نصوص الخرائب وهندسة الحرب

د. أحمد فاتح محمد

حين تسقط القذيفة الأولى لا تكتفي بهدم الجدار، إنها تهدم قبل ذلك معجم الوجود بأسره. تعيد الحرب هندسة العالم على مقاس الخراب، واضعة اللغة أمام اختبارها الأقصى: كيف يمكن لكلمة من خمسة أحرف أن تتسع لغبار بيت كان يضج بالحياة منذ دقيقة؟ في “نصوص الخرائب”، يفقد المجاز طاقته الاستعارية. يسقط التشبيه مغشياً عليه أمام جثة حقيقية لا تجد كفناً سوى الركام. هنا، تصبح اللغة حسية ومقشرة من كل زوائد البلاغة. الرصاصة لا تحتاج إلى تأويل، والدم السائل لا يبحث عن جناس أو طباق. تسقط لغة الصالونات المترفة وتولد لغة الطوارئ، لغة مقتضبة، خشنة، ومكسورة الأطراف مثل شظايا الزجاج المتناثر في الزوايا.

بينما تجتهد الحرب في صياغة جملها العنيفة وفواصلها الدموية، تقف الفلسفة عاجزة عند عتبة الأنقاض. طالما حاولت الفلسفة، عبر قرون تأطير الألم البشري ومنحه معنى تاريخياً أو أخلاقياً. لكن الركام لا يقرأ الفلسفة. حجر منهار من سقف غرفة طفل لا يعترف بجدلية “هيغل” ولا بعدمية “نيتشه”. الفلسفة تفشل لأنها تبحث عن نسق منظم وعن لماذا كبرى، في حين أن الخرائب هي تجسيد عارٍ للفوضى المطلقة والعبث المحض. إنها اللحظة التي تدرك فيها الأبجدية شللها التام. يكتشف الكاتب وهو يتأمل مدينته وهي تتحول إلى كومة من الرماد، أن النظريات الوجودية الكبرى تبخرت مع أول برميل متفجر. نصوص الخرائب ليست سرداً متماسكاً، بل هي شظايا نصية، عبارات مبتورة، وتنهيدات طويلة يسد غبار الأسمنت مخارج حروفها. إنها كتابة تحاول استجماع شتات الذات من بين الركام، واعيةً تماماً بأن كل محاولة للترميم عبر الحبر هي وهمٌ جميل.

في هذا العالم الممزق، لا يعود النص وسيلة لتفسير الواقع، بل يتحول إلى شاهد صامت على انهياره. تفشل الفلسفة في تفسير وحشية الإنسان، بينما ينجح النص، في حدوده الدنيا، في الإشارة إلى الفراغ الذي خلفه الغائبون. الخرائب لا تحتاج إلى فلاسفة يفسرون سقوطها، بل إلى نصوص بسيطة، متواضعة، وربما صامتة، تلمس بأصابع مرتجفة جداراً مائلاً، وتنصت إلى أنين البيوت التي غادرها أصحابها على عجل، دون أن يغلقوا النوافذ خلفهم. هذا الوجع الممتد لا يمكن تأطيره في كتب نظرية. إن الكاتب الذي يجلس وسط الغبار لا يبحث عن مجد بلاغي، بل يرمم بروحه الهشة فضاءات فقدت جدرانها. يكتب لكي يسجل الهامش، لكي يعطي اسماً لكل من سقطوا في الظل دون أن ينتبه لموتهم أحد. وهكذا، يتخلى النص في مواجهة العالم المحترق عن ترف التحليلات الباردة والمصطلحات المعقدة، ويتحول إلى صرخة حقيقية مبللة بدموع الحاضر، أو ربما إلى صمت عميق ينحني إجلالاً لذكرى بيوت دمرت بالكامل، مخلّفةً وراءها حكايات منسية لن تروى أبداً، لتبقى تلك النصوص هي النبض الجمالي الأخير في أجساد المدن الثقافية التي غمرها الصمت الطويل.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع