نفي الأسطورة والسؤال عن معنى الوجود: قراءة في المجموعة القصصية “الإغواء الأخير للمهدي” لمحمود سليمان.

mahmoud solaiman

رمضان جمعة

عادة عندما يستخدم أحد أسطورة في كتابته، يستعملها كقوة في يد البطل أو في عالم القصة أو الرواية، وهذا ما لم يفعله محمود سليمان في مجموعته: “الإغواء الأخير للمهدي”، الصادرة في يناير ٢٠٢٦ عن بيت الحكمة، والفائزة بجائزة عبد الفتاح صبري للقصة القصيرة عام ٢٠٢٥م

في القصص، ينفي الكاتب الأسطورة باحترافية فنية، مطوعًا حيلته هذه في عرض صراعات أبطال قصصه، العاديين جدًا، وتمرير أسئلته حول معنى الوجود أو معنى أن شيئًا موجود في العالم، وفي القصص نوعين من الأساطير، الأساطير التي صنعها التاريخ، وأصبحت راسخة في الوعي الجمعي، منها الديني والخيالي، وأساطير شخصية، يصنعها بطل القصة عن نفسه أو عن مكان يراه أو يصنعها الناس عن شخص أو مكان، ولأن القاص الشاطر هو بالضرورة شاعر، فتشعر بوجود شاعر فعلًا في أغلب القصص، تشعر أن هنا شاعر متخف في ثوب قاص، عكس عنوان إحدى القصص الجميلة في المجموعة: “التخفي في ثوب شاعر”؛ يلتقط الكاتب تفاصيل معتادة ومتكررة في الحياة اليومية، وشخصيات عادية، ربما نراها كل يوم في كل شارع، وبعين الشاعر في داخله، يرى في تلك التفاصيل المعتادة والشخصيات العادية ما هو غير عادي، ويخلط هذا كله بأسطورة من نوعي الأساطير اللتين ذكرناهما، والتي أيضًا تكون أسطورة عادية، إما عادية لأنها ليست غريبة عن أحد، الجميع يعرفها، أو لأنها ليست غرائيبة أو شديدة الغرابة، ليصنع بذلك دهشة تخصه وتميز قصصه، فبعد أول قصتين، أصبحت أقرأ القصة، التي تكون في نصفها الأول قصة عادية، لكن في داخلي يقين أنه سوف يفاجئني في النهاية بنهاية بعيدة تمامًا عن كل توقعاتي، لأتأكد، مع كل قصة، أنها قصة غير عادية متخفية في ثوب قصة متوقعة.

 المجموعة مكونة من ١٢ قصة، أظنهم كتبوا على فترات متباعدة، لأن القصص متفاوتة المستوى من حيث الحكاية واللغة، بعض القصص تشعر أن كاتبها ذلك الشاب الذي يملك الموهبة لكنها أول قصص يكتبها، وبعضها تشعر أنك تقرأ لكاتب يملك أسلوبه وصوته الخاص وعلى بعد خطوات من امتلاك لغة تخصه أيضًا، في قصة “بلا حاجب” -وهي في رأي أهم قصص المجموعة- شاب يبيع العرق سوس والتمر هندي على عربة، أسطورته أنه بلا حاجب، نجد هذا الشاب يفقد شيئًا فشيئًا جزءًا منه، حتى لا يبقى منه غير الأسطورة عنه، أنه الشاب الذي بلا حاجب، فيظهر في القصة مدى هشاشة الوجود الإنساني، بمزج فني بين الحس الفلسفي والأدبي، ويعرض تساؤله الواعي أو اللا واعي عن الوجود المادي وغير المادي للإنسان، متأملًا في الوجود والتغير والانتقال إلى اللا وجود، والسؤال عن معنى الوجود واللا وجود، فهل الوجود الفعلي هو وجود في الذاكرة واللا وعي؟ أم هو الوجود المادي؟! أم خليط من الأثنين معا؟ هل الشاب الذي تلاشى حتى اختفى وبقيت فقط أسطورته، لا يزال موجودًا أم غير موجود؟ ثم يذهب السؤال لشيء أبعد، كالموت مثلًا، لما يموت الإنسان، ولكن تظل له مساحة ما مهما كانت ضئيلة في عقولنا، هل هو بذلك موجود؟ وهذا ما لمسته في قصص مثل: “إعلان موت الشيخ”، وقصة: “الدكان المنسي”، التي عرضت علاقة شاب شاعر، برجل عجوز يقيم في دكان، يختفي الشاب فجأة، ولكن يظهر أثره في هذا الغياب، وكأن الغياب أكّد وجود هذا الشاب، وفي نهاية القصة ينعكس الحال، لسبب ما -نعرفه في القصة- يغيب العجوز، فيظهر أثره في نفس الشاب.  

ويتجلى التساؤل عن معنى “أن يكون الشيء موجودًا” بشكل أكبر في قصة: “بيت قديم، قديم جدًا”، ينجح محمود بهذا التوكيد اللفظي في العنوان (…قديم، قديم جدًا) بخلق ارتباط معنوي وروحي بهذا البيت، الذي تشعر بعد دخولك القصة أن المقصود ليس البيت الذي تحول إلى برج، بل إنسان تحول إلى آخر، أو وجود اختلفت صورته، وهذا يظهر في البداية والختام أيضًا، يقول في بداية هذه القصة: “يملك تجاعيد محفورة في أعمق خطوط وجهه البائد، ويحتفظ بذاكرة متلاشية،…”. ويختم القصة: “ودموعه صارت بعد وقت قصير دمًا بفضل الخيط المنغرز في واجهته بفجاجة”، نلاحظ في الاقتباسين، صبغ ملامح إنسانية على ما يفترض أنه غير إنساني، في الوقت ذاته تشعر أنه يتساءل عن رؤية الناس لِما يتغير حولهم وفيهم، وشعورهم به وتجاهه، وخوفهم وتمسكهم ومحاولتهم علاجه قبل موته أو تحوله، حيث الإشارة في منتصف القصة إلى الناس وهم يفكرون في علاج وإنقاذ البيت القديم، القديم جدًا.

 وفي القصة الرائعة: “على الرغم من كونه بلطيًّا” (وهي من أقوى قصص المجموعة، حيث تشكلت فيها ملامح للغة تخص الكاتب وعالم متمكن من الكتابة عنه)، يطرح السؤال بطريقته الممتعة، لكن هنا يضع نوعي الأسطورة التي يستخدم إحداهما في كل قصة بطريقة ما، الأسطورة الخيالية التاريخية (مصباح علاء الدين)، والأسطورة الشخصية (قصة لقب بلطي ولقب أحمر عن البطل)، هنا يؤكد على غليان السؤال في داخله: ما الذي يعطي صفة الوجود للأشياء؟ وينظر في السؤال من زاويتين، كأنه يتحول إلى مُخرج، يصور الموضوع من زاوية ما، ثم لأنه يحب أن يقلب الموضوع ويبص له من كل جوانيه، يقرر أن يصوره من ناحية أخرى، والجميل في هذه القصة أن البطل شخص عادي جدًا، طموحاته وأحلامه عادية للغاية، أكبر آماله أن يفوز الزمالك بالدوري، وأشد أطماعه أن يعمل حاجة مع جارته التي يثيره عودها، وهذا ما يعطي للقصة جمالًا خاصًا لما يظهر فيها الجانب الخيالي.

 لم تعجبني اللغة في بعض القصص، أحيانا كنت أشعر أن الكاتب لديه لغة تخصه، لغة حلوة، لكنها لا تزال على وجهها تراب الفكرة السائدة عن مفهوم اللغة القوية، باستخدام مفردات من دهاليز المعجم، وتراكيب الكتابة الثمانينية والسبعينية، فمثلًا في قصة: “لعبة غير مرئية”. يقول: “وفي لجة السحر الذي ينتابه، يحرك رأسه بإشارات خفية، مهمهمًا بلغة عصية، كأنه يخاطب آخرين…”، هنا تشعر مع هذه الجمل المحملة بأساليب بلاغية، ومفردات مثل (لجة – مهمهما – عصية)، أنك تقرأ قصة مكتوبة في فترة الثمانينيات أو السبعينيات، بأسلوب خطابي، ليست قصة مكتوبة في ٢٠٢٦ أو ٢٠٢٥، وفي رأيي هي ليست مشكلة محمود وحده، هي -للأسف- مشكلة تتكرر في نصوص كثيرة أقرأها، تنبع من تصور خاطئ -في اعتقادي- عن لغة القصة والرواية، حيث يخلط البعض بين لغة ومفردات الشعر القديم، وهو الفن الأدبي الأول للعرب، ولغة ومفردات الرواية والقصة، الفنون الحديثة على اللغة العربية، والحقيقة أن الكثير من القراء والكُتّاب والنُقّاد أيضًا يحبون جدًا اللغة بهذا الشكل، لكن يُفترض أننا تخطينا هذا التصور منذ فترة طويلة، تقريبا منذ ٢٥ عامًا؛ يوجد جيل كامل من الكُتّاب المعاصرين حاربوا في بداياتهم لتغيير هذا التصور، وأظنهم نجحوا، وهنا أقصد الكُتّاب الذين ولدوا في السبعينيات وبدأوا كتابة في التسعينيات، ومن قبل هذا الجيل والله، فيه كتاب انتبهوا لخطأ وخطيئة هذا التصور عن اللغة، فما يُفترض الآن أننا نبحث عن لغة مختلفة وجديدة، لغة بنت هذا الجيل، لها مفرداتها وتراكيبها اللغوية الخاصة، لغة الخفيف منه.

 يجب أن أشير إلى أن هذا الكلام عن اللغة، أذكره بصفة عامة، كدردشة فنية على هامش الكلام عن المجموعة، وليس بصفة خاصة عن هذه المجموعة، فالقصص التي لم تعجبني لغتها، 4 قصص تقريبًا، وسط ١٢ قصة، الكاتب في أكثر من قصة، أظهر أن له لغة تخصه، وعالم يكوّن منه حكاياته، بالمناسبة، حتى في القصص التي لم أحب لغتها (والتي أتوقع أنه كتبها من زمان)، كنت أجد بعض الجمل، تنتصر فيها لغة محمود على تصور محمود عن اللغة وقت كتابته للقصة، وهذه ملاحظة لا نقف عندها في عمل أول لكاتب، خاصة لما يكون مجموعة قصصية فيها أكثر من قصة تقول بصوت عالٍ أن هذا كاتب موهوب جدًا، ومختلف، قادم بأسلوبه وعالمه وشخصياته العادية جدًا التي يصنع بهم حكايات غير عادية، لكن وجب الإشارة إلى هذه النقطة.

رمضان جمعة

11 مقال
كاتب وروائي مصري صدر له: ـ الأمير الصعلوك، مجموعة قصصية، ٢٠٢٠ ـ مصير الآلهة، رواية، ٢٠٢١ ـ مجرد وأحد، رواية،…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع