من «مقالة الزجاج»

آن كارلسون

آن كارسون

ترجمة: محمود خليفة

إنه الصباح.

ضوءٌ مندهش يغمر البرية من الشمال إلى الشرق.

أمشي نحو الضوء.

إحدى طرق تأجيل الوحدة هي أن تُوسِّط الرب بينك وبينها.

 

كانت لإميلي علاقةٌ بهذا المستوى مع شخص تدعوه «أنتَ».

تصف «أنتَ» بأنه يسهر مثلها طوال الليل

ويمتلك قوة غريبة.

 

«أنتَ» يغازل إميلي بصوت يأتي من ريح الليل.

«أنتَ» وإميلي يؤثّر كلٌّ منهما في الآخر داخل الظلام،

يلعبان قريبًا وبعيدًا في آنٍ واحد.

 

تتحدث عن حلاوة “أثبتت أننا واحد”.

لا أرتاح إلى النموذج التعويضي للتجربة الدينية للنساء،

ومع ذلك،

لا شك في أن

وجود صديق أبوح له بأشياء في الليل سيكون حلوًا،

دون ثمن جنسي فادح أدفعه.

إنها فكرة صبيانية، أعرف.

تعليمي، عليّ أن أعترف، كان مثقّبًا.

القواعد الأساسية للعلاقات بين الذكر والأنثى

غرستها الأجواء السائدة في عائلتي.

الكلام المباشر غير مسموح.

أذكر أنني كنت أجلس ذات أحد في المقعد الخلفي للسيارة.

وكان أبي في الأمام.

كنا بالممر في انتظار أمي،

التي جاءت من خلف زاوية المنزل

واتخذت مقعد الراكب المساعد،

مرتديةً بدلة شانيل صفراء وحذاءً أسود عالي الكعب.

رمقها أبي بنظرة جانبية.

“تُظهرين قدرًا لا بأس به من ساقيك اليوم يا أم الأولاد”، قال

بنبرةٍ (في الحادية عشرة من العمر) بدت لي غريبةً.

حدّقت في مؤخرة رأسها منتظرةً ما ستقوله.

إجابتها ستوضح الأمر.

لكنها اكتفت بضحكة غريبة تغطيها الحبال.

في وقت لاحق من ذلك الصيف، ربطت تلك الضحكة بأخرى

سمعتها مصادفةً وأنا أصعد الدرج.

كانت تتحدث في الهاتف داخل المطبخ.

“حسنًا، ستكون المرأة سعيدة بالقدر نفسه بقبلة على خدها

في معظم الأحيان، لكنك تعرف الرجال”،

كانت تقول. ضحكة.

ليست حبالًا. أشواك.

كنت قد وصلت إلى منتصف البرية،

حيث تهبط الأرض إلى بقعة مستنقعية منخفضة.

ماء المستنقع متجمّد تمامًا.

قطع عشب ذهبي

نقشت نفسها

على الجانب السفلي من الجليد، كأنها رسائل.

 

سآتي حين تكونين في أشد حالات حزنكِ،

مستلقيةً وحيدةً في غرفتكِ المظلمة؛

حين يتلاشى صخب النهار المجنون،

وتغيب ابتسامة الفرح عن وجهكِ.

 

سآتي حين تفرض مشاعر قلبكِ الحقيقية

سيطرتها الكاملة دون تحيّز،

وحين يتسلّل تأثيري إليكِ،

فيتعمّق الأسى، ويتجمّد الفرح،

لأحمل روحكِ بعيدًا.

 

أنصتي! ها قد جاءت الساعة،

الوقت المروّع لكِ:

ألا تشعرين بروحكِ تغرق

في سيلٍ جارفٍ من الأحاسيس الغريبة،

طلائعَ قوةٍ أشدّ بأسًا،

تُنذر بقدومي؟

يصعب قراءة الرسائل التي تعبر

بين «أنتَ» وإميلي.

في هذه القصيدة تعكس إميلي دوريهما،

 

فتتكلم لا بوصفها الضحية، بل تخاطب الضحية.

تبعث القشعريرةَ رؤيةُ «أنتَ» يحوم فوق «أنتَ»،

الذي يرقد وحيدًا في الظلام منتظرًا أن يُستعبد.

وإنها لصدمة أن ندرك أن هذا التواطؤ الخافت البطيء

بين السيد والضحية داخل صوت واحد

هو مبرّر

 

لأفظع وحدة تعيشها الشاعرة في تلك الساعة.

لقد عكست دوري «أنتَ» و«أنتَ»

لا استعراضًا للقوة،

بل لتنتزع من نفسها شيئًا من الشفقة

على هذه الروح الحبيسة داخل زجاج،

إبداعها الحقيقي.

 

تلك الليالي التي قضيتها مستلقيةً وحدي

ليست منفصلة عن هذا الفجر البارد العصيب.

هذا ما أنا عليه.

 

أهي دعوةٌ إلى الغضب؟

لماذا نفسّر الصمت

بأنه الحضور الحقيقي؟

 

لماذا أنحني لأقبّل عتبة هذا الباب؟

لماذا تتمزّق أوصالي وأُسحق وأذوي

وأنا أتخيّل شخصًا رحبًا يمكنني أن أُنفّس فيه عن انتفاخ روحي؟

 

كانت إميلي تحب المزمور 130.

“تنتظر نفسي الربَّ أكثر مما ينتظر الحراسُ الصباحَ،

أقول: أكثر مما ينتظر الحراسُ الصباحَ”.

 

أحب أن أصدّق أن فعل المراقبة نفسه كان يمنحها ملاذًا،

وأن تواطؤها مع «أنتَ» خفّف الغضب والرغبة:

“فيك ينطفئان كنار الشوك”، يقول كاتب المزامير.

أما أنا فلا أؤمن بذلك، ولم أنطفئ بعد؛

بوجود «أنتَ» أو بغيابه، لا أجد ملاذًا.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع