومة) هي التي أدت به إلى ذلك، وهو ما نراه أيضًا في قصة «مظلوم»، التي تكاد تقول إن «حاميها حراميها»، حيث يبدو أن رجال البوليس، والدكاترة والممرضين – بعد استخراج قطعة الحشيش من جوف الممسوك – وكأنهم خبراء بأنواع وأصناف الحشيش.

دخل التمرجي على الطبيب وهو يصيح، قائلًا بفرح وتهليل، وكأنه اكتشف أمريكا: «الحتة أهه يا بيه، الراجل نزلها، دي تطلع قرشين». فرد الأومباشي: «قرشين إيه؟ أقطع دراعي إن ما زادت عن ربع وقية خروبتين». وهزَّ العسكري رأسَه هزَّة خبير، وقال: «لأ، وحتة حلوة، باين عليها غبارة يا بوي». وعلى عجل غادر الطبيب والضابط المكتب، والتفُّوا كلهم حول الرجل القصير الراقد فوق المنضدة العالية، يستخرج كلَّ ما في جوفه من خيرٍ ومن شر. وشخط الطبيب في عبد السلام يأمره بوضع القطعة مع بقية الغسيل في حِرز ويختمه بالشمع، وتلألأت عينُ الضابط الوردية بالفرح».

فإذا كان الطبيب، في الأصل، (حشاشًا)، فيبدو في النهاية أن الرجل «الممسوك» بالفعل «مظلوم» إذا ما قيس بهؤلاء. وكأن البلد جميعها أصبحوا خبراء بالحشيش وأفعاله. وإذا ما تأملنا ما يفعله الحشيش في عقول البشر، حيث يذهب بها، ويجعلهم في حالة من السُطل، فكأن الشعب أصبح جميعه في حالة من السُطل، وكأنهم لا يشعرون بما يُدار حولهم (من الحكومة).

وينهي إدريس المجموعة بنظرة عامة على أحوال القرية المصرية في تلك الفترة – وإن لم تتغير الأمور كثيرًا – حيث يصبح الضحك الشحيح الذي يأتي الفلاحين، والذين يستدعونه رغمًا عن أنفهم:

“وما كان الليل جميلًا لما فيه من سكون أو نجوم، وإنما كان جميلًا؛ لأن ليس فيه عمل، ولأن فيه راحةً وجلوسًا، ولأنهم يستطيعون فيه الحديث، ويحسُّون إذا جلسوا واستراحوا، وتحدَّثوا أنهم بشرٌ مثل سائر البشر”

“وأيضًا ما كان يأتيهم الضحكُ إلا بشق الأنفس”

“ثم يرون أن ما أمامهم فرصة ينعمون فيها بضحك لا ثمن له، وهم ما اعتادوا أمثال تلك الفرص، فيضحكون لحاضرهم ويختزنون ضحكاتٍ أخرى للمستقبل”

حيث يتجمعون في الليل ليتبادلوا السمر والضحك الشحيح. وبينما هم يتضاحكون، يأتي «عوف» وكأنه المتعلم بينهم، ليخبرهم لماذا قامت الحرب – الحرب العالمية الثانية (1939-1945) – التي دخلتها مصر دون أن يعلم هؤلاء الفلاحون بين من قامت، ولا لماذا قامت، لكنهم دفعوا الثمن، فيجيب عوف:

“قام جدكو عامر اتنهد، وقالوا إيه: أما عقلك فارغ صحيح، دا يا واد الحكاية بسيطة قوي، الألمان قالوا للإنجليز طياييركو ما تمشيش مع طياييرنا في سكة واحدة، الإنجليز قالوا رأسنا وألف سيف، وهب راحت قايمة قام جدكو عامر اتنهد، وقالوا إيه: أما عقلك فارغ صحيح، دا يا واد الحكاية بسيطة قوي، الألمان قالوا للإنجليز طياييركو ما تمشيش مع طياييرنا في سكة واحدة، الإنجليز قالوا رأسنا وألف سيف، وهب راحت قايمة”

ولم يتطرق الكاتب إلى سبب تأخره عن الاجتماع، لتأتي زوجة عوف في النهاية، ليكشف الكاتب عن جانب آخر من طبيعة القرية، وتصر على الجلوس – فوق قمة كومة من السباخ – إلا إذا منحها حق كيلة الذرة:

“وبينما هذا يحدث كان بعضهم يُفكِّر فيه من ناحية أخرى، وتمنَّى أكثرُ من جالس أن يمدَّ يدَه إلى محفظته الكالحة ويستخرجها، ثم يُسقط في يد عوف ثمن الكيلة. ولكن كانت أمانيهم بصيرة، وأيديهم قصيرة.. جد قصيرة”

لكنه يشخط فيها لتنسحب، رغم أن صاحبة الذرة تجلس في دارها منذ المغرب، وبعدها يأتي شيخ الخفر، ويأمر الجميع بالذهاب إلى دورهم، فيستجيب الجميع، ويصبح الصباح التالي، وما زال في باطنهم بعض الضحك الذي ضحكوه بالأمس:

“وانتهت القصة ولم تنته القهقهات التي انبعثت وراءها، والتي كانت تتصاعد حيَّةً مليئة بالحياة والرغبة فيها، تتصاعد من أعماق القرية الراقدة كبقعة سوداء كبيرة من الصمت القتيل”

ولا يترك الكاتب تلك الفرصة ليلقي بالرؤية الفلسفية التي تحكم أهل – مصر جميعًا – وكأنه يكشف عن الإنسان المصري عمومًا، مستخدمًا فضاء القرية ولغتها:

“الدنيا تنشال وتنهبد وبلدنا ولا هي هنا، يا رب لا اعتراض ولا مانع، إنما أدنته شايف”.

ولنلاحظ استدامة كلمة «أدنته» المأخوذة من قلب القرية:

“الناس تولد وتكبر، ثم تموت، والبقرة تدور في الساقية مغمَّاة لا تدري أين تسير، وعيون الساقية تغترف الماءَ من باطن الأرض، وتمتلئ به، ثم تصبُّه العيون ليعود إلى الأرض وباطنها، لا جديد في حياتهم ولا طريف”

وكأنهم قد سلموا أمرهم لمن يدبر الأمر للناس جميعًا، ولذا امتدت القصة لتقع في نحو أحد عشر صفحة، لتلملم كل جوانب الإنسان المصري الفلاح. إنها صرخة في وجه الحكومة، الغافلة عن أولئك المنسيين، هناك في الريف.

فكان الإنسان المصري هو الاهتمام الأكبر في هذه المجموعة، عبر عرض الأجواء التي أدت به إلى أن يكون منسيًّا من اهتمام الحكومة. إلا أنها ظلت «قصة قصيرة»، رغم النقلات الكبيرة في الزمن الداخلي لها، والذي طاف بالميتين والأحياء، وبين أزقة الريف، فقد حافظت على الوحدة الموضوعية، وعلى التركيز، وعلى الزمن الخارجي، والذي لم يأتِ أيضًا إلا في نهاية القصة، ليجبر القارئ على أن يستمر في القراءة (التشويق).

فإذا انتقلنا إلى مجموعة «لغة الآي آي» الشهيرة، والتي كان لها وقع كبير لدى القارئ، وتحديدًا في قصة «معاهدة سيناء»، والتي كُتبت في ديسمبر 1962، أي قبل معاهدة السلام الساداتية، ولكنه جعل للماكينة دورًا لا يقل عن دور الإنسان.

فيبدأ القصة بـ: «الأبطال هنا ثلاثة.. لا بل أربعة، إذا حسبنا “المكنة” التي كان لها دور لا يقل خطرًا عن دور الإنسان. أما رابعة الأربعة، المكنة، فهي آلةٌ ضخمة جدًا في حجم البيت الصغير أو أكبر قليلًا، وثمنها كذا عشرة آلاف جنيه، وأصلها روسي»

وجاءت كجزء من القرض، وجاء معها الخبير الروسي لإدارتها. ولكن الماكينة تعطلت عن العمل، وبالاتصال بالروس قيل إنها لا يمكن أن تصل قبل ستة شهور أو سنة. وتعطل بجانبها خمسمائة عامل وخمسون موظفًا.

“وجاءت في وقت كان المعسكر كله قد جاءه أمر بالاستعداد للرحيل وإنهاء العملية، وقد رأى المركز أن يستغني عن الحفر في تلك المنطقة كلها”

فتم الاتصال بأمريكا، فكان الرد: «على استعداد لتوريد قطعة الغيار اللازمة، وفي الحال».

وحضرت الماكينة، وحضر معها مندوب أمريكي لتركيبها، لكن خلافًا حادًا نشأ بين الخبيرين السوفيتي والأمريكي، حيث ادعى السوفيتي أن الجهاز سوفيتي، ولا يصلح لتركيب الماكينة إلا سوفيتي، فرد عليه الأمريكي بأن الجهاز أصبح، بدون هذه الماكينة، قطعة مهملة، والماكينة أمريكية، ولا يصلح لتركيبها غير أمريكي.

ويقول الروسي: «لا يمكن أن أسمح لمندوب شركة أمريكية احتكارية رأسمالية متعفنة أن يعيث فسادًا في مكنة أنتجتها أيدي الطبقة العاملة السوفييتية»

المهم أن العامل «محيي الدين»، أو كما يسميه العمال «النمس»، وهو، رغم نهمه الشديد وحبه لالتهام الطعام، ورغم تزويغه من الشغل كلما عنت له فرصة، إلا أنه دائمًا جلّاب المشاكل، عمل مع ماشا فالتقط منه الصنعة، وعمل مع الألمان فتعلّم الميكانيكا. ورغم هذا، في دوبك كان يفك الخط.

ففوجئ الخبيران السوفيتي والأمريكي، في صباح اليوم التالي، بأن الماكينة تعمل، وقد تم تركيب الماكينة بمعرفة «محيي الدين»

وقد استفاض الكاتب في هذه القصة، حيث استعرض الخلاف بين السوفيتي والأمريكي، حتى إنه يمكن حذف بعض التفاصيل دون أن تتأثر القصة بشيء. إلا أنه – أيضًا – ألجأ الزمن الخارجي للقصة إلى ما قبل النهاية بقليل، واعتبرت كل التفاصيل ضمن الزمن الداخلي للقصة.

فضلًا عن أنه أنصف العامل المصري، رغم أنه يفك الخط، ويضع همه في الأكل. وإذا كانت القصة قد كُتبت في العام 1962، أي بينما عبد الناصر في أوجه، وكانت دعوته الظاهرة هي العامل، فقد جاءت القصة وفق ما ترجوه السلطة. وهنا يجب التأمل بين ميول إدريس، وبين اتجاهات السلطة في ذلك الحين.

ثم ننظر إلى القصة التي منحت المجموعة اسمها «لغة الآي آي»، التي استغرقت نحو ستة عشر صفحة، وقد غلب عليها الطول في المساحة الكتابية. سنجد أن يوسف إدريس قد استفاد كثيرًا من متابعة المرضى في الفترة التي عمل بها طبيبًا، وهي الحالة التي يكون فيها الإنسان في أضعف حالاته، الأمر الذي يدعو للتفكير والتدبر في ماهية وجوده، مثلما أراده من قصة «العملية الكبرى» في مجموعة «النداهة»، حيث اجتمع الموت مع بداية الحياة، وكأن الدنيا ليس فيها حقيقي إلا هذه، البداية والنهاية.

جاءت قصة «لغة الآي آي»، والتي وضعت السارد أمام نفسه ووجوده، أي ما يمكن أن نقول عنه «المرحلة الفلسفية»، أو «المرحلة التدبرية». لذا كان موفقًا في منح المجموعة عنوان هذه القصة تحديدًا، حيث إنها تخضع لفعل التفكر في الحياة، وهو ما يمكن أن نستخلصه من باقي قصص المجموعة.

فنحن أمام سارد وصل إلى أعلى المناصب، لكنه لم يتخلص من حياته السابقة، حيث أصبح محط رجاء كل أهل القرية التي أتى منها – وهنا يجدر أن نتأمل أنه وصل لأعلى المناصب، ولكنه يقدم الخدمة لأهل بلده، وكأن هناك شيئًا وراء الكتابة – ومن بينهم كان «فهمي»، الذي يحتفظ له بملامح معينة، منذ أن كانا تلميذين في المدرسة الابتدائية، ولكنه جاء اليوم منكبًّا على نفسه، غير قادر على الكلام. لكنه يعاني من سرطان في المثانة، فحكمت زوجة السارد إلا أن ينام في المطبخ.

إلا أن صوتًا غير معروف المصدر أتى في النصف الثاني من الليل. وقد عبّر عنه إدريس، بما يشير لعنف الألم الذي يعانيه «فهمي» من المرض. فيبدأ القصة وكأن شيئًا غير عادي، أو كونيًا، يحدث، ولا يُعرف له مصدر:

“لم تكن بالضبط صرخةً، ولكنَّها كانت الأولى بعد مُنتصَف الليل بقليل، تصاعدت، غير آدمية بالمرة، حتى الحيوان مُمكِن إدراك كُنهِ صوته، ولكنَّها بدت لأول وهلة جمادية ذات صليل، كعظامٍ تتكسَّر وتتهشَّم، تُمسكها يد عملاقٍ خرافيِّ القوة، وبِنية صارمة لا رحمة فيها تُدشدشها”

وكأننا أمام «سيمفونية القدر» لبيتهوفن. فالقدر يدق الأبواب، ويعلن النذير.

وتصحو الزوجة على الصوت، فيسرع السارد للصيدلية ليبحث عن مسكن، فيخبره الطبيب هناك بأن المسكن لم يعد يفيد في مثل هذه الحالة، فيأخذ المسكن ليعطيه للزوجة حتى تنام.

وهنا تستيقظ أعماق السارد، كإنسان، فيتأرجح بين الرفض والقبول، فيرى أولًا أن:

“فهمي قد عانى من الفقر، والبؤس، ولكنه كان يعمل مع الرجال يضحكون سويًا، ويتشاورون في مشاكل العمل، ويستمتعون بمشوارهم إلى السوق، يفرحون لعود الفجل إذا أضيف إلى الأكلة، ولا أحد منهم يأكل بمفرده؛ إذ الطعام ليس أن تجوع وتملأ بطنك. الأكل عندهم أن يحلَّ موعد الطعام ويلتفُّون حوله في ترحيب. ويتعازمون ويُهزِّرون ويحسُّون أنَّهم يقومون باحتفال إنساني صغير، إنَّهم يفعلون هذا دون إدراك لكنهه”

وعلى الوجه الآخر يرى السارد:

“حياته الزوجية. ولكنك حي. أنا ميت، إنَّه ليس تلاعبًا بالألفاظ، إنَّها حقيقة، المقياس الوحيد للحياة أن تشعر بها، وأنا لم أشعر ولا أشعر بها، إنَّني أقضي حياتي كعملية حسابية دقيقة هدفها الوصول.. وحين أصل لا أسعد لأنَّ أمامي يكون ثمة وصول آخر”

“أنا قضيت حياتي أجري وألهث، لكي أصل إلى القمة كما تُسمَّى.. كان عليَّ أن أظلَّ أصعد، ولهذا كنت أصادق أو تضمني المجموعة، لا لكي أستمتع بصداقتي ورفاقيتي لها”

“وصحيح أنَّه ليس وحده، فهناك زوجته وابنه وأقرباؤه، وإخوته، وبعض الأصدقاء، ولكنها ديكورات علاقات ليس إلَّا.. إنَّ حب الناس للناس، وارتباط الناس بالناس، لا ينشأ للزينة، وإنَّما ينشأ لحاجة الناس للناس، الحاجة الماسة الملحَّة كحاجتك إلى الماء والهواء”

فيعود لأيام الصبا والبدايات، التي يعيش فيها الإنسان مرتبطًا بالآخرين، فما تلك الحياة التي يحياها؟ فينتقل إلى المطبخ، حيث «فهمي»، فيجد أن:

“السرطان الذي يقتل الضحكة على فمه، لأنَّه يحس أنَّه ليس بحاجة إلى الضحك، ويجمد العواطف في صدره لأنه يحس ليس بحاجة إلى أن يعطي الحب أو يستقبله، من هنا تبدأ المأساة التي أحالته إلى ميت حي”

ويتمنى أن يعود:

“حتى زوجتي وابني أحس أنَّهما لا يُطيقان رائحتي.. أنا أريد العودة يا فهمي، أريد البداية من جديد، أطلب فرصة أخرى، فمَن يقبلني يا فهمي؟ مَن يقبل جثة، مَن يرضى بي، إنِّي لا أجد في هذه اللحظة سواك يا فهمي، هل تقبلني.. هل تقبلني يا فهمي!”.

ويُبلغ الجيران البوليس، ليأتي البوليس، ويتطوع اثنان منهما أن يحملا «فهمي»، إلا أن السارد يمنعهما، ويحمل هو «فهمي» إلى المستشفى. ويصبح الصبا والطفولة هي الحياة، بينما هو، في نظر نفسه، «ميت»

وأمام هذا التبدل في الآراء، نستدعي قول د. شكري عياد، الذي يصف هذه الحالة، وفي الوقت نفسه وكأنها دفاع عن يوسف إدريس، واتهامه بأنه ماركسي:

“في ملاحظة ذكية له عن يوسف إدريس عندما قال: “موقف يوسف إدريس لم يكن في يوم من الأيام موقفًا أيديولوجيًا محددًا. لقد كان يوسف إدريس ولا يزال – فنانًا – والفرق بين الفنان والأيديولوجي أن الفنان يرى الواقع من زوايا متعددة، وأحيانًا متعارضة. بل إن التعارض في الرؤية كلما كان حادًّا كان الفن أعظم، أما الأيديولوجي فلا يرى الواقع إلا من زاوية واحدة”»

فإذا نظرنا إلى هذه التجربة، سنجد أن الكاتب قد أطال في عمليات الوصف، وكأنه يُحدث التأثير الصوتي للحدث، الأمر الذي من الممكن أن يُختصر كثيرًا في عمليات الوصف، ولكنه يلعب على المشاعر، التي يُحرّكها الصوت والصورة، وكأنه يجسد المشهد. وإن كان قد جعل الزمن الخارجي، وما كان يسمى بـ«نقطة التنوير»، التي لم يذكرها صراحة، وإنما أوحى بها: «كان مغمض العينين، لا يزال بينه وبين النوم مشكلة لا بد لها من حلٍّ». فالأساس هنا تقديم تلك الرؤية التي تعبر عن إنسانية الإنسان، وارتباطه بالطفولة. فكان التركيز عليها. فنحن أمام موقف إنساني أولًا وأخيرًا.

في العام 1965، كان عبد الناصر في أوج مجده، وأصبحت الحكومة تفعل ما تشاء، وكان الإنسان المصري المسالم هو الضحية، حيث يشعر أن أرض مصر كلها ملكه، لكن الحكومة ترى غير ذلك:

“لنتصوَّر حادثًا كهذا وقع لطريقنا الذي اخترناه ممتدًّا بلا معنى في أرض متَّسعة بلا مفهوم، ولنكن أيضًا على ثقة أنَّنا لن نكون أول المتصوِّرين، فقبلنا بكثير سنجد أنَّ الحكومة، باعتبارها المسئولة عن الأرض والطريق وكل الأشياء ذات المعاني والمعدومة المعنى، قد تصوَّرته، وأدركت أهمية هذه الحقيقة الفلسفية أو الصوفية المحضة، مع أنَّه ليس من عادة حكومة في العالم أن تعير أمثال هذه الحقائق التي ينقسم عندها البشر”

ثم يتطرق الكاتب إلى معنى الانتماء، الذي يربط البشر بأوطانهم، فالحكومة:

“لم نعرفهم بعد، وحتمًا لهذا نتوجَّس منهم. إنَّ ما يدفعنا للالتصاق بمكان محدَّد، وناس محدَّدين، أنَّنا نخاف الأمكنة الأخرى والناس الآخرين، فنتوقَّع على ما نعرفه ومَن نعرفهم حتى لو قضَينا الأعمال نملُّه ونملهم”

ثم يعود لتطبيق ذلك على عم حسن العجوز، والذي يعلم بالفطرة بأن أرض مصر كلها ملك له:

“لا بدَّ أنَّه لا يخاف الآخرين، وما دام قد اعتبر مصر كلها بيته ومكان عملِه، فلا بدَّ أنَّه اعتبر المصرييِّن كلهم؛ صعايدة وبحاروة وشراقوة وغرابوة، أهله وأبناء حيِّه وحتَّته، وهكذا وبمُنتهى الجرأة والألفة والبساطة، ألقى نفسه في وسطهم في البحر الضخم الهائل الذي يكون ملايينهم”

والفكرة – في القصة – أن الدولة أنشأت طرقًا متشعبة، وأقامت عند الملتقى كشكًا لأحد الجنود، وبجوار الكشك كان هناك خُصٌّ يخص أحد كبار السن، يقوم فيه بعمل الشاي، وخاصة للجندي الساكن في الكُشك. ويطلب منه خدمة، أن يكلم أحد سائقي النقل. وكما هي عادة الكاتب، لم يفصح عما يريده، ولكنه يصنع التشويق الذي يربط القارئ بالقصة، ولنتبين أنه يريد الهجرة من هذا المكان، لأن أحدًا غير واضح المعاني أو الملامح يطلب منه مغادرة المكان، حيث إنه يخصه.

وينبري الجندي بأنه سيدافع عنه. ويعجز الرجل عن وصف هذا الإنسان، ويعجز الجندي عن حمايته، حيث، بعد أن انقطع – عم حسن – عن إحضار الشاي، يزوره الجندي، فيجده مضروبًا ضربًا مبرحًا. ويغادر الرجل المكان، ويعجز الجندي عن العثور عليه.

وهنا نستطيع القول بأن تغول الدولة على المواطن المسالم الضعيف، بينما لا يستطيع منع أذى (البلطجية) الذين يعملون ما يريدونه، ويد الدولة قاصرة عنهم. فكون يوسف إدريس يُضمّن هذا المعنى في قصته، في وقت جبروت الدولة الناصرية، ليُحسب له في استمرار الدفاع عن الإنسان الذي اختفى، ولم تعرف له الدولة طريقًا.

وقد ساعد الكاتب القارئ للوصول إلى الهدف ببعض الجمل التي تعينه للوصول إلى ما يريد، مثل:

“غير أنَّ ما أدهش العسكري ومنعه عن متابعة بقية الحديث وعن إلقاء أي سؤال، أنَّ عم حسن في كلامه عن الرجل وكأنَّما يتكلم من الذاكرة، وكأن ما في الذاكرة أقرب إليه مما، منذ دقائق، حدث!”.

فالكاتب هنا يوحي أكثر مما يباشر.

إلا أن القصة، التي استغرقت نحو تسعة عشر صفحة، جاءت من الرأس، أي أنها كُتبت بالفكر قبل العاطفة، لذا بدا فيها الكثير مما يعتبر حملًا على القصة، مثل:

“كالأسود جليلة مروعة يُداخلك مجرَّد تفكيرك أنَّ الأسد العظيم منها كان ذات يومٍ قريبًا، كان لا يُرى إلَّا بميكروسكوب. كائنًا كان هو الآخر، ومنذ أيام قريبة أسدًا عظيمًا، كذلك الأسد”..

ونتأمل:

“كيف استطاع آلاف الناس بمراكزهم وتصرُّفاتهم الإنسانية أن يخلقوا أو يُدربوا ذلك المركز في عقل عم حسن وشخصيته ليكبر وينمو ويزدحم، ويحيل هو هذه المرة مراكز الأنانية وما يخصُّ الذات الصغيرة إلى مخازن يودعها مشاريعه القادمة للناس”

وغيرها كثير. فتم تحميل القصة فوق ما تحتمل.

فضلًا عن أن الزمن الخارجي غير واضح، إلا عندما يهتدي القارئ – بعد توهان – إلى ما تبغيه القصة، وتحولت القصة بكاملها إلى الزمن الداخلي، الذي يحدث فيه الفعل.

وإذا انتقلنا من البداية إلى الوسط، فلنصل إلى النهاية.

حيث آخر مجموعة أصدرها يوسف إدريس «العتب على النظر» (1987). لنقرأ فيها قصة «العتب على النظر»، والتي طلبها منه د. عبد القادر القط، ومارس فيها إدريس الصراحة والمواجهة، التي أدت بالقط – رئيس تحرير «إبداع» – إلى أن يرفض نشرها، واستعصى عليه أن يقنع إدريس بتغييرها، فتوسط جابر عصفور، الذي عانى حتى أقنع إدريس بالتخلي عن الأوصاف المباشرة، فوافق أخيرًا متهمًا الجبن، ثم أعاد نشرها في الكتاب كاملة.

والتي مارس فيها ثورته، والبحث عن صيغة جديدة للقصة القصيرة، فجاءت القصة على شكل المسرح، حيث اعتمدت كلها على الحوار، ولتدخل كلها في الأسلوب الفانتازي، ولكنه أيضًا وضع الزمن الخارجي للقصة في النهاية، والتي تتلخص في:

«ما دام نضارات البني آدمين بتنفع الحمير، يا ترى نضارات الحمير تنفع للبني آدمين؟».

لتتبلور القصة كلها حول هذا المعنى، حيث يطلب أحدهم عمل نظارة للحمار خاصته، فقد ضعف نظره ولا يتعرف على الحمارة التي يعشقها. وبعد عمل النظارة أصبح الحمار يقرأ الجرائد، وينعق، ويرجعها، وكأنه يرفض ما فيها.

ويتمنى صاحبنا أن يعمل نظارة مثلها، لأنه – أيضًا – لا يستطيع قراءة الجرائد لما فيها من عك وكلام لا يفيد سوى الكذب والضلال. فإذا كانت القصة قد كُتبت في أعوام فترة حكم السادات، فهي اعتراض على ما قام به السادات من صلح مع إسرائيل (1979).

«تعرض يوسف إدريس لأزمات متفرقة أيام السادات، لكنها كانت خفيفة. الأزمة الكبرى تعرض لها بعد موته، حين قرر كتابة مجموعة مقالات في صحيفة القبس الكويتية عام 1983 تحت عنوان: “البحث عن السادات”. وكانت المقالات إعلانًا عن اكتشاف “مؤامرة” على المنطقة العربية بدأت بوصول السادات إلى منصة الحكم في مصر (وربط بينه وبين وصول كيسنجر لوزارة الخارجية في أمريكا وبيجن لرئاسة الوزراء في إسرائيل، وحيث إن السادات كان على عكس سابقه، الذي كان يميل إلى الاشتراكية والاتحاد السوفييتي، فكان السادات يميل إلى الغرب الرأسمالي».

كتب يوسف إدريس الرواية، وكتب المسرحية، وكتب المقال، وكتب القصة القصيرة، حتى شاعت المقولة الشهيرة بأن نجيب محفوظ روائي، حتى لو كتب القصة، ويوسف إدريس قصاص، حتى لو كتب الرواية. إلا أن التنوع في الكتابة ينبئ عن شخصية قلقة، تبحث عن نفسها، وتعاني قلقًا داخليًا، خرج إلى السطح عندما تناسى كل شيء، وقال بصوت عالٍ: «وأين أنا؟»، عندما حصل نجيب محفوظ على نوبل، وتناسته الجائزة.

وإن كان قبل أن يحصل محفوظ على الجائزة، كتب مجموعته «العتب على النظر»، وكأنها رسالته الأخيرة – في القصة القصيرة – إلى القارئ الذي اقتنع به، وأنهاها بقصته الأخيرة في المجموعة «أبو الرجال» (23 صفحة)، مختلفة، حيث يصف حال «سلطان»، وكأنه يتحدث عن نفسه، ويصف ما لم يصفه شخص آخر، وما يعيدنا إلى قصة «لغة الآي آي»، والتي نرى فيها المنهج المؤسس لهذه القصة، حيث نجد من وصل إلى أعلى المناصب، لكنه لم يتخلَّ عن أهل بلده، كما لو أنه يريد أن يعترف: «ها أنا قد فلحت، وأنتم تحتاجونني».

خاصة أن كل القصص السابقة فيها المعايشة، واستخدام اللغة التي تفيد ذلك، والأجواء التي تؤكد عليه، فإذا كانت القرية قد زرعت نفسها في أعماقه، فلا يُستبعد أن تكون (نفسه) أو شخصه أقرب إليه منها.. لذا فلا غضاضة إن اعتبرنا أن القصة أقرب إلى السيرة الذاتية الخفية لإدريس.

ففي قصة «أرجل الرجال» يقول السارد:

«طول عمره هكذا، زعيم وشهم وشجاع وجدع، وبجوار الإلزامية والابتدائية كان يعمل شهور الصيف كلها، ومعظم شهور الشتاء، كي لا يوفر نفقات تعليمه فقط، وإنما أيضًا ليساهم مع أبيه في ملء الأفواه الكثيرة المفتوحة جوعًا طول الوقت، والتي عمرها ما امتلأت شبعًا. وهو في تعليمه وفي علمه كانت تؤجج روحه فكرة وحيدة لم تتزعزع أبدًا، أن يرد الاعتبار لفقر أبيه وعائلته وتواضع نشأته وأصله».

ومن هنا نشأ الشعور بأن القصة ليست إلا سيرة ذاتية للكاتب ذاته.

وإذا أضفنا هذه الفقرة أيضًا، لنجد التشابه بين هذه الشخصية وشخصية «لغة الآي آي»:

«من الصبي النكرة المصفر الوجه بالأنيميا ونقص الغذاء، إلى الحاصل على درجتين؛ واحدة في الاقتصاد، والأخرى في التاريخ، مفخرة الجامعة، ثم بقية الجامعات، مفخرة جيله، وكل ما تلاه من أجيال، بل مفخرة من مفاخر مصر ووثبتها التي نقلتها من مجرد دولة محتلة في عالم قبيح قديم إلى دولة قائدة تحرر وزعيمة شعوب ومفجرة انتفاضات وثورات، حتى أصبح سلطان سلطانًا فعلًا».

إلى جانب ما توضحه الفقرة، فإنها تنبئ بميول إدريس السياسية، فهو يعلن كرهه للغرب، ويتغنى بما تتغنى به الحكومة في تلك الفترة.

فإذا ما قرأنا في القصة: «ماذا يحدث لي؟ بالضبط ماذا حدث لي؟ وكيف حدث؟ ومتى حدث؟ ولماذا يحدث ما يحدث؟ في الخمسين أنا، أنا رجل في الخمسين، بالضبط واحد وخمسون وثلاثة شهور. عندي أولاد؟ عنده أولاد أجل. وزوجة؟ يسائل نفسه»؛ ولنلحظ التغيير في الضمير المستخدم هنا، من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب، وكأن حوارًا يدور في الداخل؛ فالتحديد بالسنين والشهور والأيام يشير إلى تاريخ محدد بعينه. فإذا كانت هذه المجموعة قد نُشرت في العام 1987، بينما ولد هو في العام 1927، أي أنه كان هنا يتحدث عن نفسه، عن خمسين سنة، التي لم يتحدث عنها كثيرًا، وهو ما يمكن معه أن ننظر إلى الأب على أنه الأب ليوسف إدريس ذاته. فالكاتب هنا يحاول إضفاء التبرير للوالد وللوالدة، وهما من أثرا في تكوينه، أو تكوين السارد، وما أدى به إلى أن يكون (السلطان) سلطان زمانه وتحكمه في الغير بالطريقة التي تحدثت عنها القصة.

ولذا نرى القصة تتحدث عن الأب: «ولم يراوده مطلقًا خاطر أن أباه رجل فقير، ففي مثل عمره لا يوجد فقراء وأغنياء، إنما فقط يوجد رجال رجال، ورجال أنصاف رجال، أو لا رجال بالمرة، والفارق الوحيد بين الناس هو ذلك الفارق بين الرجال الرجال والرجال أشباه الرجال. من أين يجيئه إذن هذا الذي بدأ يزحف على نفسه زحف السحاب الأسود الذي يهدد بإحالة النهار ليلًا، وينذر بغياب الشمس واقتراب يوم القيامة؟». حيث إن الكاتب هنا يضع الوالد في خانة الرجال الرجال، ويوضحه التساؤل الأخير: «وينذر بغياب الشمس واقتراب يوم القيامة؟»، والذي يكشف أيضًا عن فداحة ما يحدث، وتشبيهه بيوم القيامة. فالتحول من الأسد إلى عكسه، فهو ما يعني قيام القيامة. كما أنه هنا – في القصة – ينفذ إلى صميم جوهر الإنسان العربي، الذي يرى في العملية الجنسية أنها الرجولة، وعدم القدرة عليها يشبه النذير، أو يوم القيامة.

وعن الأم التي لم تذكر القصة أي شيء عن دور المرأة، إلا في حدود دورها في التربية السليمة، واتحادها مع الفلاح في تنشئة الأطفال، وإن كانت هي التي تقوم بها في الأساس: «الفلاحة السمراء ذات “طابع الحسن”، الغائر في منتصف ذقنها الموشوم وشمة الصعيدية البدوية، وكأنه ختم تختم به الفتاة علامة أنها العذراء الكاملة المنتمية إلى قبيلة ليس لها اسم محدد، ولكنها قبيلة النساء الساميات جمالًا وشكلًا في نفس الوقت، قبيلة المرأة جسدًا مخلوقًا ذلك الخلق الأنثوي الخاص المثير، ولكنها أيضًا علامة أنها إنسانة فيها كل نبل المرأة الفلاحة أو الصعيدية وأنفتها، كل صلابتها عندما يجد الجد، ونعومتها تتحد مع خشونة الرجل لتكوِّن ذلك المزاج المصري القح الذي ينتج أطفالًا لهم قيم الرجال ومسئوليات الرجال بما فيها حتى الأخذ بالثأر».

فالإشارة إلى «الأطفال لهم قيم الرجال ومسئوليات الرجال بما فيها حتى الأخذ بالثأر» تؤكد أن وراء هذا الأب وهذه الأم أطفالًا يستطيعون أن يقوموا بدور الرجال. ولذا صنع إدريس من شخصية القصة، والتي كان نكرة، صنع منه ما يصنعه الرجال.

كما أنه قد سجل المتابعون لأعمال يوسف إدريس بأنه تشيكوف العصر، ووصفوه بأنه لم يكتب عن الريف والريفيين إلا بالمعايشة، أو أنه يكتب ذاته بالدرجة الأولى. فإذا قرأنا قول القصة: «الزعيم سيد القوم لا بد يكون سيدًا؛ لأنه خادمهم. وذو مكانة بينهم؛ لأنه أكثرهم عملًا وجهدًا من أجلهم، مبادئ بيضاء ناصعة كجلباب أبيه، كانت قبله مجرد ستار، مجرد رداء ليس في داخله أي مضمون، كان مضيه في الكفاح الدائب أن يملأ تلك الثياب الناصعات مضامين حقيقية، وأن يحول الستائر الخارجية الناصعة البياض لتخفي القذارة والقبح إلى ستائر تحوي وتحمي كل ثمين وغالٍ من الحقائق والمضامين»، وهو ما يكشف عن أن الخارج مختلف عن الداخل، بل يحاول أن يداريه، وهو ما يقال عن يوسف إدريس ذاته. ألا نجد ذلك في قصته «لغة الآي آي» التي حملت المجموعة اسمها، على اعتبار أن الكاتب إنما يكتب ذاته أولًا، بحيث إننا يمكن أن نبحث عنه – الكاتب – من خلال عمله.

ثم إذا نظرنا في القصة، نجد أن «سلطان» استدعى الثور، بينما الأخير مرعوب يجلس أمامه وطوع أمره، فلماذا استدعاه؟ إنه استدعاه ليكون المرآة التي ينظر فيها إلى نفسه فقط، فلم يطلب منه شيئًا، ولم يكلفه بشيء، بل وقال عنه: «أرجل رجل في المحافظة، بل في مصر. في الدنيا كلها يا ولد، رجل وأب لرجال، ولد ولا كل الأولاد، وسعيدة محسودة تلك التي يضمها بذراعيه زوجة كانت أو عشيقة»، فهذا نموذج استدعائه ليكرر ذكرياته، وأن «الثورة» لم تكن سوى المرآة التي يرى فيها السارد نفسه.

وقد يقول قائل: ولماذا لم يكتبها مباشرة كسيرة ذاتية؟

والإجابة على هذا السؤال بسيطة..

لأن يوسف إدريس كان معروفًا عنه الاعتزاز بالنفس، فلم يكن ليكشف عن مكنون نفسه بهذه البساطة، وإنما صاغها فيما برع فيه من فنون الأدب، وهي القصة القصيرة. وقد قال عنه د. أحمد يوسف علي: «وجاءت مقالته هذه دفاعًا عن بطل جريح أوشك على التداعي والسقوط وكان مستترًا وراء قناع الكبرياء والترف». ويقول إبراهيم أصلان: «ولكن إدريس لم يكن ذلك الحكاء العظيم فقط، بل كان حالة ثقافية كاملة قوامها الكبرياء والمناكفة. كان رمزًا لزمن بكل أحلامه وخيبات آماله، بكل إنجازاته وكل خطاياه».

وقد كانت بالفعل قصة قصيرة فيما عُرف عنه من الصيغة الدائرية، والتي تنتهي بذات اللحظة التي تبدأ بها. فكانت البداية: «نصف نائم، نصف مستيقظ، تأمل جلده. أدرك، كأنما فجأة، أنه لم يرَ عن عمد جلده مذ كان في أوائل مراهقته، ومذ كان الشعر، شعره نصف أصفر، نصف أسود، متناثرًا، خفيفًا، يكسو نعومة جلده. يذكر أنه فرح، وكان باستمرار يفرح كلما أمعن النظر إلى الجلد ووجد الشعر النابت يزدحم ويتكاثر ويغمق، حتى أصبح كله أسود».

وكانت النهاية هي تلك البداية، وكأنه يحن إلى تلك الفترة من الصبا، والتي كان فيها (فحلًا) يستطيع ما يستطيعه «الثور»: «ونصف نائم، نصف مستيقظ، نصف مخدور، أو سكران، يتأمل جلده وكأنما بفخر، حين يوغل الليل، وهو في الفراندة أو في اللوكاندة، وأمامه فتحي “الثور” أو إبراهيم “الحجش” أو سعيد “البغل”، أو صبري “الكلب”. فلا يزال هو السلطان، ولا يزال هو الأسد».

فالسارد هنا يتحدث عن أنه البطل والأسد من البداية. وتنتهي القصة بمنولوج طويل، يكشف عن حقيقة شعور السارد: «وصحيح أن الشرشرة لم تَجُز رقبة السلطان، ولكنها كانت قد فصلت كبرياءه تمامًا عن جسده. وغادر القرية ولم يعد لها أبدًا، حتى والموكب وقد صغر كثيرًا يودعه.. الموت كان أرحم لهؤلاء الذين يفعلون مثله ويتصدون للزعامة والسطوة، يصبح الخيار بين الموت وهتك العرض، إذا كان لا بد من خيار، فالموت ولا شيء سواه يكون الخيار..».

فقد كان، ولكنه الآن – بالشعور الداخلي – لا يزال كما كان، غير أن الآخرين يرونه غير ذلك: «وأطال النظر، أنه يرى فيه ما يخجل، فيخجل خجلًا ليس مثلما كان يخجل حين كان السلطان، ولكنه خجل الخجلان من نفسه فعلًا، الخائف على نفسه من الآخرين فعلًا، الموشك أن يخفي كل قطعة من لحمه أو عضلاته كأنما ستفضح خجله، أو تفضح أنه لم يعد أبدًا ذلك الرجل الذي كانه… نفس الليونة التي انتابت جلده وعضلاته، إلا أنه كان لا يزال على عادته يشخط: يا ولد. ويستجيب الناس لشخطة الزعيم، ولكن في أكمامهم يخرجون له لسانهم، أو يكتمون ضحكة صاخبة عالية تريد أن تنفجر من صدورهم ذات مرة وتنهي المهزلة».

وقبل أن يحدث هذا التغيير في الجسد، ورغم ما حدث، فما الذي حدث؟ وكيف أصبحت السيرة قصة قصيرة؟

فإذا كانت القصة القصيرة تحتاج إلى أربعة عناصر هي: الحدث، والشخصية، والزمان والمكان؛ فسنجد أننا أمام حدث، هو الجلوس في آخر العمر – رغم شعوره بأنه لم يكبر كثيرًا – فتغير الرؤية للذات هو الحدث. والشخصية، سنجدنا أمام السارد – أو يوسف إدريس شخصيًا – وقد التصق الحدث بها. وأما الزمان، فكان عندما بلغ السارد الخمسين من العمر. وأما المكان فيلاصق الشخصية أينما كانت، سواء في الفراندة، أو في اللوكاندا. أي أننا أمام قصة مكتملة، وبها كل عناصر القصة، وهو ما يُحسب للكاتب الذي استطاع أن يحول الحياة العادية إلى فن أدبي خالص.

وهكذا يستمر الصراع الداخلي، إلا أنه في العلن يعلن الكبرياء والشمم، وكأنه يلبس جلباب أبيه، وما يعانيه من الفقر المدقع، إلا أن أمه كانت تغسل الثياب بالليل، وفي الصباح يكون قد جف؛ ليداري عن الغير سوءاته، وكأنه نظيف كل النظافة. فهنا يعاني الإنسان مرارة الشك والثنائية، وكأنه يعاني مرارة المرض النفسي، الذي يعانيه كل شخوص قصصه، فهم يعانون التهميش، وفقدان أساليب الحياة، فكان الصراع الداخلي هو جوهر القصة، وجوهر النفس عند يوسف إدريس.

ومهما كان من تصور، فإن يوسف إدريس – رغم ما قيل عنه – فسيظل علامة فارقة في مسيرة القصة القصيرة، وتعبيرًا عن فترة زمنية فارقة في تاريخ الأمة.

فإذا أردنا أن نوجز القصة القصيرة عند يوسف إدريس، وما قدمه لها:

1- تحويل ما كان يطلق عليه «لحظة التنوير»، أو ما نطلق عليه الزمن الخارجي، إلى اللحظة، لحظة الاكتشاف، أو لحظة الكشف عما تريد القصة أن تقوله. ومن الأقوال المشهورة له أن القصة عنده كالطلقة.

2- الاهتمام بالإنسان الفرد، والذي أهملته الحكومات المتتابعة، سواء قبل 1952 أو ما بعدها، وكأن شيئًا لا يتغير. ومن خصائص الخصوصيات لهذا الإنسان، الجنس، فهو عامل فردي بحت، وهو في ذات الوقت بداية الحياة، فإدريس بها يبحث عن الحياة، ويبحث عن دور له فيها.

3- قدرة إدريس على تحويل الحياة – المعاشة – والحقيقية، إلى فن للقصة القصيرة، تجعل القارئ يقرأ وكأنه يعيش هذه البيئة.

4- وينبثق من هذه الصفة استخدام العامية التي تزرع القارئ في تلك البيئة، وكأنه لم يخترعها، وإنما هو يصور ويسجل ما يحدث فيها.

5- أخذت القصة عنده تتصاعد في المساحة الكتابية، وحتى وصلت القصة الأخيرة إلى ثلاثة وعشرين صفحة، الذي يجعل إدريس متغيرًا، ومتحولًا وفق ما يمكنه من استعارة الأجواء السياسية والاجتماعية، في الشكل القصصي، والذي سبق تبيانه فيما قبل، وهو الذي قال في أحد حواراته إنه لا يعرف عناصر للقصة القصيرة، وأن كل قصة لها عناصرها – رغم تعريفه لها بأنها الطلقة -.

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع