مروان ياسين الدليمي
أنا لا أكتب رثاءً
أنا أفتح نافذة
فتدخل الفكرة بملابس الحداد
وتجلس على الكرسي
كأنها تعرف المكان.
صديقي
يا من خرجت صباحا
وتركت النهار مرتبكا
الساعة تسألني عنك
ولا أملك إلا صمتي.
الصمت نفسه
يمد يده
يربك الهواء
ويتعلم المشي من جديد.
الذاكرة اليوم حيوان أليف
تشم رائحة الخبز
وتتبع خطاك.
والنسيان طائر أعمى
يصطدم بالجدران
ولا يسقط.
بينهما أمشي
وأنا أتعثر بخمسين عاما
من ضحك
ومن خلافات صغيرة
كانت تذوب حين تبتسم.
الأرض تعرفك
كانت تميل قليلا
حين تمر
والشجرة القريبة من بيتنا في “رأس الجادة”
ما زالت تنتظر صوتك
كي تسقط أوراقها بطمأنينة.
حتى الغبار
هذا الكائن المتواضع
يتوقف اليوم
كأنه يقرأ سيرة حياتك
ولا يجد سطرا زائدا.
كنت واضحا
إلى حد أن الغموض
كان يخجل أمامك.
كنت طيبا
حتى أن القسوة
كانت تعتذر وتنسحب.
ومعي
كنت اليد التي تسند القصيدة
حين تتعب وتقول لي:
اكتب،
كأنّ الكتابة نجاة
وكأنّ النجاة ممكنة .
أضحك الآن
سخرية صغيرة
تنقذني من الانهيار.
أقول:
هكذا إذن
يغادر الشعراء بهدوء
كأنهم يخرجون لشراء شيء
وينسون العودة.
أبحث عنك
في الأشياء التي لا تنتبه لنفسها:
المقعد الفارغ
الذي يواصل الجلوس
والطريق
الذي صار أطول
من دون سبب.
المدينة تضع يدها على صدرها
تتنفس بصعوبة
وتسألني:
هل كان هشام هنا
أم كان حلما طويلا ؟
أقول لها:
كان حقيقيا
إلى حد أن الحقيقة
تعجز عن احتماله.
الذاكرة الآن
مسرح بلا ستارة
أصوات كثيرة تتكلم في آن واحد
ضحكتك
خطواتنا
وأسماء الوجوه
التي عبرت حياتنا
ثم اختبأت في الظل.
النسيان يجلس في الصف الأخير
يدون ملاحظات خاطئة
ويظن نفسه منتصرا.
كنت ابن المكان
والمكان ابنك أيضا.
التاريخ الصغير لمنطقتنا
كان يكتب نفسه
حين تمشي في الشارع
وتسأل عن الجميع.
العلاقة الاجتماعية
هذا الكائن الثقيل
كانت تخف حين تمر
وتصير شبيهة بالتحية.
الزمن يسخر مني:
خمسون عاما
يقولها كرقم
وأراها أنا
كحقيبة ممتلئة
بالأصوات والوجوه
والقصائد التي لم نكملها.
الزمن لا يفهم
أن العمر
لا يقاس بالسنين
بل بعدد المرات
التي أنقذنا فيها بعضنا
من السقوط.
الغياب الآن له جسد
يمشي في الغرفة
يلمس كتفي
ويجلس مكانك من دون إذن.
أحادثه بسخرية:
كن خفيفا
هشام لا يحب الضجيج.
الآن أفهم
الموت ليس نهاية
إنه سوء تنظيم للقاءات.
يدخل فجأة
يرتب الغرفة بطريقته
ويتركنا نبحث عن المعنى
بين الكراسي.
أقف عند حافة هذا الصباح
وأحملك معي كعادة يومية.
أنت لم تغادر تماما
أنت فقط
تبدل مكانك في اللغة.
القصيدة كائن هش
تضع يدها على كتفي وتقول:
لا تبالغ في الحزن
اكتبني كما كنت تكتبني
حين كان هشام يجلس قريبا
ويصدق كل كلمة.
الطبيعة اليوم
تجرب أن تكون إنسانا:
الريح تواسيني
الضوء يتعثر
والسماء
تخفض صوتها احتراما.
حتى السخرية
هذه الصديقة الوقحة
تمسح حذاءها قبل الدخول
وتجلس بصمت.
خمسون عاما لا تنتهي برحيل
بل تبدأ بشكل آخر.
التاريخ الشخصي يتداخل مع الجماعي
ويصير اسمك علامة صغيرة
على طريق طويل.
أقول لك
وأنا أراقب الحياة تواصل عملها بلا خجل:
نم بهدوء
نحن سنتكفل بالبقية.
سنحمل طيبتك كوصية غير مكتوبة
ونواصل السير
بقصائد أقل يقينا
وأكثر صدقا.
………………………
* “هشام ” ، صديقي الشاعرهشام عبد الكريم الذي رحل صباح يوم 26 كانون الثاني (يناير) 2026 .
* “رأس الجادة ” مسقط رأسي في مدينة الموصل القديمة .













