حسن غريب أحمد
1. النقود
في الليلة التي سبقت سفره إلى القاهرة، وضع حسن أوراق الفحوص فوق المنضدة، وأخرج ما في جيبه من نقود. عدّها مرة، ثم أعاد عدّها، كأن العدد قد يتغير إذا أبطأ في الحساب.
لم يتغير شيء.
على الطرف الآخر من الغرفة، كان ابنه الصغير يحاول خلع حذائه الطبي. جذب الرباط بأسنانه، ثم استعان بيديه، حتى تمكن من إخراج قدمه المتعبة.
قالت أمه من جوار الباب:
— سيبه يا حبيبي، هساعدك.
قال الصغير:
— أنا عرفت أخلعه لوحدي.
توقف حسن عن عد النقود، ونظر إليه. كان الحذاء كبيرًا قليلًا، صلبًا، مصنوعًا ليصحح انحناءة في ساقين لم تعرفا بعد كيف تستقيمان كما ينبغي.
أعاد النقود إلى جيبه، ثم مد يده إلى الملف الأزرق. كانت فيه طلبات الطبيب، ونتائج فحوص سابقة، وورقة تطلب فحصًا جديدًا للقلب. لم يكن يعرف ما الذي ستكشفه الصور، لكنه كان يعرف ما الذي ستطلبه منه الرحلة: أجرة الذهاب، وتكلفة الفحوص، والدواء، وشيئًا يأكله، ومكانًا ينام فيه إن امتد الانتظار.
سألته زوجته:
— هتحتاج فلوس تاني غير اللي معاك؟
أجاب وهو يغلق الملف:
— لا أعرف.
لم تكن الإجابة التي تنتظرها، لكنها لم تسأله مرة أخرى.
في الخارج، كانت العريش تستعد لليلها المعتاد. مرّت سيارة مسرعة، ونبح كلب من شارع جانبي، ثم عاد السكون إلى الحي. تذكر البحر، وفكر أنه لم يذهب إليه منذ أيام.
كان البحر، في الماضي، لا يحتاج إلى موعد.
أما الطبيب، فكان يحتاج إلى سفر.
2. صديق في غرفة الكشف
كان صديقي طبيب العريش يعرف حسن قبل أن يعرف تفاصيل مرضه. جمعتهما صداقة لم تقف عند حدود العيادة؛ فإلى جانب عمله طبيبًا في الباطنة، كان صديقي يشاركه الاهتمام بالأدب والثقافة العربية، ويستمع إلى أحاديثه عن الكتب والنقد والكتابة كما يستمع إلى شكواه من الجسد.
كان حسن قد اعتاد، في زياراته، أن يبدأ الحديث بالأعراض، ثم ينسى نفسه قليلًا في الكلام عن نص قرأه أو فكرة يريد أن يكتبها.
وكان صديقي يترك له مساحة للكلام، ثم يعيده برفق إلى ما جاء من أجله.
في إحدى الزيارات، وضع حسن أوراق الفحوص على المكتب. تناولها صديقي وبدأ يراجعها، بينما ظل صديقه يتابع ملامحه، كأنه يريد أن يقرأ النتيجة قبل أن ينطق بها الطبيب.
قال حسن:
— قل لي بصراحة يا صديقي ، هل أنا أتحسن، أم أنني أدور في المكان نفسه؟
رفع صديقي الطبيب عينيه إليه.
— أنت تريد إجابة يطمئن إليها قلبك، لكنني لا أستطيع أن أعطيك وعدًا لا تؤيده الفحوص.
نراجع النتائج، ونستكمل ما يلزم، ونمضي خطوة خطوة.
ابتسم حسن ابتسامة باهتة.
— حتى الحياة صارت تطلب مني استكمال أوراقها قبل أن تسمح لي بالمرور.
ضحك صديقي ضحكة قصيرة، ثم أعاد ترتيب الأوراق.
— أنت الذي تحوّل كل شيء إلى نص أدبي، حتى المرض لم تتركه يعيش من غير عنوان.
قال حسن:
— وهل بقي لي غير الكتابة؟
الجسد يضيق، والطريق يطول، والدواء لا يتوافر كله، والمال له آخر، أما الورقة فلا تسألني كم بقي في جيبي.
سكت صديقي قليلًا.
لم يحاول أن يرد على الألم بموعظة، ولم يقل له إن كل شيء سيكون بخير. كان يعرف أن الصداقة لا تعني أن نكذب على من نحب، وأن بعض المواساة يبدأ من الاعتراف بأن الطريق شاق.
قال أخيرًا:
— اكتب يا حسن، لكن لا تجعل الكتابة بديلًا عن العلاج.
تابع فحوصك، وخذ دواءك وفق تعليمات الأطباء، واترك لنا ما لا تستطيع أن تحمله وحدك.
نظر حسن إليه.
شعر أن الجملة تجاوزت حدود النصيحة الطبية؛ فقد كان صديقي طبيب العريش يذكّره بأن الإنسان ليس مطالبًا بأن يواجه كل شيء بمفرده.
قال حسن، محاولًا استعادة خفة الحديث:
— سأكتب، لكن بشرط.
— وما هو؟
— أن تقرأ ما أكتبه حين أنتهي منه، لا أن تسألني كل مرة عن صحتي فقط.
ابتسم صديقي .
— اتفقنا.
لكن بشرط أن تكتب شيئًا يستحق القراءة.
ضحك الاثنان.
كانت ضحكة قصيرة، لم تغيّر شيئًا في نتائج الفحوص، لكنها أعادت إلى الغرفة للحظة رجلين يعرف أحدهما الآخر خارج حدود المرض.
وحين غادر حسن العيادة، كان يحمل أوراقه وأسئلته كما جاء، لكنه لم يكن يشعر أنه يحملها وحده.
لم يَعِده صديقه بالشفاء، ولم يكن في وسعه أن يختصر له الطريق؛ منحه فقط حقه في أن يظل كاتبًا، لا ملفًا طبيًا يمشي على قدمين.
3. الطريق
غادر العريش في الصباح.
جلس في سيارة الأجرة بين رجل يحمل حقيبة صغيرة وشاب يضع سماعات في أذنيه.
لم يتبادلوا الحديث. كان الطريق طويلًا بما يكفي ليجعل كل واحد منهم ينشغل بما يحمله داخله.
عند القنطرة شرق، نزل الركاب للتفتيش.
حاول حسن أن يهبط بسرعة، لكن قدمه تأخرت عنه.
أمسك بحافة الباب، وانتظر حتى استعاد توازنه.
قال السائق، من غير أن يلتفت إليه:
— براحة يا حاج، مفيش حاجة مستاهلة الوقعة.
ابتسم حسن ابتسامة قصيرة.
لم يكن هناك ما يستحق الوقعة فعلًا، لكن الجسد أحيانًا يسقط في اللحظة التي يقرر فيها صاحبه أن يتصرف كأن شيئًا لم يحدث.
عبروا القناة، ثم توقفوا مرة أخرى.
كان التفتيش يتكرر، وكانت الرحلة تنقسم إلى مقاطع صغيرة، لكل مقطع بوابة وانتظار وسؤال.
حين وصل إلى محطة القطار، أحس بأن التعب قد سبق وصوله.
اشترى تذكرة إلى القاهرة، ثم جلس في مكان جانبي حتى يحين موعد الرحيل.
أخرج الملف الأزرق، وراجعه للمرة الرابعة.
تذكر كلام محمد: «نراجع النتائج، ونمضي خطوة خطوة».
لكن الخطوة التي تبدو قصيرة في كلام الطبيب كانت، في الطريق، مسافة طويلة من الانتظار والألم والنقود التي تنقص.
لم يكن يخشى أن ينسى الأوراق بقدر ما كان يخشى أن يكتشف أن كل هذه المسافة لا تقود إلى إجابة.
4. المقعد
كان القطار القادم من بورسعيد مزدحمًا.
اندفع الركاب إلى الأبواب قبل أن يستقر القطار في مكانه، وتداخلت النداءات مع أصوات الحقائب واحتكاك الأجساد.
صعد حسن ببطء.
وجد رجلًا يجلس في المقعد المسجل على تذكرته، واضعًا حقيبة كبيرة على المقعد المجاور.
قال:
— لو سمحت، هذا مقعدي.
رفع الرجل رأسه، ثم نظر إلى التذكرة.
— اقعد في أي مكان فاضي يا أستاذ. القطر زحمة، وكلنا رايحين مشوار.
قال حسن:
— أنا تعبان، ومحتاج أقعد في مكاني.
أزاح الرجل حقيبته قليلًا، لكنه لم يتحرك.
— وأنا كمان تعبان. فاكرني مسافر أتنزه؟
لم يرد حسن.
كان يستطيع أن يرفع صوته، وأن يستدعي الكمساري، وأن يحول المقعد إلى قضية صغيرة لها شهود وحجج. لكنه كان يعرف أن بعض المعارك تستنزف ما لا يملكه المرء قبل أن تنتهي.
وقف ممسكًا بعمود معدني، بينما كانت ساقه ترتجف تحت ثقل جسده.
مرّ شاب يحمل حقيبة ظهر. رأى المشهد، ثم قال للرجل الجالس:
— يا عم، الراجل معاه تذكرة. وسّع له.
رد الرجل بضيق:
— ما تدخلش نفسك في اللي مالكش فيه.
تدخلت امرأة تجلس قرب النافذة:
— هو طلب حقه، مش طلب منك صدقة.
نظر الرجل حوله. وجد عيونًا تتجه إليه، فرفع حقيبته أخيرًا، وتحرك إلى جوار النافذة.
جلس حسن.
لم يشكر أحدًا.
لم يكن يعرف من الذي ينبغي أن يشكره: الشاب الذي تدخل، أم المرأة التي تكلمت، أم الرجل الذي تنازل أخيرًا عن شيء لم يكن ملكه.
وضع الملف على ركبتيه، وأراح رأسه إلى الخلف.
بعد دقائق، قال الرجل الجالس بجواره، وقد خفتت حدة صوته:
— رايح القاهرة للعلاج؟
أومأ حسن.
— ربنا يشفيك. أنا رايح أخلّص ورق لابني. بقالنا شهر بنلف.
لم يجد حسن ما يقوله.
كان الرجل نفسه الذي ضايقه قبل قليل، لكنه لم يعد يبدو له الشخص ذاته تمامًا. أو لعل التعب أظهر منه وجهًا، وأخفى آخر.
تحرك القطار، وبدأت البيوت تتراجع وراء الزجاج.
أخرج حسن منديلًا ومسح عرقه. ثم أغلق عينيه، لا لينام، بل ليمنح جسده لحظة لا يطالبه فيها أحد بشيء.
5. العربة التي لا تنام
لم يطل الهدوء.
مرّ بائع يحمل أكياسًا صغيرة، ينادي على بضاعته بإيقاع متكرر. تبعه آخر يبيع المشروبات، ثم ثالث يرفع صوته حتى غطى على حديث الركاب.
في الممر، كان طفل يبكي. أمه تحاول تهدئته، وأبوه يطلب منها أن تصبر، ثم ينفد صبره هو أيضًا.
قال الرجل المجاور لحسن:
— الواحد بيدفع ثمن التذكرة عشان يسافر، مش عشان يسمع كل الأصوات دي.
ابتسم حسن.
— يمكن كل واحد بيحاول يبيع صوته قبل ما يوصل.
ضحك الرجل للمرة الأولى.
بعد قليل، ارتفع صوت شاب يمازح رفاقه، ثم أطلق تعليقًا على امرأة تمر في الممر. التفتت المرأة إليه وقالت بحدة:
— احترم نفسك.
أنا مش موضوع للتسلية.
سكت الشاب لحظة، ثم أشاح بوجهه وهو يتمتم بكلمات لم يسمعها أحد بوضوح.
تابعت المرأة طريقها.
لم ينقذها أحد، ولم تكن بحاجة إلى أن ينقذها أحد؛ فقد وضعت حدًّا واضحًا لما لا تقبله.
راقبها حسن حتى جلست في مكانها، ثم أعاد نظره إلى النافذة.
لم يكن يحب ذلك النوع من الجرأة الذي يتغذى على إحراج الآخرين، ولا ذلك الصمت الذي يمنح الوقاحة فرصة لتبدو أمرًا عاديًا.
عند باب العربة، مرّ الكمساري يراجع التذاكر. حاول أحد الركاب أن يتجنبه، ثم اختفى في اتجاه العربة الأخيرة. صاح الكمساري في أثره، لكن القطار ابتلع الكلمات بين ضجيجه.
قال الرجل المجاور:
— كل واحد عايز ياخد حقه، حتى لو كان حق غيره.
رد حسن:
— وأحيانًا، كل واحد بيكون فاكر إن اللي أخده من غيره مجرد حاجة صغيرة.
نظر الرجل إليه، ثم عاد إلى أوراقه.
في تلك اللحظة، شعر حسن برغبة في تدوين الجملة. فتش عن قلم، فلم يجده.
فتح حقيبته، وأخرج وصفة الطبيب، وقلبها على ظهرها، لكنه لم يكتب.
كان القطار يضطرب على القضبان، وكانت يده لا تثبت كما يريد.
تذكر محمد رستم، وكيف كان صديقه يعامله ككاتب يستطيع أن يصوغ من جملة عابرة سؤالًا كبيرًا.
ابتسم في نفسه.
لم يكن يريد أن يكتب عن الناس من موقع من يحاكمهم؛ كان يريد أن يفهم لماذا يضيق الإنسان بأخيه، ولماذا يفتح له قلبه أحيانًا في اللحظة التي لا يتوقعها أحد.
أعاد الورقة إلى الملف.
بعض الجمل، مثل بعض الآلام، لا تجد طريقها إلى الخارج في اللحظة التي تولد فيها.
6. القاهرة
حين وصل القطار إلى القاهرة، كان النهار قد انحسر، وبقي في المحطة ضوء متعب لا يبدد ظلال الوجوه.
نزل حسن متكئًا على حقيبته.
تحرك الناس من حوله بسرعة، كأن لكل واحد منهم بابًا يعرفه وموعدًا لا يحتمل التأخير.
أما هو، فكان يحتاج إلى أن يقف قليلًا قبل أن يقرر إلى أين يذهب.
في محطة رمسيس، سأل عن الطريق إلى مركز الفحوص.
شرح له أحد العاملين الاتجاهات بسرعة، ثم أشار بيده إلى المخرج.
خرج إلى الشارع.
كانت السيارات تتدافع، والأبواق تتلاحق، والباعة يرفعون أصواتهم، والوجوه تعبر أمامه دون أن تترك أثرًا. أحس أن القاهرة لا تراه، وأنه لا يملك الوقت ليطلب منها ذلك.
ذهب إلى موعده، وسلّم الأوراق، وجلس ينتظر.
نادوا اسمه بعد وقت طويل.
دخل غرفة الفحص، وأجاب عن الأسئلة، ثم عاد إلى مقعده.
خرج الطبيب بعد مدة، وأشار إليه أن يقترب.
قال:
— لازم نكمل الفحوص.
النتيجة هتحدد الخطوة اللي بعدها.
سأله حسن:
— يعني الوضع خطر؟
تأمل الطبيب الورق قليلًا.
— ما نقدرش نحكم قبل ما تكتمل الصورة.
المهم ما تهملش المتابعة.
أومأ حسن.
كان يريد إجابة أكبر، إجابة تضع حدًّا لهذا الطريق المفتوح، لكن الطبيب لم يكن يملكها، ولم يكن من العدل أن يطالبه بما لا يعرف.
خرج إلى الممر، وأخرج محفظته. دفع ثمن الفحص، ثم راجع ما تبقى معه.
لم يكن المبلغ يكفي لليلة في مكان مريح، ولا لوجبة جيدة، ولا لكل ما قد يطلبه الغد.
وقف أمام باب المركز لحظة، ثم عاد إلى المحطة.
كان عليه أن يجد مكانًا يجلس فيه حتى الصباح.
7. المقعد الثاني
في رمسيس، بدت المقاعد الحديدية أكثر قسوة مما تخيل.
اختار مقعدًا بعيدًا عن حركة العابرين، ووضع حقيبته إلى جواره، ثم حاول أن يمد ساقه.
لم يستطع.
جلس مستقيمًا، وأغلق عينيه.
كان التعب يطالب بحقه، لكن جسده لم يجد وضعًا يريحه.
كلما استند إلى الخلف، اشتد الألم في موضع، وحين يغير جلسته انتقل الألم إلى موضع آخر.
اقترب عامل نظافة يدفع عربة صغيرة. توقف حين رأى الملف على ركبة حسن.
— مستني القطر يا حاج؟
فتح حسن عينيه.
— مستني الصبح.
نظر العامل إلى حقيبته، ثم إلى وجهه.
— من بعيد؟
— من العريش.
هز العامل رأسه.
— مشوار طويل.
ربنا يقويك.
واصل طريقه، ثم عاد بعد دقائق يحمل كوبًا ورقيًا.
— خُد، شاي.
لسه سخن.
أخرج حسن يده إلى جيبه.
— بكام؟
ضحك الرجل.
— هو كل حاجة لازم تبقى بفلوس؟
تردد حسن، ثم أخذ الكوب.
— ربنا يجبر بخاطرك.
ابتعد العامل، وبقي حسن يتأمل الشاي. لم يكن شيئًا عظيمًا، ولم يغير شيئًا في نتائج الفحوص، ولم يخفف تكاليف السفر أو الدواء.
لكنه أعاد إلى المكان، للحظة قصيرة، شيئًا من معنى أن يكون الإنسان مرئيًّا.
شرب ببطء.
كان الشاي أكثر سخونة مما توقع، فتركه يبرد قليلًا، ثم ارتشف منه مرة أخرى.
على المقعد المقابل، كان رجل مسن ينام وفمه مفتوح.
بجواره فتاة تسند رأسها إلى حقيبة، وأم تلف ذراعيها حول طفل نائم. كل واحد منهم صنع لنفسه مساحة صغيرة داخل المحطة، مساحة مؤقتة لا تشبه البيت، لكنها تكفي حتى يطلع النهار.
أخرج حسن هاتفه، وفتح صورة قديمة للبحر في العريش.
ظهر الشاطئ خاليًا، والماء ممتدًا تحت سماء باهتة.
كبّر الصورة قليلًا، حتى اختفى طرف الشاطئ وبقي الماء وحده.
تذكر نفسه قبل المرض، جالسًا على الرمال، يتحدث إلى البحر عن خلافاته، وعن الأيام التي يعود فيها إلى البيت مثقلًا بما لم يستطع قوله.
لم يكن البحر يجيبه، لكنه كان يصغي بطريقته؛ يرسل موجة ثم يسحبها، كأنه يقول إن كل شيء يصل إلى الشاطئ لا بد أن يغادره يومًا.
ثم تذكر صديقه محمد.
لو كان قريبًا منه الآن، لربما قال له إن المقعد الحديدي لا يصلح سريرًا، وإن عليه أن يبحث عن مكان يرتاح فيه. وربما سأله عن الكتاب الذي وعده أن يقرأه.
ابتسم حسن، ثم نظر إلى المقعد الذي تحته.
كان يتمنى لو استطاع أن يخبر صديقه أن الحياة لا تمنح الإنسان دائمًا ما يحتاج إليه، لكنها تترك له أحيانًا كوب شاي، وصورة بحر، ووجهًا يتذكره حين يشتد الليل.
أغلق الهاتف ووضعه في جيبه.
هذه المرة، لم يحاول النوم. ترك الليل يمر، وراقب حركة المحطة حتى تغير لون الزجاج، وبدأت الوجوه الأولى تستيقظ على عجلة الصباح.
8. نصف وصفة
عاد إلى العريش بعد أن أنهى ما استطاع من الإجراءات.
كانت حقيبته أخف، لكن الملف الأزرق ازداد أوراقًا، وبقي السؤال الذي جاء به إلى القاهرة مفتوحًا.
في مركز التأمين الصحي، جلس أمام الطبيب الذي راجع نتائج الفحوص، وكتب له العلاج، وأوصاه باستكمال المتابعة وفق ما تقتضيه حالته.
ذهب إلى الصيدلية الملحقة بالمركز. تسلم بعض الأدوية، ثم أخبره الصيدلي أن بقية الأصناف غير متوافرة.
قال حسن:
— أجيبها منين؟
أجابه الصيدلي:
— اسأل في الصيدليات الخارجية. يمكن تلاقيها.
— وبكام؟
ذكر له السعر التقريبي.
أخرج حسن محفظته، ثم أعادها إلى جيبه دون أن يفتحها.
لم يكن الصيدلي مسؤولًا عن خلو الرف، ولم يكن يملك أن يملأه بكلمة.
أخذ حسن ما توافر من الدواء، وشكر الرجل، وخرج.
في البيت، وضعت زوجته الأدوية على المنضدة، وقارنتها بالوصفة.
— دي كل الأدوية؟
قال:
— اللي موجود.
— والباقي؟
جلس على الكرسي، ومد ساقه بحذر.
— لما ربنا يسهل.
لم تقل شيئًا.
أخذت الوصفة ووضعتها في درج صغير، إلى جانب إيصالات قديمة وأوراق لا تعرف متى ستحتاج إليها.
فتح حسن عينيه نحو المنضدة.
كان يرى فيها أكثر من دواء ناقص: أجرة رحلة، وفحصًا آخر، واحتياجات البيت، وحذاء الطفل الذي سيحتاج إلى تغيير مقاسه يومًا ما.
لم يكن يريد أن يجعل أسرته تعيش داخل خوفه.
لذلك، حين سأله ابنه إن كان الطبيب قد عالجه، أجاب:
— كتب لي علاجًا، وإن شاء الله نكمل الباقي.
قال الصغير:
— يعني هتبقى كويس؟
نظر حسن إلى وجهه.
— هعمل اللي أقدر عليه.
لم تكن وعدًا بالشفاء، لكنها كانت أصدق ما استطاع قوله.
9. دفتر المعاش
في أول الشهر، جلس حسن إلى المنضدة نفسها، ووضع أمامه ورقة بيضاء وقلمًا.
كتب قيمة المعاش في أعلى الصفحة، ثم بدأ يوزع المبلغ على ما ينتظره: الدواء، والطعام، والكهرباء، ومصاريف الأولاد، ومستلزمات المدرسة، وما قد يظهر فجأة من احتياجات لا يمكن تأجيلها.
كلما كتب بندًا، انتقص من بند آخر.
كان يستطيع أن يؤجل شراء اللحم، وأن يقلل من الأسماك والدواجن، وأن يكتفي بما يتوافر من طعام بسيط. لكنه لم يكن يستطيع أن يؤجل المرض حتى نهاية الشهر، ولا أن يطلب من ابنه أن يؤجل نمو قدميه حتى يصبح الحذاء الطبي أرخص.
دخلت زوجته، فرأت الورقة.
قالت:
— بتعمل إيه؟
— بحاول أخلي الفلوس تكفي.
اقتربت من المنضدة، ونظرت إلى الأرقام.
— والدواء اللي ناقص؟
طوى الورقة مرة واحدة.
— هنتصرف.
جلست قبالته. ظلت ساكتة قليلًا، ثم قالت:
— أنا مش خايفة من قلة الفلوس قد ما أنا خايفة عليك. كل مرة تسافر، بترجع أضعف.
رفع عينيه إليها.
لم يكن قد سمع منها هذه الجملة من قبل، أو ربما لم يكن قد انتبه إلى ما وراء كلماتها في المرات السابقة.
قال:
— وأنا بخاف أرجع من غير ما أعمل حاجة.
أطرقت، ثم جمعت الأوراق من أمامه ورتبتها.
لم تحل المحادثة مشكلة المال، ولم تجعل الطريق إلى القاهرة أقصر، لكنها أزاحت شيئًا من الصمت الذي تراكم بينهما.
كان كل واحد منهما يحمل خوفه بطريقته، ويظن أن الآخر لا يراه.
بعد أن خرجت، أعاد حسن فتح الورقة. لم يجد حلًّا جديدًا.
اكتفى بأن يكتب في أسفلها: «المتبقي».
ترك بعد الكلمة مساحة بيضاء.
10. المرأة التي لم تعد
في بعض الليالي، حين يهدأ البيت وتنام الأصوات، كانت ذاكرته تذهب إلى زوجته الأولى، ابنة خاله من الشيخ زويد.
لم يكن يستدعي وجهها ليحاكمها، ولا ليبرئ نفسه. كان يستعيد سنوات مضت، وحياة انقطعت قبل أن يعرف أي الطريقين كان سيقوده إلى سكينة أكبر.
كان يتساءل أحيانًا: لو لم نفترق، هل كنت سأكون الآن أقل وحدة؟ ثم يعود فيسأل نفسه: وهل كانت الحياة ستسير كما تمنيت، أم كانت ستمنحني أوجاعًا أخرى لم أعرفها؟
لم يجد جوابًا.
أدرك أن الذاكرة لا تعيد الماضي كما كان؛ إنها تنتقي منه ما يناسب الوحدة التي نعيشها في الحاضر. قد تجعل الغائب أكثر رحمة مما كان، وقد تجعل الحاضر أكثر قسوة مما يستحق.
في الغرفة المجاورة، سمع ابنه يتحرك في نومه، ثم عاد الصمت.
نهض ليطمئن عليه. وجد الحذاء الطبي إلى جوار السرير، مرتبًا بعناية، ينتظر الصباح. أعاد الغطاء إلى كتف الصغير، ثم وقف قليلًا يتأمله.
لم يكن يستطيع إصلاح كل ما انكسر في حياته، ولم يكن يعرف كيف يضمن لأبنائه مستقبلًا خاليًا من الألم. لكنه استطاع أن يغطي كتفًا صغيرة، وأن يعيد حذاء إلى موضعه، وأن يبقى إلى جوار سرير حتى يطمئن.
أحيانًا، لا يمنحنا الماضي فرصة لتصحيح ما حدث فيه، لكن الحاضر يترك لنا أشياء صغيرة يمكن أن نفعلها.
عاد إلى غرفته، وأطفأ الضوء.
11. قبر أمي
كان يزور قبر أمه كل خميس، حين تسمح له صحته وظروفه بذلك.
يذهب محملًا بكلام لا يعرف كيف يبدأه، ويقف أمام القبر طويلًا، ثم يجلس إذا استطاع.
في إحدى الزيارات، حمل معه وردة صغيرة.
وضعها إلى جوار الشاهد، ومسح التراب عن طرفه بيده السليمة.
قال بصوت خافت:
— تعبت يا أمي.
لم ينتظر جوابًا.
كان يعرف أن الموت لا يعيد إلينا الذين نحبهم، وأن القبر لا يفتح أبوابه للندم. ومع ذلك، ظل يشعر أنه جاء متأخرًا، وأن أشياء كثيرة كان ينبغي أن يقولها لها حين كانت تسمعه.
تذكر يدها وهي ترتب ثيابه، وصوتها حين تناديه من آخر البيت، وقلقها الذي كان يضايقه في شبابه، ثم صار يتمنى لو يسمعه مرة أخرى.
أخرج منديلًا ومسح عينيه.
حاول أن ينهض، فاحتاج إلى وقت حتى استقرت قدمه تحت جسده.
قبل أن يغادر، التفت إلى القبر مرة أخيرة.
لم يكن يحمل من الزيارة عزاء كاملًا. لكنه حمل معه إحساسًا بأن بعض الروابط لا تنتهي حين ينتهي الكلام، وأن الحزن، مهما طال، يظل شكلًا من أشكال الوفاء.
في طريق العودة، مرّ بائع يبيع الخبز. اشترى أرغفة قليلة، ووضعها في كيس صغير.
كان عليه أن يعود إلى البيت قبل أن يبرد الطعام، وقبل أن يستيقظ الصغار من نومهم.
12. الورقة البيضاء
لم يكن في البيت مكان يخصه وحده. لكل غرفة وظيفة، ولكل ركن حاجة، ولكل ساعة صوت يدخل إليها من باب أو نافذة.
إذا جلس ليكتب، طلب منه أحد الأبناء شيئًا، أو احتاجت زوجته إلى مساعدته، أو باغته الألم وهو يحاول أن يثبت يده فوق الورق.
فكر أكثر من مرة في استئجار غرفة صغيرة يكتب فيها. غرفة لها نافذة، ومكتب، وكرسي لا يحتاج إلى أن يعتذر منه كلما أراد الجلوس.
لكنه كان يعرف أن إيجار الغرفة سيقتطع من دواء أو طعام، وأن المكان الذي يحلم به لا يمكن أن يصبح حقًا له على حساب احتياجات أسرته.
لذلك عاد إلى المنضدة.
أزاح عنها بعض الأوراق، ووضع أمامه دفترًا قديمًا.
بقي ينظر إلى الصفحة البيضاء.
لم يكن ينقصه الكلام؛ كان ينقصه الطريق من الكلام إلى الكتابة.
كتب: «في القطار…»
ثم توقف.
عاد إليه الرجل الذي احتل مقعده، والشاب الذي تدخل، والمرأة التي رفضت التعليق عليها، وعامل النظافة الذي قدم له كوب الشاي.
تذكر كيف تغير الرجل الغاضب حين عرف أنه مسافر للعلاج، وكيف لم يتغير شيء في تكاليف الرحلة رغم تلك اللحظة الإنسانية الصغيرة.
وتذكر محمد رستم، حين قال له إن الكتابة لا ينبغي أن تكون بديلًا عن العلاج، وإن عليه أن يترك للآخرين فرصة أن يحملوا معه بعض ما يعجز عنه.
كان حسن قد اعتاد أن يجعل من الصبر واجبًا فرديًا، وأن يخفي عن الآخرين ما يستطيع إخفاءه.
لكنه بدأ يدرك أن الكتابة نفسها لا تنمو في العزلة وحدها؛ إنها تحتاج إلى من يصغي، وإلى صديق يرى الكاتب حين لا يرى الآخرون إلا المريض.
شطب العبارة الأولى، وكتب من جديد:
«لم يكن يريد من الرحلة أكثر من مقعد».
قرأ الجملة بصوت خافت.
بدت له بسيطة، لكنها حملت ما لم يستطع قوله للطبيب، ولا لزوجته، ولا لنفسه في محطة رمسيس. لم يكن المقعد مجرد مكان يجلس عليه؛ كان استراحة من الوقوف أمام العالم، ومن الاضطرار الدائم إلى إثبات أنه لا يزال قادرًا على الاحتمال.
واصل الكتابة.
لم يكتب عن نفسه وحده، ولم يجعل الآخرين شهودًا على مأساته. منح كل واحد منهم ما استطاع أن يراه فيه: تعبًا، أو خوفًا، أو أنانية عابرة، أو رحمة لا تتطلب تفسيرًا.
وحين انتهى من الصفحة، لم يشعر أن ألمه قد زال.
ظلت يده ثقيلة، وظلت الأوراق الطبية تنتظر موعدًا جديدًا، وظل المال أقل من المطلوب.
لكنه لم يعد أمام صفحة بيضاء.
13. البحر
بعد أيام، استطاع أن يذهب إلى شاطئ العريش.
جلس قريبًا من الماء، حيث كانت الأمواج تصل إلى الرمل ثم تنسحب.
لم يكن الشاطئ خاليًا تمامًا؛ مرّ طفل يركض وراء كرة، وجلس رجلان يتحدثان قرب قارب صغير، وارتفع صوت بائع من بعيد، ثم غاب مع حركة الهواء.
أخرج حسن دفتره من الحقيبة، وقرأ ما كتب في الليلة الماضية.
كانت بعض الجمل ثقيلة، فشطبها. وكانت بعض الجمل تشرح ما يعرفه القارئ من قبل، فحذفها.
أبقى على المقعد، وعلى كوب الشاي، وعلى يد الطفل التي التقطت الورقة من الأرض.
رفع رأسه نحو البحر.
لم يعد يريد منه أن يعيد إليه شبابه، أو أن يمحو المرض، أو أن يرد الذين غابوا.
كان يعرف أن الماء لا يعيد ما يأخذه، وأن الشاطئ لا يحتفظ بالموجة مهما أحبها.
لكنه تذكر حديثه مع محمد، وتلك الضحكة القصيرة في غرفة الكشف، حين تحولت دقائق المرض إلى حديث عن الأدب.
لم تكن الصداقة علاجًا للقلب، لكنها كانت تذكيرًا بأن في حياته أشياء لم يستطع المرض أن ينتزعها: كتابًا ينتظر أن يكتمل، وصديقًا يسأله عن نصه، وابنًا يتعلم أن يخلع حذاءه وحده، وبيتًا لا يزال ينتظر عودته.
كانت هذه الأشياء صغيرة، لكنها لم تكن قليلة.
مرّت موجة صغيرة حتى كادت تلامس حذاءه، ثم تراجعت.
أغلق الدفتر، وأعاده إلى حقيبته. حاول أن ينهض، فاستند إلى يده وانتظر حتى ثبتت قدمه. لم يكن النهوض سهلًا، ولم يتحول جسده فجأة إلى جسد آخر.
نهض على مهل.
وقبل أن يغادر الشاطئ، التفت إلى الماء.
لم يقل شيئًا. كان قد أمضى سنوات يتحدث إلى البحر، ولم يعد يحتاج اليوم إلى أن يشرح له كل شيء.
مضى نحو الطريق، يحمل حقيبته الصغيرة ودفتره، فيما بقي البحر خلفه يرسل موجاته إلى الشاطئ، ثم يستردها.
كان عليه أن يعود إلى البيت، وأن يتابع علاجه، وأن يحسب ما تبقى من معاشه، وأن يكتب حين تسمح له يده.
وكان عليه أيضًا أن يتصل بمحمد، ويخبره أنه بدأ القصة، وأن المقعد الذي حدثه عنه صار أول سطر فيها.
لم يكن يعرف كم بقي له من الوقت.
لكنه عرف، وهو يخطو ببطء نحو العريش، أن الصفحة التي كتبها لن تعيد إليه ما مضى، ولن تعفيه مما ينتظره.
ومع ذلك، كانت الصفحة موجودة.
وكان اسمه في أعلاها.
وكان هناك صديق ينتظر أن يقرأها.
وكانت الحياة، على قسوتها، لم تنتهِ بعد.



















