موعد فى الدور الرابع!

عبد السلام فاروق

أنا امرؤ لا يحضر حفلات توقيع الكتب؛ لا غروراً ولا زهداً ولا انصرافاً عن الناس؛ فأنا أحب الناس والكتب، وأفرح حين أرى كاتباً يكرم.. غير أني لا أفهم لماذا يصر الكاتب على توقيع كتابه بيده، كأنه يوقع إيصال استلام! الكتاب في رأيي وقع على نفسه بمجرد أن خرج إلى النور.. فلماذا نطالبه بإمضاء آخر؟

ثم إن لدي اعتراضاً أكثر جدية، لماذا تقام معظم حفلات التوقيع في الدور الرابع؟ هل تشترط علينا الحركة الثقافية أن نمارس ماراثون صعود السلالم؟! ولماذا لا تصبح الندوات في الدور الأرضي، فيدخل الضيف منا للقاعة دون أن يفقد أنفاسه بين الطابق الأول والأخير؟ إنها مسألة تستحق أن تلتفت إليها ..

ومع ذلك ذهبت..

ذهبت مساء السبت لقاعة محمد حسنين هيكل بنقابة الصحفيين في وسط البلد، لحضور حفل توقيع رواية (شقة المنيب) للكاتب أشرف عبد الشافي، الصادرة عن دار ريشة للنشر والتوزيع.. ذهبت رغم أنني لا أحب السبت ولا المساء ولا وسط البلد! وهذا وحده دليل على أن في الأمر ما يستحق المشقة، حتى لو انتهى بي المطاف إلى الدور الرابع الذي أبغض الصعود إليه.

 شقة تسَع جيلاً

مساء وسط البلد حكاية أخرى؛ شوارع تعود بي إلى زمن كانت فيه الصحافة صاحبة جلالة، والمثقفون ذوو شأن، والكتب كأنها نوافذ وأبواب لعوالم سحرية تخطف الأنفاس وينتظرها المحبون بشغف واهتمام..  الخريف ينساب بنسائمه حولي، إنه فصل أحبه وأخشاه؛ لأنه يوقظ فى ذاكرتي كل ما أرغب فى نسيانه!

كان أشرف عبد الشافي في قلب القاعة، بابتسامته الهادئة وطريقته التي تحضك على الشعور بأنه يستقبلك في بيته لا في حفل لتكريم كتابه.. وهو ابن بلدي من المنيا، وهذه قربي موحية؛ فقد يفرح المرء بلقاء ابن بلد لا يعرفه، لمجرد أن الجغرافيا منحتهما أصلاً واحداً… أشرف صديقي فى الخمسينيات من عمره؛ صحفي وأديب ومدير تحرير بجريدة الأهرام.. وفي الجمع بين الصفتين مفارقة تستحق التأمل؛ فالصحفي يقرأ ما يكتبه الآخرون ليقرر ما يصلح للنشر، بينما يكتب الأديب ما قد يرفضه الآخرون، وقد اجتمعت المهمتان في رجل واحد وهي معجزة إدارية لا أعرف تفسيراً لها.

فى الحفل أجيال وأفكار التقت معاً؛ فحضر المطرب أحمد الطويلة والشاعر الدكتور أحمد الجعفري والناقد ياسر الغبيري، والصحفي مصطفى طاهر والناقد أمل سالم، وآخرون. كانت ليلة هادئة لا صخب فيها ولا ادعاء؛ ضحكات خفيفة وأحاديث متداخلة وكتب تنتقل بين الأيادي.

أصداء الذاكرة

 رواية “شقة المنيب” شهادة فنية ماتعة على جيل التسعينيات في جامعة القاهرة؛ جيل تشكلت صداقاته في المكتبة، واتسعت أحلامه داخل شقة صغيرة، وصنع من الأصدقاء عائلة مؤقتة تواجه العالم بالضحك والحكايات والسيجارة وأحلام الشباب.. وقد اعتدت ألا أثق كثيراً في الحنين؛ فهو أخطر ما يواجه الكاتب حين يستعيد ماضيه؛ إذ يستطيع أن يجعل العادي استثنائياً، والإخفاق بطولة، والشباب زمناً ذهبياً مفقوداً..  إن جيل التسعينيات، الذي أنتمي إليه، لم يكن جيلاً عظيماً ولا جيلاً مغلوباً مظلوماً كجيل الستينيات؛ كان جيلاً يحب ويقرأ ويختلف وهو جالس على الأرصفة، ثم سرقتنا الأيام وأصبحنا مديري تحرير وآباء وأصحاب ذكريات، حكاية عادية تتكرر كل يوم، ولا ينبغي لها أن تثير فينا شجوناً.. لكنها فى “شقة المنيب” ذات جذور..

  الرواية يستعيد فيها أمين، بطل القصة، مراحل حياته استعداداً لكتابة مذكراته، مستحضراً جامعة القاهرة وشلة المكتبة وشقة المنيب، قبل أن تعيد المصادفات بعض الوجوه القديمة إلى مسرح حياته، وهكذا يتحول المكان من جدران وأثاث إلى مستودع للزمن، وتصبح الشقة شاهداً على أحلام أصحابها وانكساراتهم.. لقد وصف أشرف الرواية بأنها هديته لنفسه وأصدقائه ولروح الفنان الراحل عز الفيومي، ولجيل التسعينيات في جامعة القاهرة، وأحسب هذا الترتيب صادقاً، فنحن نكتب لأنفسنا أولاً، ثم يري الآخرون أنفسهم فى مرايا الكلمات.

قرأت لأشرف من قبل: “ودع هواك” و”توأم الشعلة” فوجدت فيه الصحفي الشغوف بالأدب، والأديب المعجون بالصحافة.. وفي “شقة المنيب” يقترب من ذاته أكثر، كأنه يعيد ترتيب حياته على الورق، لا ليسترضي قارئاً أو يستميل ناقداً.. إنه الصدق الفني يتجلي فى سطور الرواية.. فالكتابة التي تنطلق من رغبة داخلية ملحة تنتهي بالصدق.. أما التي تنشأ من سؤال ماذا يريد الناس؟ فقد تنتهي لاستعطافهم دون أن تؤثر فيهم..

سباحة ضد التيار

التقيت حسين عثمان، مؤسس دار ريشة، وتحدثنا عن النشر في مصر، وهي صناعة تبدو كأنها معركة ضد منطق الأشياء.. ليس سهلاً أن تكون ناشراً في بلد ترتفع فيه تكاليف الإنتاج وتتراجع فيه القدرة الشرائية وتتنافس فيه الكتب مع شاشات تخطف الأبصار والعقول.. ومع ذلك، لا تزال دور نشر تصدر الكتب، وتغامر بأعمال جديدة، وتمنح المبدعين فرصة للبقاء في المشهد القلق.

تأسست الدار قبل خمس سنوات، واتجهت إلى نشر المذكرات والسير الذاتية، سعياً لإحياء الذاكرة الوطنية وتعزيز الهوية المصرية.

إن الناشر الذي يواصل العمل في هذه الظروف يستحق تقديراً عظيماً؛ فالوزير يتولى مسئولية الثقافة من موقع رسمي، أما الناشر فيتحمل جانباً كبيراً من كلفتها ومخاطرها من ماله وجهده.. لكن لا ينبغي أن نكتفي بمدح صموده؛ فالصمود ليس سياسة ثقافية، والبطولة الفردية لا تعوض غياب المجموع.. إننا بحاجة لتوسيع قاعدة القراءة، وتحسين توزيع الكتب، ودعم المكتبات العامة، وتخفيف الأعباء عن صناعة النشر، وابتكار منافذ تصل بالكتاب لخارج الدوائر الثقافية المعتادة؛ فالكتاب لا يفتقر لمن يصفق له فحسب، بل لجمهور يبغي شراءه وقراءته ومناقشته.

خلال الأمسية، دار حديث مع الناقد المسرحي أحمد عبد الرزاق أبو العلا حول الرواية وشخصياتها، وحول المكان الذي يتحول لشخصية قائمة بذاتها، كان من رأيه إن لكل منا “شقة منيب” خاصة به؛ مكاناً يخبئ فيه سنواته الأولى، ويعود إليه في الذاكرة حين يضيق به الحاضر! وهو رأي صائب؛ فإن لي غرفة في بيت قديم لم أزرها منذ سنوات.. أعرف أنها ما زالت هناك في انتظاري؛ تضم سريراً ومقعداً وكتاباً لم أتجاوز صفحاته الأولى.. حين أتذكرها، يخيل لي أنني أسمع أصداء تتردد فيها لأكتشف أنه صوتي أنا! في مثل هذه الأمسيات، نلتقي نحن المثقفون معاً لنستعيد معنى غائب، هو المجتمع الثقافي.. ونغادر وقد ازددنا يقيناً أن الثقافة ليست فى حاجة لمهرجان ضخم أو منصة رسمية، بل مجرد غرفة مضاءة، وأناس لديهم ما يقولونه، وكتاب يستحق أن يقرأ!

 الثقافة في غياب الوزير

هنا ينتهي الشطر الذي أحب ذكره، ويبدأ الشطر الذي يفرض نفسه وإن لم أحبه.. ففي أعقاب استقالة الدكتورة جيهان زكي من وزارة الثقافة في يوليو الماضي، عقب صدور حكم قضائي نهائي في قضية متعلقة بحقوق الملكية الفكرية، أُسندت مهام الوزارة إلى وزير التعليم العالي الدكتور عبد العزيز قنصوة بصفة القائم بالأعمال.. وقد تحدثت الوزيرة السابقة في بيان استقالتها عن تجربة قاسية وحملات مست كرامتها وسمعتها.. ثم ترددت عبارة القائم بالأعمال.. عبارة إدارية صيغت لتقول كل شيء ولا تقول شيئاً! فالمسئول موجود لكن المنصب على كف عفريت! والمهام قائمة، لكن المعضلة الثقافية تبقي بلا حل..

لقد أثار استمرار غياب وزير متفرغ تساؤلات في الأوساط الثقافية، بالتزامن مع اضطرابات في ملفات أخرى، كاستقالة رئيس دار الأوبرا المصرية قبيل انطلاق مهرجان الموسيقى العربية، وشكاوى بشأن إدارة بعض الفعاليات والمهرجانات، فضلاً عن الحديث المتكرر حول الركود وغياب الرؤية وتأخر إنجاز ملفات ثقافية مهمة.. والسؤال يظل معلقاً ماذا يراد لوزارة الثقافة؟ وماذا يراد منها؟

 صحيح أن الإدارة الجيدة قد تفتح الأبواب المغلقة وتصحح المسارات وتوفر الموارد وتحاسب المقصرين.. غير أن الثقافة لا تختزل في الوزارة، ولا تبدأ بقرار إداري، ولا تنتهي بتغيير المسئول، والمشكلة ليست في شخص مسئول يغادر أو آخر يأتي، بل في قدرة المؤسسات على العمل وفق خطط واضحة ومعايير معلنة، واستمرارية لا تتوقف بتبدل الأسماء والمناصب.. والأخطر من اضطراب الإدارة اتساع المسافة بين الثقافة الرسمية والشعبية. فبينما تنشغل المؤسسات ببرامجها ومواعيدها ومراسمها، تتراجع القراءة ويصبح الكتاب لدى قطاعات واسعة سلعة مرتفعة الكلفة أو رفاهية مؤجلة!

لا يصح أن نتهم الناس بالجهل لأنهم لا يقرؤون كتباً لا تناسبهم ولا تجذبهم. ربما كانت المشكلة أننا لا نكتب لهم، أو لا نحسن الوصول إليهم، أو نصر على تقديم الثقافة في صورة لا تشبههم.

على الكاتب أن يسأل نفسه دوماً هل يريد قارئاً حقيقياً، أم جمهوراً يرائيه ويصفق له؟ وهل يعرف جمهوره المستهدف أم يكتب لدائرة محدودة مجهولة الأوصاف؟! إن تجديد الثقافة يبدأ من مراجعة العلاقة بين المؤسسة والمبدع والجمهور؛ من المدرسة والمكتبة والجامعة، ومن الصحافة والمنصات الرقمية، ومن أسعار الكتب وطرق توزيعها، وصولاً لحرية التعبير وتعدد الأصوات واحترام الاختلاف، أما الاكتفاء بالمواسم الاحتفالية فلا يصنع حياة ثقافية مستدامة.

عوالم موازية!

فى ذلك المساء بدت ليلة قاعة هيكل نافذة على مصر أخرى؛ مصر التي لا تنتظر تعيين وزير كي تقرأ، ولا قراراً إدارياً كي تكتب.. مصر التي تصوغ ثقافتها في الأمسيات الصغيرة، ودور النشر المستقلة، واللقاءات التي تجمع كاتباً بقارئ، وجيلاً يكافح للبقاء.. هذه ليست دعوة للاستغناء عن المؤسسات، بل تذكير بأن الثقافة أكبر من جهازها الرسمي؛ فالدولة حين تدعمها لا تمنحها الحياة من العدم، وإنما تزيل العقبات من طريق حياة ناهضة طموحة.

الوزارة لا تصنع كاتباً بقرار، لكن باستطاعتها تهيئة المناخ المناسب لإبداعاته.. وهي لا تجذب قارئاً ببيان إعلامي، لكن باستطاعتها تقريب الكتب ليده وعقله.. وهي لا تشتري الوطنية بالشعارات، لكن باستطاعتها حماية  التراث وإتاحة قراءة التاريخ بأصوات وطنية متعددة.

 لعل أجمل ما في رواية “شقة المنيب” أنها تذكرنا بأن الأدب ينطلق من الشخصي للعام.. ومن شقة صغيرة لجيل كامل، ومن ذكرى فردية إلى ذاكرة مشتركة.. لقد جاء أحد الحضور للحفل لأنه وجد في الرواية شيئاً من حياته وذكرياته، كأن أشرف كتب عنه دون أن يعرفه! هنا تكمن قدرة الأدب أن يكتب عنا من خلال الراوي، فيكتشف آلاف الأشخاص أنفسهم بين السطور.. الصحافة تخبرنا بما حدث، أما الأدب فيفتح لنا نافذة لعوالم الوهم والحلم والذكري..

خرجنا نحتضن الشارع، وكان الخريف يواصل سرد منهجه الهادئ. وفي الداخل بقيت الشقة مضاءة، تستقبل أصدقاءها القدامى والجدد، وتنفتح على غد مجهول.. لم يكتب أشرف عبد الشافي حكاية عن شقة فحسب؛ لقد فتح باباً على زمن كامل، ودعانا للدخول لنرى مَن كنا وكيف أصبحنا وما الذي بقي منا بعد أن غادرنا المكان.

نادراً ما أذهب لحفلات توقيع الكتب، لكنني لم أندم هذه المرة؛ لا لأنني خرجت بنسخة موقعة من الرواية، بل لأنني تذكرت أن الكتابة، قبل أن تكون صناعة أو مهنة أو مناسبة اجتماعية، فعل إنساني يقاوم النسيان.. هناك دائماً شقة تنتظر الغائب، ولكل منا غرفة قديمة ورفيق غائب وكتاب لم يكمله وحياة يتمنى لو استطاع أن يعيد ترتيبها.. أما أنا، فلا أفضل فتح الأبواب المغلقة، بل  أقف أمامها، أتخيل ما وراءها ثم أكتب عنها.. وربما كانت تلك في النهاية طريقتي المثلي لدخول آمن لا يسرق من ذكرياتي كنزها المدفون!

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع