القسّ عيد صلاح
تأتي رواية “وليم” للدكتور سعيد توفيق، الصادرة عن دار نشر الدار عام 2019م، في 199 صفحة، بوصفها عملًا سرديًا يتجاوز الحكاية التقليدية ليقدّم قراءة إنسانية عميقة للعلاقة الإسلاميّة–المسيحيّة، قراءة تنأى بنفسها عن الخطابات الأيديولوجية والوعظية، وتقترب من اليومي والمعاش، حيث تتشكّل العلاقات بين البشر في تفاصيل الحياة الصغيرة قبل الشعارات الكبرى. فالرواية لا تسعى إلى تبرير التعايش ولا إلى التنظير له، بقدر ما تعرضه بوصفه ممارسة طبيعية نابعة من احترام الإنسان للإنسان، ومن تقدير صادق للاختلاف الديني دون تحويله إلى أداة للصراع أو الإقصاء. وهي رواية تكتب التسامح بلغة الحياة اليومية.
ينطلق العمل من البعد الإنسانيّ بوصفه نقطة الالتقاء المركزية بين شخصياته، حيث تتأسس العلاقات على الفهم المتبادل والمساندة العملية في مواجهة الأزمات، لا على المجاملات الخطابية أو الادعاءات الأخلاقية. ويُحسب للرواية أنها تُجسّد الاحترام الديني في صور ملموسة، تتبدّى في المواقف والسلوكيات اليومية، بما يعكس رؤية ترى في الدين محفزًا للقيم الأخلاقية لا سببًا للقطيعة أو العداء. ومن هنا، تبدو «وليم» رواية ضد الاستقطاب بامتياز، لأنها تُعيد الاعتبار للإنسان كفاعل أخلاقي قادر على تجاوز التوترات العقائدية دون إنكارها أو تسطيحها.
على المستوى المكاني، تتوزع أحداث الرواية بين أسيوط وألمانيا والولايات المتحدة، وهو امتداد جغرافي يمنح السرد أفقًا أوسع، ويكشف عن تفاعل الهوية الدينية مع السياقات الثقافية المختلفة. غير أن هذا التنوّع المكاني لا يأتي بوصفه عنصرًا استعراضيًا، بل كإطار كاشف للتجربة الإنسانية في حالاتها المتعددة، حيث تتقاطع الغربة والحنين والاختبار القاسي للقيم. وبرغم قسوة الظروف التي تمر بها الشخصيات، يظل النص منحازًا بوضوح لقيم التسامح والعيش المشترك، لا باعتبارها شعارات مثالية، بل بوصفها خيارًا أخلاقيًا صعبًا يتطلب شجاعة ومسؤولية.
وتكتسب الرواية أهميتها الخاصة من كونها، بحسب ما يشير كاتبها، من الروايات الطويلة القليلة التي تتناول العلاقة الحميمة بين مسلمي وأقباط مصر، في سياق سردي يسعى إلى تفكيك الصور النمطية وإبراز المشترك الإنساني. بل يمكن اعتبار «وليم» من أوائل الأعمال التي تُظهر كيف تتغلّب الطبيعة المصرية المتسامحة على الاختلاف العقائدي، وكيف يتحوّل هذا الاختلاف من سبب للتوتر إلى فرصة للفهم المتبادل والتكامل الإنساني.
في المحصلة، لا تكتفي «وليم» بسرد حكاية إنسانية مؤثرة، بل تطرح رؤية ثقافية وأخلاقية تسعى إلى بث روح الإخاء وترسيخ قيمة التسامح بوصفها فضيلة مجتمعية وإنسانية. ومن هنا، تبدو هذه الرواية جديرة بأن تتصدّر المشهد الثقافي، لا لأنها تعالج قضية حساسة فحسب، بل لأنها تفعل ذلك بلغة هادئة، ونبرة صادقة، وسرد يُراهن على قوة الأدب في بناء الجسور لا تعميق الانقسامات. وهي، في هذا المعنى، رواية تستحق القراءة بوصفها شهادة أدبية على إمكانية العيش المشترك في عالم تتزايد فيه نزعات الانغلاق والاستقطاب.
وقد جاء على لسان الأم تريز في الرواية، ص 71-72، الآتي: يا منى أننا نؤمن بأنه عندما يرفع الأذان من المساجد أو تدق أجراس الكنائس فأنهم يتفقان على شيء واحد هو أنهم يدعون الناس إلى الوقوف بين يدي الله”، وقد لخصت هذه العبارة الكثير مما أراده أن تقوله الرواية.
في المحصلة، تؤكد رواية “وليم” أن التسامح ليس خطابًا أخلاقيًا يُلقى من فوق المنابر، ولا شعارًا يُرفع عند الأزمات، بل هو ممارسة يومية تتشكّل في تفاصيل العلاقات الإنسانية البسيطة: في الفهم، والمساندة، والقدرة على الإصغاء، واحترام اختلاف الآخر دون خوف أو استعلاء. ومن هنا، تكتب الرواية التسامح بلغة الحياة اليومية، لغة البشر وهم يواجهون القسوة والألم والغربة، دون أن يفقدوا إيمانهم بالإنسان.
إن رواية وليم لا تدّعي تقديم حلول كبرى لقضية شائكة، لكنها تنجح فيما هو أعمق وأبقى: أن تجعل العيش المشترك ممكنًا في الخيال الأدبي، ومن ثمّ قابلًا للتصديق في الواقع. وفي زمن تتصاعد فيه نبرات الاستقطاب والاصطفاف، تأتي هذه الرواية لتذكّرنا بأن الأدب، حين يخلص لإنسانيته، قادر على أن يكون مساحة آمنة للفهم، وجسرًا هادئًا بين المختلفين، وشهادة على أن التسامح يُكتب أولًا في تفاصيل الحياة قبل أن يُعلن في الشعارات.


















