خالد حسين
I
يا مَجْدَ البَحْر!
يا هِبَةَ الأَبْجَديةِ الأُوْلَى!
المدِيْنَةُ العَتِيْقَةُ، أيَّـتُهَا الغِوَايةُ التي تُؤْنسُ القَمْرَ من يَقِينِ اللّيْل.
أكْتَفِي بِظَلّكِ، لَا أكْتَرِثُ بِثَراءِ الوَرْد…
II
أيتها الغَزَالةُ المأْهُوْلَةُ بِأَقْمَار القَصِيْدَةِ،
الأَبْهَى مِنِ الغَمَامِ في أَعَالي الغِبْطة!
لِمَآثر الأُرْجُوانِ يَغْوِي شَاعِرٌ الكَلمَاتِ إلى المتَاهَةِ،
لَنْ يَسْألَ الأَمْدَاءَ إلا عَنْ التُّخُوْمِ،
إلا عَنْ مَوْطِنِ الوَرْدَةِ المرْتَقَبَة!
III
هَا هِيَ النَّجْمَةُ تُضِيءُ بِنِدَائِهَا عَرَاءَ الوَقْت!
بَعِيْدَاً يَسْتَيْقِظُ الشَّاعرُ في صَبَاحٍ مِنْ گاردِينِيَا عَلَى ضِفّةِ قَلْبِهَا.
البَجَعَةُ التي تَحْرُسُ أَحْلامِ الـمَاءِ،
اليَمَامة التي تُوْقِظُ الأُلْفَةَ في أَفَارِيْزِ النَّوافِذِ المهْجُوْرِةْ
لِيْسَ إلاكِ بِعَيْنيكِ اللّتينِ تُبَدّدانِ الملَلَ عَنْ حَدَائِقِ المدِيْنةْ!
IV
يَسْرُدُ المسَافرُ تَرْنيمةً لِظِلّهاِ:
بِرُمُوشٍ طَويلةٍ يَقْتَرِبُ اللّيلُ من بَحْرِكِ مِثْلَ طَائرٍ أَليفْ؛
يَرْتَجِلُ الغَلَسُ اسمَكِ هَوَاجسَ لِلنَّهَار.
يَدْنُو ظِلُّكِ، يُوْمِضُ نَدَاؤكِ، يَسْطَعُ وَجْـهُكِ، تَتَرصَّعُ ضِحْكَتُكِ كِحَلاً لرُمُوشِ البَحْر.
هي الأَسْرَارُ كُلّمَا نَظَرَتُ في عَيْنَيْكِ، يَصْعَدُ المجازُ غَمَامَاً.
V
يَا لِأَهْوَالِ الجَمَالِ:
بَعْثَري أَوْصَالي على صُخُوْرك، في تلكَ الأنحاءِ، علَى ممرّاتِ المدينةِ العَتيقةْ
أَنْتِ العَالمُ كَثَافَةً!
الأَشْجَارُ التي يَؤمُّها الدُّوْريُّ،
السُّهوبُ التي أَطْوِي سَرَابَهَا ولمّا…،
الـمُرُوْجُ المنْحَدرةُ إلى ضِفَافِ الرِّيح إشْرَاقاً.
عَيْنَاكِ تَفْتَحَانِ للنّهار دُرُوْبَاً إلَى يَنَابِيعِ الضّوءِ.
يَا غَزَلَ الموْجِ للقَمَر الشَّارد!
يَا أُنشُودةَ الجَبَلِ والبَحْر!
أيـَّتُها الأُنْثى المضْفُورةُ مِنْ لُغْةِ الـمَاءِ والرّيح في أَوْرِدَةِ
العَاصِفَة.
يا عَبَقِ الغَابَات!
VI
يَلُوْذُ بِقَلبِها التّائه
هَكَذَا تَنْحَدِرُ النَّجْمَةُ عَنْ نِدَائِهَا، يَتَلاشَى الظّلانِ في مَمِراتِ الرّيح حَيْثُ يصُوْنُهَما اللّيْلِ.
إنّها الغِبْطَةُ تَسْتَيْقِظُ بِشُمُوْسِهَا،
إنّه الحبُّ يمتدُّ بِعَوَاصفِهِ، بأَمْطَارهِ، بِغَابَاتِهِ، بِهَذَا البَهاء
الذي يتوّجُ عَيْنَيْكِ، فَتَخْتَفي النَّجُومُ الأُخْرَى بإبائها انْكِسَاراً.
VII
مَفَاتِنُكِ أَقْمَارٌ:
جَسَدُكِ الثّريُّ، القَارةُ العَذْرَاء
أَرِيجُ الغَاباتِ حيثُ تَقْطُنُ مَدِيْنَةٌ الجَكرَنْدَة بِبَحْرِهَا،
مَمَالِكُ القَمْحَ الشّاسَعة، حُقُولُ الأَعْنَاب، السُّفوحُ،
السّنديانُ ــ الملكُ، الأَجْرَافُ مَوْطِنُ الرّياح، تَضَاريسُكِ التي مِنْ رُخَامٍ أَبْيَضَ، نَادرٍ لامثيلَ لَه.
إنّهُ جَسَدُكِ المشْغُولُ بِمَهَارةِ آنَاهِيْتَا حَيْثُ عِنَاقُ الشَّمْس، عَوَاصِفُ الأَنْوَاء، شَظَايَا زَعَانِفِ المطَر وَطْأةً.
مِا خَصْرُكِ إلا مَأْوَى، خَلِيْجٌ تَسْتَحِمُّ فِيهِ النُّجومُ الشَّاردة
…
أيُّ لُغَةٍ سَوْفَ تَرْتَقِي لِتَصُوغَ هَذَا التَنَاسُقَ في قَوامِكِ
المقْدُوْدِ بِلَهْفةِ السَّرو ورَوْنَق النَّسِيم؟
أيُّها الفَارسُ الضّاربُ بجوادك المطّهَم صوبَ سَماواتِ فينيقيا الزّرْقَاء!
VIII
هَذَا العَسَليُّ المخضَرُّ في عَيْنَيْكِ لا يُتْقِنُ المهَادَنة،
مَكْمَنُ الحَجَر الكَريم.
إنّها الضَّرَاوَةُ التي تُفَتَّتُ يَقْظَةَ الفَارسِ في جُمُوْحِهِ،
لا تُحِيْطُ القَصِيْدةُ بِهَذِهِ البَراري الغَامِضَة، بِهَذَا المبْهَمِ المنْدَلعِ مِنْ هَذَهِ الظّلالِ المتوَّجةِ بالموسيقى!
يدنو المسّافرُ من بُحيرتَينِ نَبيذاً، يَضْربُ مَسَاحَةَ ليلٍ خَيْمةً لَه ثمّ يَتَأمّلُ المسْتَحيلَ واللامرئيَّ على نَارِ هذا السِّحْر المتَلألِىىء في عَينيكِ…
هَذِهِ الظّلالُ تُوْدِعُ المجهولَ غَيْمةً في قَلْبِ المسُافِر أَبَدَاً…
هَذِهِ الظّلالُ تُرْبِكُ الكَلمَاتِ في شَوْقِهَا إلى المعْنَى…!
IX
يَدَاكِ تحرّرانِ اللانِهَائيَّ مِنْ عَتمةِ الصَّمت،
يَدَاكِ صَرْخةُ الجَمَالِ أَنِيْنَاً!
مَعَ كُلّ إيْمَاءِةِ مِنْ أَصَابِعِكِ تَحْدُثُ الفُجَاءةُ، تُوْلَدُ الدّهْشَةُ كَهَذِهِ السَّماءِ المرْتَعِشَةِ خَلْفَ غَابَةِ السّنديان تُشْرقُ بمشَقَةٍ فَتَغْوي…
كفّاكِ بهَذِهِ الزَّنَابقِ الرّشِيقَةِ؛ إذْ تَحْتَضِنَانِ وَجَـهَكِ، يَغْدُو الحقيقيُّ فُسْحِةً ليتوَرّدَ المسْتَحِيْلُ وَرْدَةً مُبْهَمَةً في طِرِيْقِ التَّائه!
X
القَهْوةُ ـ الكَسْتَنَاء،
هَذِهِ الأَمْطَارُ الشَّقْرَاء
هَذِهِ الخُصُلَاتُ الأَثِيْثةُ تَغْوي إلهَ الرِّيح
هَذِهِ الحشُوْدُ المغَطّسَةُ في أَنِيْنِ الذَّهْبِ تَنْهَارُ بِلذّةٍ عَلَى كَتَفيكِ…
يَا لسِحْر النَّدَى!
إنّها اِبْتِسَامَتُكِ؛ رَشْقَةُ صَبَاحٍ تَتَأَلّقُ على شَفَتي الوردةْ!
بَلْ أشدُّ افْتَتَانَاً: الرّنيْنُ الذي يُزهِرُ في ضِحْكَتِكِ يَدَعُ الأَزَلَ يَتَخَثّرُ في بَهاءِ نجمةٍ!
بَدَاهَةُ نَبْعٍ، حَقْلُ قَمَحٍ، رَحَابةُ سَمَاءٍ، قَصِيْدةٌ تُبَاغتُ الشَّاعرَ في غَفْوَتِهِ، هَذِهِ الضّحْكَةِ فُسْحةُ رِيْحَانٍ عَلَى كَتْفِ نَهرْ.
آه لو تَمْضِي بي اللّغُةُ أَبْعَدَ مِنْ ذَاتِهَا، أَنْأَى مِنَ اللّيْلِ والنّهار، أنْ أَسْتَيْقظَ مَعَهَا عَلَى عَتَبةِ اللانِهَائي.
يَجْهشُ التّائهُ أَلْغَازاً في سَيرهِ صَوْبَ بُحيرةِ النّار.
XI
أيُّها الحبُّ!
أيـَّتُها البُحَيْرةُ!
أَلَا لِتَقْتَربِ الظّلَالُ مِنَ الظّلَالِ،
أَلَا لِتَتَأَلّقِ السَّماءُ بِخيُولِهَا الزَّرْقَاء…
نَجْمَةٌ وتَائهٌ، امْرأَةٌ مِنْ شَجرٍ وَغَمَامٍ تُطِلُّ عَلى البَحْر، مُسَافِر في تِيْهٍ يَسْتَردُّ السُّهْوبَ إلى دُرُوْبِ الرّيْحِ بَيْنَ أَصَابِعِهَا.
أيُّها المسَافرُ خَبِّئ نَجْمَتَكَ في قَطْرةِ نَدَىً قَبْلَ أَنْ يَخْطفَهَا اللّيْلِ.
لَم يَكُنْ هَوَاي سِوَى “وردةٍ” فحَسْبُ، تَسْرُدُ النَّجْمةُ ظِلّها عَلى حَقْلِ الأَقحْوَانِ، لم يَكُنْ سِوَى وَرْدَةٍ حِيْنَ انْهَارَ اللَيْلُ بِنَدَائي في رَنيْنِ القَصِيْدَة، لم يَكُنْ… لَكنّها الطُّرقَاتُ بِأَمْطَارِهَا أَغْوَتْنِي بِعَنَاقِيدِ الحِكَاية.
أَيـَّتُهَا البُحَيْرة!
أَيـّتُهَا السُّهوبُ التي تقودُ مَرَاكبَ السَّرابِ بِجِيَادٍ وَرْدِيةٍ مُطّهَمَة!
XII
أَلَا لِيَقْتَربِ القَلْبُ من القَلبِ، نَجْمَةٌ وتَائهٌ يَرْتديانِ رَذاذَ الحُلم نَحْو بَلَدِ الأُرْجُوان.
لم يَكُنِ الأَمْرُ رَمْيَةَ نَرْدٍ، بَلْ كَانَ حَدْسَاً أَشْرَقَ زَهْرةَ گاردينيا في لَيْلِ المسَافر.
انسج أيٌّها الحبُّ مَصَائرَ اللّيْلِ والنَّهار!
اصْعَدي أيـّتها الأرْضُ، اهْبطي أيـَّتها السَّماء!
بجعَتانِ، خَفْقَةُ أَجْنِحَةٍ، اصْطخابُ بِحُيرةٍ في نَار المسَاء.
بازل/ سويسرا 15. 5. 2025
…………………
*من مجموعة [لم أكن ساهياً عن الوردة / دار كوديا ــ بغداد]














