عزة سلطان
تُشبه اللغة فخًا كبيرًا، لمن يستخدمها ومن تصل إليه، حيث طريقة التعامل مع بنائها ومفرداتها يمهد الطريق للطرفين الكاتب والقارئ، وحين أُسميها فخًا فذلك لأن حساسية استخدامها إن أفلتها الكاتب وقع في غيها، فهل يستسلم الكاتب لجماليات اللغة، ويذوب في بناء جمل جذابة، ومفردات تأخذ القارئ، أم أن استخدام اللغة سيأتي وفق طبيعة العمل الأدبي دون الوقوع في شرك الجماليات بما لا يتحمل النص؟
عبر أعماله يحاول الروائي أسامة عبد الرؤوف الشاذلي تشكيل اللغة بما يخدم عمله الروائي، دون أن يتخلى عن جماليات اللغة، الأمر المحبب لكل كاتب، وطموح الشاعر القابع في وجدان الكُتّاب، لخلق جمل وعبارات يتردد صداها في ذهن القارئ.
يختار الشاذلي مفرداته وبناء تركيبات اللغة حسب زمن الحدث، وهو الأمر الذي يلفت الانتباه إلى مهاراته المعرفية حول أسلوب وطريقة التعامل مع المترادفات في كل زمن، فعلى الرغم أن اللغة هي وعاء يحمل الأفكار ويشرح الصراع الدرامي، إلا أن الكاتب يعتني بها عناية واضحة في روايتي أوراق شمعون المصري وعهد دميانة، في حين أنه في نبي أرض الشمال، حرص على مستويين من اللغة ليبين الفارق الزمني بين خطي السرد، وتخلى عن نسج عبارات بلاغية واضحة، ففي مجمل رواية نبي أرض الشمال ستقف بدهشة تتحرى عددًا محدودًا من العبارات مثل “ما لا تهديه إلى غيرك سيفنى بين يديك” ص 121، “أحيانًا نفقد ثقتنا في أشياء كثيرة، تجعل الحياة عبئًا” ص 152، “الصحبة هي ملجأ الإنسان الآمن في حياته وعند موته” ص 204، “ما أقبح التعميم حين يسحق في طريقه أنفسًا بريئة” ص 291، ” ما جدوى المعرفة ما دمنا جميعًا راحلين؟” ص 309، الجهل قدر في بدايته لكنه يُصبح اختيارًا حين يطمئن الإنسان إليه ولا يسعى للخروج منه” ص 310.
تأمل هذه العبارات المتفرقة، تعكس علاقة الروائي أسامة عبد الرؤوف الشاذلي بالكتابة كأحد أشكال تبادل المعرفة، وليس بوصفها فقط عملًا للمتعة، فإذا كانت أوراق شمعون المصري وعهد دميانة قد حظيتا بلغة تميل إلى الشاعرية وتنحاز إلى جماليات أكثر، فإن اللغة في نبي أرض الشمال وظيفية بامتياز.
نبي أرض الشمال: سلاسة التصاعد
في عدد صفحات تجاوز 400 صفحة بقليل صدرت رواية نبي أرض الشمال في مطلع العام الحالي 2026 عن دار الرواق للنشر والتوزيع، في بناء سردي وحبكة درامية متماسكة ولكنهما خليا من الحيل السردية بل اعتمد الكاتب أن يختار النمط التقليدي والاعتيادي في عمله، بشكل متواز يسير الخط الدرامي لعمر القداح الباحث الذي يسافر إلى فرنسا في بعثة علمية، وبين قدموس الشاعر المارسيلي عاصر الزيتون، الزمن خطي متصاعد باستثناء بعض لحظات الفلاش باك أو العودة إلى الماضي للتعرف على تاريخ الشخصيات وماضيها.
تأتي عائلة عمر القداح قطاعًا عرضيًا يمثل فئات متنوعة الثقافة والاعتقاد وتتشابه مع البيئة المصرية، الأم الحانية التي تتمسك بمصلحة ابنها، فتسافر به إلى عمه المقصى اجتماعيًا بعد آرائه المغايرة للثقافة المجتمعية، لكنها تسافر كي يعالج ابنها الذي أصيب بالصمم بإحدى أذنيه نتيجة عنف من الوالد، والأخت المغلوبة على أمرها والمستمرة في الانجاب بغية الوصول إلى الذكر، وزوج الأخت المنتمي لجماعة دينية، تأتي ندف الحديث عن العائلة في الربع الأول من الرواية وكأنها تلقي نظرة غير متعمقة على حال كثير من المصريين، سرعان ما تخفت آثار العائلة في الأحداث، ولا تظهر إلا في الجزء الأخير من الرواية وكأن الجذور مهما اختفت تعلن عن وجودها في لحظات الوقوف على الحافة بين الموت والحياة.
كذلك عائلات كل شخصيات الرواية أبريال وسلطان وهاجلندا، قدموس وأيولا وأنجوس، الجميع تظهر عائلتهم كماض بعيد، يتجلى كذكريات لتثبت أن الفروع لها جذور وإن كانت في مكان بعيد، بينما يصعد تساؤل لماذا اختار الشاذلي أن تكون عائلة عمر القداح بهذا التنوع الثقافي ولم يستغلها في الأحداث؟
الإشارة إلى حدث إرهابي يقع في مارسيليا ويتم التحقيق مع عمر بوصفه شاهد عيان، على الرغم من اتهامات خفية له كونه عربيا، وسقوط أحمد رحماني متهمًا ومعتقلا لبضعة أشهر، لم تغير بنية الأحداث، ولم تصنع فارقا في ذهنية شخصية البطل، باستثناء طرح بعض تساؤلات، ويمكن هنا الربط بين الحدث الإرهابي واعتقال الباحث الجزائري أحمد رحماني الذي يتحدث عن نظرية خاصة تربط بين الدين والبراكين، وبين مندور زوج الأخت الذي يعتقل أيضًا لبعض الوقت، وقد جاء على لسان البطل، ان مندور ينتمي إلى جماعة دينية، في حين لم يذكر ذلك عن رحماني فهل تشابه المصير يحمل دلالة لم يوضحها الكاتب وتركها حائرة تطن فوق الرؤوس بين تأكيد الصور الذهنية عن مرتكبي الأحداث الإرهابية، وبين دحضها عبر شخصية رحماني ذو المظهر الديني المعتاد للجماعات الدينية وفي نفس الوقت الباحث الجاد الهادئ، لكن وصف الكاتب جاء متناغمًا مع الصور الذهنية الغربية عن مرتكبي الأحداث الإرهابية، وانتمائهم لجماعات دينية تتمتع بمظهر واضح ومتشابه مهما اختلفت الجنسية.
طالما شغف الجميع بفن الحكاية، وهو ما نفخ الحياة في الكثير من القصص التي تناقلتها الجدات والأحفاد، وظلت بهية تعيش لقرون عديدة، وهو ذلك الخيط الذي أمسك به الروائي أسامة عبد الرؤوف الشاذلي في صنع حبكته الدرامية، إنه الحكي دون خيانات كبرى وصراعات تمسك الأنفاس، في كلا الخطين الدراميين تتصاعد الأحداث بمتعة الحكي، صعوبات معتادة، انكسارات متكررة على مدى الحياة، ونجاح يليق بكل من يتمسك بالمعرفة والأمل.
المعرفة كبنية سردية
تأتي المعرفة داخل رواية نبي أرض الشمال كبنية سردية أساسية، وهي المحرك الخفي للتقدم الدرامي، والمعرفة هنا جزء كبير منها مستمد من العلم، وهو ما تكرره شخصيات وإن بدت هامشية مثل منير عم عمر الذي كتب مقالًا يرى فيه أن العلم هو النبي، وأنهم في الشمال أي أوروبا يملكونه بينما نحن نبتعد عنه، وهذا بالتحديد ما يعززه قول المعلم بيثياس حين قال “الجهل قدر في بدايته لكنه يُصبح اختيارًا حين يطمئن الإنسان إليه ولا يسعى للخروج منه” ص 310، ولكي يمكن فهم الجانب المعرفي في هذه الرواية، تأتي مقابلة للشاذلي مع الإعلامي محمود سعد في حلقة من برنامج باب الخلق، حيث يشرح أسامة عبد الرؤوف الشاذلي نظريته في تفسير يأجوج ومأجوج حيث يرى أن المقصود بهما هو البراكين والموجات العاتية (الميجا تاسونامي)، وهو نفس ما يأتي في الأحداث في الخطين الزمانين، وإذا نظرنا إلى التناص مع القرآن سنجد أن ما فعله المعلم بيثياس عندما وصل إلى ثول (أقصى نقطة في الشمال) هو ما فعله ذو القرنين حين لجأ إليه الناس ليحميهم من يأجوج ومأجوج، فقال لهم أعينوني، وجاء بالحديد، ومعه القصدير.
يُحيلنا هذا المشهد تحديدًا إلى التناص الذي يعتمده الكاتب مع النص القرآني، وهو ليس الأول، فقد تناص أيضًا في روايته أوراق شمعون المصري، حين تناص في مواضع عديدة مع النص القرآني.
ملامح مشروع روائي معرفي
المتتبع لكتابات الشاذلي سيرى مشروعًا واضحًا لإعادة قراءة التاريخ وتقديم تفاسير مختلفة للنص القرآني، تعتمد بنية علمية وإعادة قراءة دلالات اللغة، فحسب تصريحات للكاتب أن القرآن معجزة بلاغية، فهو يعيد تفحص الدلالات اللغوية، باعثًا لنظريته ومتممًا لها بالعلم والبحث الذي ينعكس في مواضع عِدة، متنقلًا بين الكتب المقدسة الثلاث، ومناطق مختلفة من العالم كمكان لفضاء نصه، ومكسبًا للمكان قيمته كما يراه، ليس فقط مجرد حيز جغرافي بقدر ما هو يحقق وجهة نظره العلمية التي يسوقها عبر تنوع زمني.
لا يطرق الشاذلي الأبعاد النفسية لشخصياته بعمق، ولكن بالقدر الذي يحتاجه، ففي نبي أرض الشمال لم يأت الحديث عن الغربة التي من المحتمل أن يعيشها عمر القداح إلا محدودًا وسرعان ما تلاشي، فعمر لم يشعر بفداحة الغربة إلا بعد أن هجرته أبريال حبيبته والتي كشف الكاتب كونها يهودية، ثم كشف بعد ذلك علاقتها بإسرائيل، وكأنه يُثير القارئ لتوقع ثمة خيانة علمية أو تجسسية، تلك التي لم تثبت ولم يتماد الكاتب في تغذيتها، مجرد تفاصيل لإثارة حدس القارئ واشعال جذوة خياله.
يُجيد أسامة عبد الرؤوف الشاذلي صهر الجانب المعلوماتي في ثنايا السرد فلا يبدو مستقلًا ولا مقحمًا على النص، حتى أن البعض قد يذهب لتحري بعض المعلومات الواردة للتأكد من كونها معلومات حقيقية وليست سردًا خياليًا، وعن نفسي بحثت عن بيثياس الماسيلي لأجد أنه جغرافي وفلكي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد (زمن الخط السردي الثاني في الرواية) وقام ببناء سفينة كبيرة، وهو نفس الحدث في الرواية،
ربما من الصعب أن نصدر حكمًا أو نقدم جملًا تقريرية عن مشروع روائي من عمله الروائي الثالث، ولكن تشابه السمات بين الروايات الثلاث، والعناصر المعرفية والدرامية، هي ما تجعل الأمر أشبه بمشروع، وليست مجرد روايات تقدم أفكارا، أو بناء دراميا، تلك التشابهات بين البنى في الروايات الثلاث تطرح تساؤلًا بشكل عام وبعيدًا عن المشروع الروائي للشاذلي، لكنه سؤال ظهر مع روايات اعتمدت الجانب المعرفي كجزء أصيل من السرد مثل روايات الروائي صنع الله إبراهيم والروائي إبراهيم عبد المجيد، حتى تلك الروايات التي تعتمد التاريخ والسير الذاتية موضوعًا، فهل يمكن أن تكون الرواية مصدرًا معرفيًا؟










