روبير فالزير
تقديم وترجمة: عثمان بن شقرون
تقديم:
أن تلج إلى نصوص روبير فالزير المجهرية، يعني أنك تخطو فوق أرضٍ رِخوة، متحررة من الضوابط واليقينيات الكلاسيكية. فهذا الفضاء الأدبي الذي اصطُلح على تسميته بـ “إقليم قلم الرصاص”، لم يُكتب في دفاتر فخمة ولا بحبرٍ رسمي، بل وُلِد من رحم العزلة على قصاصات الهوامش والمغلفات البريدية المهملة، وبقلم رصاصٍ مرنٍ يملك القدرة على المحو والتواري والهبوط باللغة إلى مرتبة التخفّي. ومن العتبات الأساسية التي تجدر الإشارة إليها قبل ولوج هذا المتن، أن هذه القطع النثرية كما عُثر عليها في المخطوطات الأصلية كانت عاريةً تماماً وبلا عناوين؛ إذ لم يقترح لها فالزير أي تسمية، ولذلك لجأ الباحثون والناشرون الذين فكوا شفرتها وجمعوها إلى اعتماد “الجملة الأولى” من كل نص لتكون عنواناً له. هذه العنونة الاضطرارية تجعل من مطلع النص بوابته الوحيدة، وتضعه أمامنا كتدفق مسترسل لا ينفصل عن بياض الورقة.
وفي هذا المجرى، لا يختبئ فالزير ليصنع وهماً واقعياً، بل يُسقط الجدار الرابع ويكشف للقارئ عن مطبخه اللفظي ومحترفه الأدبي؛ فالنص يراقب نفسه في المرآة أثناء التشكل، حيث يسخر الكاتب من ديكورات الرواية التقليدية، ويتنقل بخفة بين شخوص وأقنعة يمثلها حتى إشعار آخر، في لعبة مرايا فريدة تسبق منازع ما بعد الحداثة دون تنظير جاف. وهو في هذا التفكيك، يلقي في روع قارئه انحيازاً جمالياً مغايراً، إذ يضيق بالإتقان الصنمي الذي يُحنّط الحبر، ويبحث عن لغة تتحرك بشيء من الركاكة واللايقين؛ وهي ركاكة متعمدة ليست عجزاً، بل هي الفجوة السرية الشاعرية التي تسمح للغة بأن تتنفس، وللحياة بأن تزهر بعفوية بين الجمل.
هذه الجملة تتبع في سيرها رحابة راقصة ومباغتة، تقفز من جلال الطبيعة وسكينة التأمل إلى مشاهد يومية هزلية وعبثية، متوسلة بمعجم تكراري مقصود يحاكي رتابة العيش وضجيجه العابر. لكن هذا الارتداد الفجائي من الهزل إلى الجد، ومن إيماءات الصد والنبذ الظاهري للبشر، ينتهي بمفارقة بالغة العذوبة؛ حيث تصفو العزلة لتصبح الكتابة هبةً صامتة، وشكلاً خالصاً من أشكال الحب والإغاثة السرية التي لا تُطلب من على أسطح المنازل. وحين نطلق على هذه النصوص صفة “الشذرات”، نحن لا نصف حجمها أو قصرها، بل ننصف خيارها الجمالي والوجودي كأدبٍ يرفض الامتلاء والمركزية، وينحاز للهامش وللأجزاء الصغيرة المتناثرة التي تشكل في مجموعها، ودون ادعاء، قارة أدبية فريدة. إنه نص يصيب النجاح وهو يخفق في آن واحد، ندعه يحط بين يدي القارئ… متمنين ألا يذوب قبل أن يلمس عُمقه العابر.
**
«يجدر بالقارئات ألَّا يعرنَ اهتمامًا لما يتشكّلُ هُنا»
يجدر بالقارئات ألّا يعرنَ اهتمامًا لما يتشكّلُ هنا، فنيّتي ألّا أكتب في المستقبل إلا للسادة، وبالأخصّ، إن لم أكن واهِمًا، لأولئك الذين يتقنون فنّ العيش. ولكن، أنا شارد. هل تُرايَ بحاجةٍ إلى الراحة؟ أيها التاريخ، يا من أتحملُ مسؤوليتك على عاتقيَّ القويين، أتوسلُ إليك: كن كالانجرافِ الثلجي، بما أنني قد منحتُ نفسي الحرية في أن أتمنى لتعبيري أن يكون ليناً بقدر ما هو جبار. أولئك الذين يبدعون ينامون، وأولئك الذين يعطون يبدعون، ثم إن النافعين والمجتهدين بوسعهم أن يستسلموا للدَّعة، بينما الخاملون قد يصبحون كادحين؛ لكنني أدركُ الآن أن الجملتين كلتيهما تعنيان الشيء نفسه. كان الشابّان الواعدان، وثيابُهما ترفرف في الريح، يندفعان نزولًا عبر المرج، الذي لم يكن يمانع أن يفسح الطريق أمام الوثّابين ليبلغا الموضع الذي كان فيه مغامرٌ، مرتديًا زيًّا من المخمل، يلامس اليابسة في قاربٍ دفعه بقوّة إلى الشاطئ، وجميع نواقص طاقته ملفوفةٌ بخفّة في معطفه. ثم بلمسة من النبل، رفع قبعته التي لا تزال مقبولة. ولم يمضِ وقتٌ طويل منذ اللحظة التي استطاع فيها خيالي أن يُصوّر لي أنه قد يكون من الممتاز بالنسبة إليّ أن أجلس في غرفة، أو ببساطة في قاعة تغمرها موسيقى ملحمية وتفوح بعطرها، وهو ما جرى تنفيذه على الفور من قِبل هذا الأنا الذي لا يكلّ، والذي لا أكفّ عن تحية حضوره بحرارة. كان الجبلُ، كما هو الحال دائمًا، ينتصبُ شاهقاً في الأعالي، بينما كنتُ جالساً، في غاية الرضا غير قابل للانزعاج، في مكمن المُتع هذا. ثمة نادلات، ولعلّ بعضهن قد قرأن كيلر – الذي نعرف أنه كان يتبادل رسائل ودية مع شتورين شخصياً – كنَّ يتحركن بهمة ورشاقة لا تُنكر. أجدُ من الممتع أن أكون في مدينةٍ ما، وأن أؤمنَ – وسط هذا الوضوح التام- باحتمالية وجودِ مدنٍ أخرى. كنتُ أفكّر، على نحو عابر، في جنيف حين أُحضِر إليّ السجقُ المعدّ للشواء الذي نلتُ متعةَ طلبه، إذ لم أظنَّ أنَّ بمقدوري منعَ نفسي من الرغبةِ فيه. فليُسمح لي، والحقُّ يقال، بأن أصمتَ عن ذكرِ مزاياه المقرمشة. وسيُسمح لي بذلك بسهولةٍ أكبر أن أقول إنّ فتاةَ النُّزل التي أحضرته إليّ كانت سعيدةً بالخدمة التي تستطيع أن تتفرّغ لها، في حين كانت امرأة قروية، في تلك اللحظة، تقدّم لنا شتّى أنواع التلوينات الصوتية، تلك التي استباحَ رجلٌ من أهل الدنيا لنفسه الضحكَ عليها بملء قلبه، وهو ما أنَّبتهُ عليه امرأةٌ مدنيةٌ بمرارة، مهددة إياه بأنها لن تكلّمه طوال خمسة عشر يوماً. صرحَ ذلك المتحذلقُ الأنيقُ، بنبرةٍ من الغرورِ المتواضع، الذي كان، بكل ما في الكلمة من معنى، ينتفخُ بهِ زَهواً، قائلاً: «هذا ما يُحزنني، بالنظرِ إلى ملامحكِ الجميلةِ، وخصوصاً حين أتفكّرُ في حياتكِ المليئةِ بالملذّات.» اذهبْ الآن، يا نتاجَ ورشتي الحاليّ، اذهبْ إلى العالمِ مع شطيرةِ الجبنِ التي أدسُّها لكَ، بعدما لمحتُ ملصقاً بهذا المعنى في قاعةِ النُّزلِ التي لا بدَّ وأنها شعرتْ بالإطراءِ لحضوري. كانت المنضدة تشكّلُ حصناً منيعاً. وذات مرّة، في زقاقٍ ضيق، تصرّفَ معي زنجيّ أسودُ وكأنهُ يعرفني. لكن تباً لهذهِ الذكرى، البريئةِ تماماً على كلِّ حال، ولنهجمْ على الملاعقِ المليئةِ بقشدة “شانتييه” التي كان الزبائنُ يرشقونَ بها بعضهم بعضاً من كلِّ الزوايا، لهدفٍ وحيدٍ هو عيشُ تجربةٍ مثيرة. كانت الملابسُ والوجوهُ تتلقى الضرباتِ المسدَّدةَ بدقّةٍ لافتة، وكانَ الرّاشقونَ والمرشوقونَ يُؤلّفونَ حشداً بشريّاً متداخلاً يتناوبُ أفرادهُ الأدوار، بحيثُ إنّ الذينَ كانوا يوزّعونَ [الضربات] تحوّلوا إلى متلقينَ لها، فيما كانَ المتلقون يمتلكونَ القدرةَ الكامنةَ على ملاحظةِ أنّ ثمّةَ جبناء بينهم. وكانت مرآةٌ تعكسُ ببراعةٍ أبهة العراك، ولذةَ الاشتباك، ومسرّاتِ المعركة، وإذا كنتُ، بدافعٍ من حُسنِ الذوق، أُمعنُ إلى هذا الحدّ في التجرّدِ من تعدادِ تفاصيلِ هذا الحدثِ الذي كانَ يتناثرُ ويجلجلُ تارة هنا وتارة هناك، فإنّما أفعلُ ذلكَ حرصاً على محاولتي في السردِ الموجز، تلكَ التي لن يكونَ لها، تحتَ أيِّ ذريعة، الحقُّ في أن تُصبحَ مُسهبة، والتي لا يبدو، فيما يظهر، أنّ ما ينقصها سوى أن تُؤطَّرَ داخلَ مشهدٍ طبيعيّ، وهو نقصٌ قد يشعرُ بعضُهم، إرضاءً لي، بأنهم مُلزَمون باعتباره ميزةً. إذا جرت الرياح بما أشتهي، فليتحملْ زملائي وِزرَ القُرّاءِ النُّقّاد، أمّا أنا، فليسَ لي سوى أولئك الودودين؛ أولئكَ الذينَ يُضيءُ النُّبلُ وجوهَهم، والذينَ لا يتركونَ، في نفوسِهم المفعمةِ بالأحكامِ المسبقةِ لصالحِي، شيئاً لا للرغبةِ ولا للأمل. وقد نعَتني اليومَ أحدُهم بالعجلِ، متوهماَ أنّني كنتُ أُغِيظه، وبدا مستاءً ومُهاناً لأنني لم أشعرْ بالإهانة. وبعد أن شعرتُ للحظةٍ بالاستياءِ لأنني لم أكن مستاءً، استعدتُ توازني. لقد كان الحساءُ الذي شاركتُهُ، خلالَ هذا اللقاء، مع ذاك الذي ظنَّ أنّ من واجبهِ أن ينعَتني بذلكَ الوصف، حساءً طيباً. وعلى الرغمِ من كلِّ شيء، فلن أنعتَ هذا العملَ الصغير، الذي يبدو أنه يصيب لي النجاح هنا، وهو يخفق في آن واحد، إلا بأنه شذرةٌ نثريةٌ بسيطة. ومع حسائِهِ، كان مؤلفُ السطورِ التي يستند عليها ما كتبتُهُ توّاً، يأكلُ كِسرَةَ خبزٍ جاءت تماماً على ذوقِ الرجلِ الذي ما زلتُ أُمثّلُهُ أنا أيضا حتى إشعارٍ آخر، والذي لا يملك، بالضرورة، إلا أن يرضى بالغلافِ أو القشرةِ التي يرى نفسَهُ مُتسربلاً بها، والتي أمنَحُها إياه. كم تصرفتُ بنُبلٍ وشهامةٍ مع امرأةٍ منذ عهدٍ قريبٍ جداً!؛ لقد أبهرتُها، وقَد يذهبُ كاتبٌ آخرُ مذهبَ إقناعِ نفسِهِ بأنه يكتبُ هذا وذاك بشكلٍ أفضلَ مني بكثير، أما أنا، فيَسَعُني القولُ إنني، منذ زمنٍ طويلٍ ربما، قد تعلّمتُ كيف أُعبّرُ عن نفسي بأكثرَ مما ينبغي من الإتقان، وإنَّ هذه البهلوانيات اللغويةَ التي لا أفتأُ أتدربُ عليها، تُوقظُ في داخلي رغبةً عارمةً في أن أتحدثَ، لن أقولَ بمزيدٍ من البساطة، بل لنقُل، بشيءٍ من الركاكةِ أحياناً، وربما بأقلَّ من اليقين، كما لو أنَّ ثمّةَ حياةً تتنفسُ، وتزهرُ، وتسطعُ بين الجمل؛ حياةً غنيةً أجهلُ عنها كلَّ شيء، ويراها القُرَّاءُ -أولئك الذين يتفرَّسون في الصور المكتوبة- دونَ أن أراها أنا؛ وكيفَ للمرءِ الآن، في غمرةِ هذا كلِّه، ألا يخترقه ذلك الحدسُ البهيُّ بأنَّ ما يهبُهُ دون علمٍ منه إنما هو هبةٌ أسمى، وخدمةٌ، وعطاءٌ أكثرُ جوهريّةً، وشكلاً خالصًا من أشكال الحب؟ وهكذا، ثَمَّةَ على سبيلِ المثالِ تعبيرٌ يسمحُ به كِياني الداخليُّ الحاليُّ لنفسِهِ إزاءَ مُحيطِهِ، تعبيرٌ يُدهشُني أنا نفسي: « ما عليه إلا أن يحبّني كما يحلو له». أمامَ جملةٍ كهذه، التي تشهدُ على بذلِ جهدٍ للتخلصِ من التعاطفِ، وما إلى ذلك، أفلن يجدَ المرءُ نفسَهُ، ربما، شبهَ مُرغمٍ على التفكيرِ بأنني مأخوذٌ بشيءٍ أكثرَ أهميةً، وأشدَّ إلحاحاً، من البشرِ ومن كلّ ما قد يُفضون به إليّ؟ ومهما يكنْ من أمرِ أنني، في معظمِ الأوقات، أحيا ما يُسمّى وحيداً، فإنني لستُ بـمُستوحشٍ أبداً، ولا أقبعُ قطُّ في غمرةِ ضَياعٍ أراهُ جديراً بالذِكْر، بل لعلَّ بمقدوري مساعدةَ شخصٍ ما؛ إذ ثَمَّةَ على الأرجحِ بشرٌ بحاجةٍ إلى نوعٍ من الإغاثةِ التي لا تُطلبُ من على أسطح المنازل. وإنه لَيصدمُني اليومَ أمرُ ما سبقَ لي أن رددته هنا وهناك بصوتٍ خافت: « فليتدبّرْ كلُّ امرئٍ أمرَهُ بمفردِهِ، وليَسْلُكْ طريقَهُ الخاصَّ الأكثرَ سرّية»، وأنني قد شفعتُ هذا الجزمَ -الذي لا ينطوي على أيّ نزعة من نزعات التعاطف الإنساني- بإيماءةِ صدٍّ ونبذٍ، إن جازَ التعبير. والمشكلة، أنه يحدث لي أحياناـ أن ألتقي ببعضِ أبناءِ جلدتي ممّن يَتَمايزونَ بفاعليةٍ عَنِ الآخرينَ، بنوعٍ مِنَ الإيماءات غير المبالية. فهل عساها مثلُ هذهِ الإيماءاتِ أنْ تكونَ قد تركتْ في نفسي أيَّ أثر؟ ومهما يكنْ من أمر، فإنّ المرءَ سيلمسُ أنّ هذهِ المساهمةَ، التي استُهلَّتْ بألاعيبَ صبيانيّةٍ، ثمّ تطوّرتْ شيئاً فشيئاً نحو نبرةٍ أكثرَ جديّة، تمثّلُ -من وجهةِ نظرٍ ما- شيئاً جميلاً.










