أمنية أبو بكر
هل يمكن للكتاب أن يكون منقذًا حقًا؟!
بين طيات كتاب “وأنقذتنا الصفحات: حكايات من ونس الكتب”، تأتي الإجابة عبر رحلة كبيرة وممتعة من القراءة أعدّها الباحث والكاتب باسم الجنوبي؛ ليأخذنا في جولات بين التاريخ والجغرافيا ويثبت أن “الصفحات” كانت وما زالت الملاذ الذي يحتمى به المفكرون والأدباء والقرّاء من جنون الواقع. وفي عصرنا الرقمي السريع، لم تعد القراءة ترفًا، بل صارت طوق نجاة في عالم مليء بالضجيج والاضطرابات؛ ملاذًا ينقذنا من الغرق في السطحية والمادية وبحور اضطرابات الحياة الفردية.
تاتي أهمية كتاب “وأنقذتنا الصفحات” أنه يُذكرنا بأن الكتب كانت وستظل سحرًا يدعو إلى التأمل البطيء. فالكتب تغيّرنا، وتتحدى آراءنا، وتشفي جروحنا؛ فهي ليست مجرد ممتلكات، بل شركاء في رحلة الحياة، وكنوز فكرية للسابقين تدلّ اللاحقين على طريق إنسانيتهم.
يقول الجنوبي في مقدمته: “الكتب.. هذه الكنوز الحية، تصف للإنسان همومه وصراعاته وسعادته وخيباته، وتاريخه وواقعه وخياله؛ إنها الميراث الأغلى الذي تركته البشرية”. وعبر الكتاب يؤكد أنها خزانة الذاكرة الجماعية القادرة على تعريف الإنسان وإعادة بنائه؛ ففيها يجد القارئ مرآة نفسه الخفية، حيث تتحول الكلمات إلى أصدقاء يشاركونه الفرح والألم، وإلى دليل يرشده عبر متاهات الحياة. ومنذ اختراع الكتابة تحولت هذه الأوراق المتواضعة إلى مخازن للمعرفة لا تنضب، تثير أسئلة عميقة وتبني جسورًا بين الثقافات. وبفضل هذه الجسور يصبح الماضي معلمًا حيًا، والحاضر امتدادًا لتراثنا، ما يجعل القارئ يسير في طريق الإنسانية برؤيةٍ لها جذورها العميقة وامتدادها في الحاضر.
القراءة الواعية التي تعيد تشكيل أفكارنا، وتوسّع آفاقنا، وتمنحنا القدرة على فهم الآخرين بعمق أكبر، إنها السلاح الأقوى ضد الجهل، والصديق الأوفى في لحظات الوحدة، الطريق لها كان يكلف الكثير من الوقت والجهد والسؤال والتجربة، وهذا الكتاب يضع في يد القارىء مجانًا معالمها وخرائطها.
تشبه البنية الداخلية للكتاب خريطةً تُرشد القارئ، إذ تجمع بين التأمل الفلسفي والقصص الرمزية عن تأثير الكتب في النفس والحياة. ويستعرض الكاتب كيف تصبح الصفحات شفاءً لجراح الروح، وأداةً للمواجهة والمقاومة: مقاومة الجهل، الوحدة، الفشل، والانسياق وراء التيار العام، ومقاومة ثقافة السطحية التي تُروّج لها وسائل الإعلام والروتين اليومي. ينتقل الكاتب عبر هذه الخريطة إلى محاور أكثر تجذرًا في الحياة: تربية الأطفال، والعلاقة بالأسرة والمجتمع، وحتى الربط بين القراءة والصحة النفسية. ويُكرّس الجنوبي فصلًا مهمًا لسؤالٍ يُقلق الكثير: كيف نُربّي الأطفال في عالم يزداد فيه الضغط والتشتت؟
ليطرح واضحًا: “ولطفلك عليك حقا”، يربط بين القراءة التربوية وبناء أسرة واعية، ويرى أن أزمة تربية الطفل تبدأ من ضعف وعي الوالدين، حيث يتحول الحب إلى أداة للسيطرة أو الترهيب أو التملك. ويُوضّح أن تربية الطفل لا تبدأ من المدرسة، بل من قدرة الوالدين على تربية أنفسهم أولًا، ثم توظيف الكتب كأداةً لفهم سلوك الطفل، وبناء علاقة صحيّة معه، وتحويل البيت إلى بيئة تُشجّع الفضول والمعرفة، يقول الجنوبي: “مع قراءة الوالدين للأطفال فهم يقرأون لأنفسهم؛ فالحكايات يسمعها الأطفال ليناموا، ويسمعها الكبار ليستيقظوا”.
كما يتناول الكتاب أسئلة محورية مثل: كيف نختار الكتب؟ كيف نقرأ؟ وكيف تُولّد القراءة أفكارًا وتُلهم الوعي؟ وهي من أهم موضوعات الكتاب، إذ يشرح الكاتب كيف نختار ما نقرأ، وكيف نقرأ قراءةً انتقائية، وكيف نلتقط الأفكار الكبرى ثم نبحث عن مراجعها لتوسيع دائرة الاستفادة. ويربط بين القراءة والقدرة على التمييز بين المحتوى الجيد والرديء، وينتقد في الوقت نفسه سيطرة الروايات الركيكة والقصص السطحية أو الكتب التجارية التي تبيع عنوانًا جذابًا ولا تُقدّم عملًا فكريًا حقيقيًا.
يعالج الجنوبي في فصلٍ آخر العلاقة بين القراءة والصحة النفسية، ويربط بين الكتب والقدرة على الشفاء الذاتي. ويعرض كيف تُضيء الصفحات روح القارئ في أحلك اللحظات، وكيف تُعالج أوجاعه وتساعده على إعادة ترتيب أفكاره وانفعالاته. ويُبيّن أن الكتب غالبًا ما تقدّم للقارئ السؤال الصحيح في الوقت المناسب، فتفتح له بابًا للتفكير لم يكن يره.
اعترف أني قبل قراءة هذا الكتاب كنت أحب القراءة، وبعده أصبحت أحبها أضعافًا مضاعفة؛ لزيادة معرفتي بقدرها وأهميتها. إنها رحلة لا تُنسى بين الصفحات؛ فالكتاب مليء بالكثير من الموضوعات والأفكار الانشطارية التي تحتاج إلى كتابة ألف سطر، فكل فصلٍ فيه يستحق أن يُفرد له حديثٌ مستقل. كما أن تعدد الموضوعات في الكتاب وربطها البارع بالقراءة يمثل نقطة قوة تدفع الملل، وتثير التساؤل، وتدفع القارئ للانتقال من فصل إلى آخر، واعيًا بأن كل فصل مترابط مع ما قبله، ومختلف تمامًا عنه في الوقت ذاته.
كتاب “وأنقذتنا الصفحات” هو اعتراف طويل بالجميل للكتب؛ كتاب يجعلك تحترم مكتبتك الشخصية أكثر، وتنظر إلى كل كتاب فيها كجندي مستعد لخوض معركة نجاة بجانبك. قد سطّره كاتب يتميّز قلمه بالمرونة؛ ويمتلك لغة أدبية رشيقة، فالكتاب ليس جافًا أو أكاديميًا معقدًا، بل هو نصّ حميمي يشعرك أن الكاتب يجلس معك في مقهى هادئ يحكي لك كصديق قديم، ليفتح أمامك أبوابًا واسعة للمعرفة، بابًا بعد آخر، ويترك لك حرية التصرّف: إما أن تمرّ منه، أو أن تبدأ الرحلة عبر غيره. فقد وضع الجنوبي عبر سطور كتابه عددًا هائلًا من الإشارات إلى كتبٍ ومراجع في مجالاتٍ مهمة ومختلفة، ويستخدم هذا الأسلوب كخريطة تقول للقارئ: “إذا أعجبتك هذه الفكرة، فهذه الكتبٌ الأكثر عمقًا يمكنك أن تبدأ بها”. مما يُحوّل الكتاب من مجرد عملٍ مستقل إلى بوابةٍ لشبكة معرفية أوسع؛ فالقارئ لا يخرج من الكتاب بفكرةٍ واحدة، بل بقائمة كتبٍ جديدة تُعيد تشكيل فهمه للعالم ولنفسه قبل ذلك.
كتاب “وأنقذتنا الصفحات” هو رسالة محبة للكتابة، ومنشور تحريض على القراءة ووثيقة امتنان للمؤلفين الكبار؛ كتابٌ لا يُقرأ مرةً واحدة، بل مرات، خاصةً كلما كنّا بحاجةٍ إلى الونس.

















