وصايا أُمّي خِيرة

تشكيل

محمد الحباشة*

في كُلِّ خُطوةٍ

ضائعةٍ بين السَّواقي

عرفتَ معنى الطَّريق

وكان الحقلُ سماءً

وكرمة التِّين مدينةً للشَّمس

خُذ عنقود العنب كلّه

تقول جدَّتي

لا تُطعمه للطُّيور

كن أنت الطَّير

هِبةً للماء

لا تركض في درب الرَّمل

ستجرح ركبتيك 

سِر كمن يرث الأرض

قبل السَّماء

لا تُفكِّر مرَّتين في أحلام السَّروة

واحذر إطلالة البئر

قد يسحبك

قرص القمر

احذر غِواية الماء

لا تُكثِر من الشَّاي الأسود

مع الشّيوخ الدَّافِنين همومهم في النِّكات

النَّاذِرين أعمارهم

في سُنبلة

لا تُدخِّن معهم

فتتبخَّر

لكن لا بأس

كُن حبَّة قمح تُزرع في تجاعيدهم

كن سُنبلة

هل تمرَّغت في صبَّارة التّين؟

سأنزع أشواكك هذه المرّة

ووحدَك

تعلّمْ نزع الأشواك

من غَدِك

اقطف ما شئت من العُلَّيق

هَبْ مِنه لأخوتك

فإنَّ دمَه دمكم معا

ضِعْ ما شئت في “الدَّاموس”

يا ابن خِيرةَ

يا غُصن زيتونٍ في باحة دارها

لا تَضِع كثيرا

لئلَّا تنهشك كلاب البادية

لئلَّا تهشّهم عنك الجارة

بغصن السروة

كن صِنوا للحجر الجالس منذ عهود

تحت شجرة الزَّيتون

وحديقةً كتلك التي غرستُ فيها أزهاري

فأينعت قبل الأوان

وزيَّنت آذان بنات القرية

كُن كجَبلِ “سيدي عبد الرحمن”

يُربِّي السَّحاب

يَمُدُّ عروق السِّنين

ولا يموتُ

في دمنا

كن نسرا على قمَّته

وكُن…

……….

أشهقةٌ تلك؟ أضحكةٌ للّه؟

أدمعةٌ للوقت كانت لكِ وحدكِ؟

أوصايا كانت تلك

يا أمّي خيرة

أم أغنياتٍ للطَّريق

ظلَّت تقول

تعلَّم أن تمشي كالأفق

وانتظر وعده

………………

*روائي وشاعر من تونس

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع