عبدالله السلايمة
قد لا تبدأ معرفتنا بالكاتب من كتبه، حتى لو كانت الكتب هي الطريق الأول إليه. أحيانًا تسبق صورة الإنسان ما نعرفه عن الكاتب، ثم تأتي الكتابة بعد ذلك لتؤكد بعض ما رأيناه، أو تكشف لنا وجوهًا أخرى لم نكن نعرفها.
هكذا كانت معرفتي بمنير عتيبة.
قبل أن نلتقي في لجنة القصة بالمجلس الأعلى للثقافة، كنت قد سمعت عنه، وربما كان قد سمع عني بدوره. لم نتحدث يومها، لكن حضوره في الجلسة ترك لديّ انطباعًا سرعان ما ترسخ مع الأيام. ولم أكن أعرف أن ذلك اللقاء سيكون بداية علاقة ما زالت، وستظل، قائمة على الكتابة والصداقة.
ومع مرور الوقت، اكتشفت أن الانطباع الأول لم يكن عابرًا، وأن هناك قدرًا من التوافق بين الإنسان الذي عرفته في الحياة الثقافية، والكاتب الذي قرأت أعماله، والمثقف الذي التقيته في مناسبات مختلفة.
والحديث عن منير عتيبة يغري باستعراض السيرة؛ فهو قاص وروائي وشاعر وناقد وكاتب للطفل والدراما، صاحب أكثر من سبعين كتابًا، ومؤسس ومدير مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية، وشغل مواقع ثقافية وشارك في لجان ومشروعات عديدة، وحصل على جوائز وتكريمات داخل مصر وخارجها، وترجمت بعض أعماله إلى لغات مختلفة.
لكنني لا أريد أن أضيف سيرة أخرى إلى سيرته.
ما يعنيني هو ما وراء هذه الوقائع: كيف يفكر هذا الكاتب في الكتابة؟ وكيف يقرأ الآخرين؟ وكيف تلتقي شخصيته الإنسانية مع مشروعه الأدبي والثقافي؟
ربما نجد مفتاحًا لذلك في عبارة قالها هو نفسه في شهادته الإبداعية التي قدمها في الدورة الأولى من ملتقى العريش الثقافي عام 2024: «محاولة للفهم»
هذه المسافة الصغيرة بين «الفهم» و«محاولة الفهم» تبدو لي مهمة في تجربة منير عتيبة كلها؛ لأنها تعني أن الكاتب لا يبدأ من يقين، وإنما من سؤال، ولا يكتب لأنه يمتلك الإجابة النهائية، بل لأنه يريد أن يرى الأشياء من زاوية أخرى.
حين تحدث عن روايته الأولى «حكايات آل الغنيمي»، قال إنه كان يحاول أن يفهم القرية المصرية المتغيرة. والمفارقة أنه كان يكتب عن القرية التي عاش فيها نحو ربع قرن، وكان يظن أنه يعرفها، ثم اكتشف أثناء الكتابة أنه لم يكن يعرف إلا الجزء الظاهر من جبل الجليد.
هذه ليست ملاحظة تخص رواية بعينها، وإنما تكشف علاقة الكاتب بعالمه.
فالكاتب هنا لا ينظر إلى المكان من موقع من يعرف كل شيء عنه، بل من موقع من يكتشف أن المألوف أكثر غموضًا مما يبدو. وما نعتقد أننا نعرفه عن الإنسان أو المكان أو المجتمع قد يكون مجرد سطح يخفي تحته عوالم أخرى.
من هنا تأتي الحكاية.
فالإنسان، كما يرى عتيبة، روائي بطبعه؛ لأن الرواية في جوهرها ليست مجرد جنس أدبي، وإنما حكاية ما جرى، وحلم بما يجب أن يكون. والسرد، بهذا المعنى، يصبح وسيلة لفهم الإنسان والعالم، وليس مجرد طريقة لترتيب الأحداث.
ولذلك لم يكن غريبًا أن تتسع تجربته لأشكال أدبية متعددة. كتب القصة والرواية والقصة القصيرة جدًا والشعر والنقد وأدب الأطفال، واشتغل على الدراما والإذاعة، وانفتح على قضايا السرد والتراث وتجارب الكتابة المختلفة.
لكنني لا أرى في هذا التنوع رغبة في جمع الأشكال بقدر ما أراه بحثًا عن الشكل الذي يناسب السؤال.
حين تتغير الأسئلة، قد يتغير الشكل. وحين تتسع الرؤية، لا يعود من السهل على الكاتب أن يظل في غرفة أدبية واحدة.
في المتوالية القصصية «مرج الكحل»، أخذ السؤال طريقًا آخر. أراد أن يفهم العالم الموازي، وأن يتصالح مع فكرة الاختلاف، وأن ينظر إلى عالم الغيب والشهادة معًا. اختار لذلك إطار الواقعية السحرية، وحاول أن يطوره إلى ما سماه «الواقعية المصرية».
هنا أيضًا لا يبدو الشكل منفصلًا عن الرؤية.
الكاتب يجرب الأدوات لأن السؤال نفسه يقوده إليها.
وربما لهذا يصعب وضع منير عتيبة في خانة واحدة. فالقاص فيه لا يلغي الروائي، والروائي لا يلغي القاص، والناقد لا يقف بعيدًا عن المبدع، والمثقف لا يعيش منفصلًا عن الكاتب.
كلها وجوه لتجربة واحدة.
ولعل القصة القصيرة جدًا تكشف هذا الجانب بوضوح. فهذا الفن الذي يقوم على التكثيف يضع الكاتب أمام سؤال شديد الصعوبة: ماذا يمكن أن تقول بأقل عدد ممكن من الكلمات؟ وماذا تترك للقارئ لكي يقوله بنفسه؟
اشتغل منير عتيبة على هذا الشكل سنوات عدة، وكتب فيه عددًا من الأعمال، من بينها «روح الحكاية» و«أرواح أخرى» و«قطعة من جوليا روبرتس» و«الإنسان ووحوش أخرى» و«المنامات العتيبية»، وحصل عن تجربته في القصة القصيرة جدًا على جائزة الدولة التشجيعية.
لكن الأهم من الجائزة هو ما يكشفه هذا الاشتغال عن تصوره للعلاقة بين الكاتب والقارئ.
في شهادته الإبداعية التي قدمها في الدورة الأولى من ملتقى العريش الثقافي، تحدث عتيبة عن تحولات صورة الكاتب والقارئ، ورأى أن الكاتب في المرحلة التي ينتمي إليها لم يعد يرى نفسه صاحب رسالة نهائية، وإنما كاتبًا يحاول أن يفهم العالم من خلال العمل الأدبي، وأن القارئ لم يعد متلقيًا سلبيًا، وإنما أصبح شريكًا في اكتمال النص.
وهنا تلتقي «محاولة الفهم» مع «شراكة القارئ».
فالكاتب لا يقول: هذه هي الحقيقة، وانتهى الأمر، بل يقول: هذه رؤيتي، فلننظر إليها معًا.
وهذا يفسر ميله إلى الحكائية والوضوح دون أن يرى في الوضوح تنازلًا عن العمق. فالنص عنده ليس لغزًا يتباهى الكاتب بقدرته على إخفائه، وإنما مساحة يلتقي فيها الكاتب والقارئ حول سؤال أو تجربة أو معنى. ولذلك فإن قراءة منير عتيبة للأعمال لا تقل أهمية عن كتابته لها.
وقد عرفت ذلك بصورة شخصية عندما كتب عن روايتي «صحراء مضادة». كان يمكن للصداقة التي نشأت بيننا أن تجعل قراءته أكثر مجاملة، لكنه لم يفعل. قرأ الرواية بعين الكاتب والقارئ والناقد في الوقت نفسه، وتوقف عند بنائها، وتعدد خطوطها السردية، وحركة الزمن والمكان، وعلاقات الشخصيات، والأسئلة الاجتماعية التي تطرحها الرواية، ثم أبدى ملاحظاته على بعض جوانبها، من النهاية إلى بعض الأصوات ووجهة النظر السردية.
ما بقي لديّ من تلك القراءة ليس فقط ما قاله عن الرواية، وإنما طريقة قراءته. فهو لم يتعامل مع النص باعتباره فرصة لإصدار حكم سريع، وإنما دخل إلى عالمه وحاول أن يراه من الداخل، ثم قال ما رآه.
وهذا، بالنسبة إليّ، يطابق ما يقوله عن الكتابة.
من يحاول الفهم لا يحتاج إلى أن يبدأ بالرفض أو القبول؛ يبدأ بمحاولة الاقتراب. هنا تفسر الكتابة جانبًا من الإنسان، كما يفسر الإنسان جانبًا من الكتابة.
بعد اللقاء الأول في لجنة القصة، اقتربت المسافة بيننا من خلال الكتابة. ثم استضافني عام 2022 في مكتبة الإسكندرية للحديث عن تجربتي الإبداعية والحركة الأدبية في شمال سيناء، وكان لقاءً متميزًا ومثمرًا.
لم تكن أهمية اللقاء بالنسبة إليّ في المناسبة وحدها، وإنما في اهتمام منير عتيبة بتجربة أدبية تأتي من جغرافيا بعيدة عن المركز. أن يمنح كاتب ومثقف له حضوره وقتًا ومساحة لتجربة محلية، وأن يفتح لها مجالًا للحوار، هو في حد ذاته موقف ثقافي.
ثم جاءت الدورة الأولى من ملتقى العريش الثقافي عام 2024، وكنت أمينًا عامًا للملتقى، فكان منير عتيبة بين ضيوفه، وقدم شهادة إبداعية متميزة.
كنت أراه هذه المرة من موقع مختلف: لم يعد الكاتب الذي عرفته، بل المثقف الذي جاء إلى العريش ليشارك في مناسبة تخص الأدب وأهله، ويتحدث عن الكتابة وأسئلتها أمام كتاب ومبدعين من المكان.
أذكر ذلك لا لأجعل العلاقة الشخصية محور الحديث، وإنما لأنها تمنح أحيانًا مفتاحًا لفهم بعض ما في تجربة الكاتب. وفي حالة منير عتيبة، بدا لي أن احترام الآخر ليس أمرًا منفصلًا عن نظرته إلى الأدب؛ فالنص عنده مساحة للحوار، والقارئ شريك، وتجربة الكاتب لا تكتمل بمعزل عن تجارب الآخرين.
ولعل هذا ما يفسر أيضًا اتساع نشاطه الثقافي.
فهو لم يكتفِ بالكتابة كتبه، وإنما انشغل بما يحدث حولها أيضًا. أسس وأدار مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية، وشارك في مشروعات تهتم برصد الحالة السردية المصرية، وأدار ندوات ولقاءات حول الكتابة، واهتم بالأجيال الجديدة والتجارب المختلفة، وشارك في لجان ومؤتمرات ومشروعات ثقافية عديدة.
هذه الجهود قد تبدو، في ظاهرها، بعيدة عن الإبداع الشخصي، لكنها في الحقيقة امتداد له. فالكاتب الذي يبحث عن الحكاية في نصه، يمكن أن يبحث عنها أيضًا في تجارب الآخرين. والذي يريد أن يفهم تحولات السرد، لا يكتفي بأن يراقب تجربته الخاصة.
ومن هنا يصبح الفعل الثقافي عند منير عتيبة جزءًا من مشروعه، لا مجرد نشاط جانبي.
وإذا كانت سيرته تقول إنه أصدر أكثر من سبعين كتابًا، وفاز بعدد من الجوائز، وحصل على تكريمات داخل مصر وخارجها، فإن هذه الأرقام لا تقول وحدها شيئًا حاسمًا عن الكاتب. الأهم هو ما الذي جعله يستمر كل هذه السنوات.
ربما الإجابة موجودة في تلك العبارة البسيطة، التي قالها: محاولة للفهم.
ففي شهادته لم يتحدث عن الكتابة باعتبارها امتلاكًا للحقيقة، وإنما باعتبارها وسيلة لطرح الأسئلة والبحث عن إجاباتها. وهو يرى أن جيلًا كاملًا من الكتاب وجد نفسه أمام أسئلة كثيرة بلا إجابات كاملة، فاختار أن يبحث عنها بنفسه، متخذًا السرد وسيلة إلى ذلك.
ومن هنا يمكن أن نفهم منير عتيبة لا بوصفه كاتبًا كثير الإنتاج فحسب، وإنما بوصفه كاتبًا لا يزال لديه ما يسأل عنه.
فالكاتب الذي يظن أنه وصل قد يتوقف، حتى لو استمر في نشر الكتب. أما الذي يرى الكتابة محاولة، فإنه يظل في حاجة إليها.
ولهذا لا أرى أن أهم ما يمكن أن نقوله عن منير عتيبة هو عدد كتبه، أو الجوائز التي حصل عليها، أو المواقع الثقافية التي شغلها، رغم أهمية كل ذلك في رسم مسيرته.
الأهم أن هناك انسجامًا بين الإنسان الذي عرفته، والكاتب الذي قرأت أعماله، والمثقف الذي رأيت حضوره في أكثر من مناسبة.
إنسان لا يحتاج إلى أن يرفع صوته لكي يثبت حضوره، وكاتب لا يتوقف عند شكل واحد ولا عند إجابة واحدة، ومثقف يرى أن الأدب لا يكتمل بالكاتب وحده.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق لعنوان الحديث عنه: حين يكون الكاتب إنسانًا أولاً.
المقصود هنا ليس أن الإنسان منفصل عن الكاتب، وإنما العكس تمامًا؛ أن إنسانية الكاتب يمكن أن تكون جزءًا من طريقته في النظر إلى العالم، وفي التعامل مع شخصياته، وفي قراءة الآخرين، وفي إدارة علاقته بالمشهد الثقافي.
منير عتيبة لا يقدم نفسه بوصفه صاحب الإجابة الأخيرة، وربما كان هذا أحد أسباب استمراره.
ما يزال يكتب لأنه ما يزال يسأل، وما يزال يقرأ لأنه ما يزال يحاول أن يفهم، وما يزال يقترب من حكايات الآخرين، لأنه يعرف أن الحكاية لا تنتهي عند من يرويها.
وفي النهاية، ربما لا يكون الكاتب الحقيقي هو من يملك تفسير العالم، وإنما من يظل قادرًا على الدهشة أمامه، وعلى طرح الأسئلة، وعلى الاعتراف بأن ما نعرفه ليس إلا جزءًا مما لم نعرفه بعد.
ومنير عتيبة، في الكتابة وفي الحياة، يبدو لي قريبًا من هذه الفكرة. إنه لا يكتب لأنه فهم؛ وإنما يكتب لأنه لا يزال يحاول أن يفهم.











