من التروما إلى المعنى.. جماليات الانعتاق في ديوان (الاشتياق جعلني رائعة) لعلية عبد السلام

alyea abd alsalam

محمد أبو الفتوح

لا يمكن قراءة هذا الديوان بوصفه اعترافا شعريا عن التجارب الأليمة، ولا بوصفه نشيدا ساذجا يتغنى بالأمل؛ إنه بالأحرى رحلة داخل وعي أنثوي كادح، يمر عبر التروما، بما تستتبعه من تفتيت للرؤية المثالية للعالم، ليُعيد – مسلحا بالصدق الخالص – تكوين رؤيته الخاصة للعالم كما هو عليه، قبل أن يصل إلى أفق تأملي من التصالح مع الذات والوجود.

إن ما نخلص إليه بعد القراءة المتأنية لقصائد هذا العمل يتبلور في أنه ليس مجرد تفريغ لشحنة الصدمات الأولى، بل هو سردية استنارة، تتحرك من الجرح إلى المعنى، ومن النقمة إلى التصالح، عبر قالب قصيدة النثر بوصفها فضاءا حرا للوعي.

“كنت واعية لكل ما يدور

دجاجة ذبيحة بين أقدامكم

كنت أحس سخونة النزيف

دون أن أعرف من طعن”

نجد في هذه القصيدة بعنوان (أعزائي) نقطة انطلاق واضحة للرحلة، لا صور ولا ألعاب لغوية، فقط تعبير مباشر عن لحظة بالغة القسوة، ينبع الشعر فيها من المشهد، من الوعي الشديد بالألم؛ لذلك كان يجب علينا نحن القراء أن نراه بأعين مفتوحة على اتساعها، متفرغة للتلقي، دون الانشغال بتأويلات أو جماليات.

من تلك القصيدة تنفجر شجرة من قصائد الانتقام، والانتقام هنا انتقام يلائم طبيعة الشاعرة، فالشاعر لا يمتلك القدرة على الإيذاء، الشاعر ينتقم بالغياب، يحذف نفسه من المشهد، لأنه يدرك جيدا ما يحتويه قلبه من عطاء، سأحرمكم منى، من عطائي.

نجد هذا متجليا في قصيدة بعنوان دال للغاية: لا تراني لا أراك.

“ستظل هناك

أياما وليالي تراني.. تحدثني

بينما أنا لست هنا

سوف تبدأ حديثك بصباح الخير

ستمر عليك سنوات هكذا

بينما أنا لست موجودة”

إنه موقف – وإن بدا نهائيا وحاسما – لا يزال يتعاطي مع الآخر، أنا لست معك، ولكنك لا زلت بداخلي، الجرح ينبض مُذكِّرا، والسنوات تمر دون انعتاق حقيقي.

تنتقل الشاعرة بذلك إلى محطة من أخطر محطات رحلتها؛ حيث يتعلَّق المُعنَّف بالمُعنِّف، فيما يطلق عليه (ارتباط الصدمة)، ونرى ذلك في قصيدة (أحبني الشيطان وأحببته) عندما تقول:

“كلما اشتد انسحاقي

عَظُم جماله

الشيطان الذي يدخل جسمي

فأبدو لنفسي كوردة تتفتح”

كما يظهر أيضا في قصيدة (أشرقت في تربتي) حين تقول عن القبيحين:

“كلما ابتعدت

اقتربوا”

لكنها تدرك أن الخلاص من هذا الصراع لن يكون من خارجها، إنها حرب للانتصار فيها لا مفر من الاستسلام المرير متبوعا بالقطيعة.

“في معركة الحياة

ليست الفجائع التي مررت بها

أمر ما فيها

لا هشاشة روحي

أو نقاء عقلي

ولا هؤلاء من أحبوني

بل خسارة لكل حروبي

أقضي أيامي حائرة

متى أستسلم”

وهنا – وهنا فقط – يظهر الأمل، يظهر كنتيجة حتمية، لا كوعد مشتهى.

“في الظلام الدامس

في اختلاط العفة بالدنس

في تشابه الغث بالثمين

في ظل عالم ظالم

يوجد أمل

أيها الناس تماسكوا”

ثم وبعد عقدين من القطيعة والتشافي تبزغ شمس اكتمال الانعتاق، عبر الانغماس الكامل في اللحظة، حيث لا ماضي ولا مستقبل، لا حزن ولا قلق، لا ندم ولا تمني، لا بحث عن قوة لانتقام، ولا إخفاء لهشاشة الإنسان، تحت نور الشمس.

“في التصاق سيولة البحر بصخور الشاطئ

تحت نور الشمس الذهبي

كنت مُشعَّة

توهجت السعادة

لم يكن هناك من سبب

سوى العدم العازل بين الصلب والسائل

في هذا العدم وجدت الهشاشة

رأيت الله.”

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع