شوقى عبد الحميد يحيى
كثرت في الفترة الأخيرة استحداث مسميات جديدة، تنعكس على مستخدميها، وأشهرها الـ«ق.ق.ج.»، والتي أعتبرها قصة بدون قصة، لأسباب وضحتها كثيرًا، فمن القصة القصيرة جدًا، والنوفيلا، والشعر المنثور، الذي أفقده الكثير جدًا من جرس الشعر المعروف، وكذلك فقد الكثير من القراء، الأمر الذي جعله يتخلى عن عرشه للرواية. والغريب أن الكثير من منظري تلك الرؤى يقولون إن هذا ما يتمشى مع العصر ويواكب التغييرات التي طرأت عليه. وهو ما يعكس أنني لا أتفق مع تلك التسميات، ولا أقتنع بما يحملونه لها، في الوقت الذي لم يعرف الأدب سوى نوعين اثنين، هما القصة والرواية ـ في مجال السرد ـ؛ لأنني أرى أن الكثير من منظري هذه الأنواع الأدبية يُرجعونها إلى عدد الكلمات التي تقع فيها تلك التصنيفات، في الوقت الذي يعتبر الإبداع شحنة نفسية يحاول المبدع أن يفرغها، ومن الممكن أن يفرغها في عدد محدود من الكلمات، أو يطول ليصل إلى الصفحات والصفحات، ويتوقف الأمر على ما إذا كان ما يقدمه المبدع فنًا أم لا. فهناك أمور أخرى يمكن الاحتكام إليها في تحديد النوع الأدبي (السردي). فمثلًا، في بعض التعريفات نجد التعريف بالنوفيلا بأنها:
[النوفيلا (Novella) هي رواية قصيرة أو أثر أدبي سردي يقع في الحجم والخصائص في المنتصف تمامًا بين القصة القصيرة والرواية الطويلة. – ولا أعرف لماذا «تمامًا».. وكأننا أمام معادلة حسابية ـ ويرجع ذلك إلى بعض الخصائص الأدبية، مثل:
- عدد الكلمات: يتراوح غالبًا بين 15,000 و40,000 كلمة (ما يعادل 60 إلى 120 صفحة تقريبًا).
- الحبكة: تركز على حدث مركزي واحد أو خط درامي أساسي ومحدد، وهو ما يطلبه أي نوع من الإبداع.
- الشخصيات: عدد الشخصيات فيها محدود ومحصور، مع تركيز عميق على تطورها النفسي.
- التكثيف: تخلو من الاستطرادات الطويلة والتفاصيل الجانبية الموجودة في الروايات الكبيرة.]
وبتأمل تلك الشروط، لا نجد إلا أنها تخص العمل الأدبي عمومًا، سواء الرواية أو القصة القصيرة، باستثناء عدد الكلمات الذي يضع (المبدع) في ذهنه منذ البداية الالتزام بذلك العدد من الكلمات، وهو ما قد يَحُدّ من حريته التي يسعى للهروب منها.
فضلًا عن البند الذي يقول: {الشخصيات: عدد الشخصيات فيها محدود ومحصور، مع تركيز عميق على تطورها النفسي}، وهو مطلوب في أي عمل أدبي. وهو شرط لا نجده في قصة «الجرثومة بو» للمبدع ممدوح رزق، التي لا نستطيع أن نجد فيها ذلك التطور النفسي، حيث نجد أن الأثر الذي تتركه القصة واحد من البداية إلى النهاية، فضلًا عن كثرة عدد الشخصيات فيها، حتى وإن كانت شخصيات ثانوية، إلا أنها تضيف إلى مأساة «منصور»، وهو الشخصية الرئيسة في العمل، وإن كان ـ منصور ـ لا يمثل نفسه بقدر ما يمثل عددًا كبيرًا جدًا من الشخوص، أي إنه رمز وليس شخصية، حتى وإن ورد فيه الكثير عن صفاته التي أدت لاعتقاله، دون محاكمة. حيث تضيف كل هذه المواصفات إلى رؤية واحدة، أن نرى فيه الإنسان المصري عمومًا، وليس منصور الشخص.
وقد وضع المبدع ممدوح رزق كلمة «نوفيلا» على عمله البديع «جرثومة بو»، والذي يعيدنا إلى قصة «البوسطجي» ليحيى حقي، حيث ينحصر الفعل (الخارجي) للقصة في الزمن الواقع بين فتح الرسالة وتأملها، وإن كان الكثير من الدارسين وضعها ضمن الرواية، فإنني ـ وهذا رأي شخصي ـ أضعها ضمن القصة القصيرة.
وأما مفهومي للزمن الخارجي، بأنه هو الزمن الذي تُحكى فيه القصة، فإذا كان يوسف إدريس قد وضع اللحظة أو الزمن القصير جدًا الذي تقع فيه القصة، على الرغم من أنه قد يشرق ويغرب، لإعطاء الشخصية المُتحدَّث عنها أبعادًا تعمق من رؤية الشخصية والأسباب التي أدت بها إلى موقفها تجاه هذه اللحظة، ويعتبر ذلك هو الزمن الداخلي للقصة، فكذلك قصة «جرثومة بو». وعلى هذا الأساس، يمكن أيضًا وضعها ضمن القصة القصيرة، حيث ينحصر الزمن (الخارجي) فيها في الفصل الأخير، والذي عنونه الكاتب بـ{أنا كاتب القصة الحقيقية لمنصور عبد الرحيم؛ أختبئ، وأحب عبيدي كلهم}.
ففي هذا الفصل، يتضح الزمن الحقيقي (الخارجي) للقصة، والذي يتبين منه أنه يروي تاريخه مع عبيده (شعبه)، وكيف يتلاعب بهم للاستمرار على الكرسي، وهي الرؤية الأساسية والكلية للعمل بأكمله، ويكمن الفعل (الخارجي) في استرجاع كل ما سبقه من أفعال وأقوال بطول العمل. وهو ما نعده تطويرًا للقصة القصيرة، التي تستطيع أن تساير التغيرات الحادثة في الواقع، وما يؤكد موهبة المبدع من عدمها. وهو حق للمبدع أن يمارسه طوال الوقت، على شرط أن يقنعنا به. وهروبًا مما يسمى بـ(ق.ق.ج.)، التي أعتبرها قصة بدون قصة.
فضلًا عن أن «جرثومة بو» أحدثت الأثر النفسي في القارئ، واشتعلت في جوانيته الرغبة في الفعل، والخروج عن الصمت الأبله، منذ اللحظة الأولى في العمل، بداية من المفتتح، إلى بداية الفصول، والتي يقول فيها: {أنا منصور عبد الرحيم من منشأة عبد الرحيم بالدقهلية. محبوس في المملكة بدون حكم، ويتم تعذيبي بوحشية}. حيث ينشأ التعاطف، والتحفز منذ البداية. حيث يميل القارئ (المصري بصفة خاصة) إلى مناصرة كل مجبور أو مهضوم الحق. إلى جانب أنها تُعرّي المجتمع المصري، والتي تدعو القارئ للنظر فيما حوله.
فإذا ما تأملنا «الجرثوم بو»، سنكتشف أن هذا العنوان يفرض سطوته على كل القصة. فاختيار مفتتح القصة كان موفقًا إلى حد كبير، حيث يشير المفتتح الذي يقول: {“لا يزال الغراب في غرفتي / مهما توسلت ليس ثمة كلمات تسترضيه، ليس ثمة دعاء للتخلص منه / حيث توجب عليَّ سماعه إلى الأبد}. إدغار ألن بو. حيث يحمل هذا المفتتح الصيرورة والدوام. فاختيار هذا المفتتح لأحد مؤسسي القصة القصيرة يضعنا في الحاضر، وحيث «الغراب» بحمولته الدلالية لدى العامة، والتصور الشعبي، يوحي لنا بالخوف والترقب، انتظارًا لوقوع الشر. وهو ما يفرض حمولته على القصة بأكملها، وكأنه مكتوب وقدر، وأن تحمل الحاضر بكل سوءاته إلى الأبد. فهي نظرة سوداوية، متشائمة، تدعو للخنوع، على غير ما يمكن أن تبثه القصة في نفوس القراء، إذا ما نظروا حولهم.
إلا أن التأمل، في ظل الوصول إلى جوهر الإنسان (المصري)، يجد أنه يستحضر لحظات اليأس، التي تفجر التصميم، حيث تقول القصة: {والآن بعد زيارة الغراب له، أصبح يعرف السبب.. لن يبذل منصور جهدًا كبيرًا في العثور عليهم، بل يظن أيضًا أن الوجوه التي كان يحدّق في أعماقها وهو طفل لا تزال على قيد الحياة، وأن احتمال مصادفته لها أصبح قويًا للغاية رغم مرور وقت طويل جدًا منذ آخر مرة قابلها..} ص107. الأمر الذي يرجع بالزمن إلى الماضي السحيق، وأن الإنسان المصري مظلوم ومضطهد منذ السنين البعيدة، ولا يزال. فكانت القصة تتخذ من هذا الغراب بؤرة العمل، حيث يمثل الغراب رؤية معينة لدى الإنسان، بما يبعثه من تشاؤم وقلق وخوف، رغم أنه يمكن أن تُقرأ ـ القصة ـ على الجانب الإنساني، الفلسفي، الذي يبحث في وجود الإنسان على الأرض، وخضوعه للعديد من الحوادث التي يحيلها المفهوم الشعبي إلى القضاء والقدر، وكذلك الإشارة إلى تلك الأحداث، والتي يكشفها «منصور» في سجنه، ومنع اتصاله بأي إنسان خارج معذبيه.
فهنا نجدنا أمام رؤية أعماق الإنسان المصري، الذي يحيل كل شيء إلى القضاء والقدر، والتشاؤم من الغراب، والتفاؤل من الحمام. فممدوح هنا يصل إلى أعماق الإنسان وينسج قصته. فعندما تتعدد الإشارات في نهاية رسائل «منصور» بالتنبيه لحوادث بعينها تقع، ويتساءل الصحفي كيف له أن يعرف ذلك وهو محبوس، وممنوع أن يتصل بأحد، فيثور التساؤل والدهشة:
{هل يجبر أحد ما منصور على كتابة هذه السطور؟! .. لماذا؟! وأي صلة تربطه بما يحصل؟! وكيف يتنبأ بحدوثه؟! .. هل يوجد كائن مهما كان يقدر على هذا؟! .. هل وقع تحت سيطرة جماعة من السحرة، أم أنه هو نفسه قد أصبح ساحرًا؟! .. إذا كان يستطيع أن يعلم بموت شاب في سيارته نتيجة جرعة زائدة من المخدرات، وبمصرع مجموعة من الشباب في حادث أتوبيس على طريق شرم الشيخ قبل وقوعهما بأيام، فمن المؤكد أنه يعرف عن هذه المدينة وهو في غربته المأساوية أكثر بكثير مما نتخيل} ص69.
وهنا نجد أنفسنا أمام رؤية ميتافيزيقية: كيف يعلم الغيب؟ وهذه رؤية إنسانية يتساءل بها الإنسان عن وجوده على الأرض، وهنا نذهب سريعًا إلى نهاية القصة، والتي يتحدث فيها الرجل المتحكم في مصائر البشر، وكأنه إله، حيث يقول:
{ولكنكم كنتم تجبرونني طوال الوقت على التعامل معكم كعبيد، مُقدِّمًا المسايرة والتغاضي والكبح المتعشّم للغضب، حتى أحصل على الثمن بتقديسكم لي. أما إذا استعانوا بأحمد صبري ومحمد شبانة وفريد الفالوجي وحاولوا كسر الباب، فإنني سأقفز من هذه الشرفة.. سأستغل المسافة البسيطة بينها والشارع كي أهرب، ولن يكون معي سوى قصة منصور الحقيقية التي كتبتها، وصورته التي ما زالت تبدو كأنها لشخص عاش في سالف العصر والأوان.} ص110.
وهو ما نستطيع أن نصل إلى ما يهدف إليه الكاتب – في تصورنا – وهو قول المثل الشعبي الذي يقول: «إيش فرعنك يا فرعون.. ملقيتش حد يردني»، حيث نجد أن وراء كل ذلك صانعًا أرضيًا، لغرض في نفسه.
وإذا ما كان يمكن قراءة العمل على الجانب الفلسفي، والبحث في وجود الإنسان على الأرض، حيث نجد:
{.. كأن منصور يقتل هؤلاء البشر من مكانه البعيد في المعتقل حيث يُعذَّب وحيدًا، وبطريقة تبدو طبيعية، لا يمكن أن تكشف حقيقة ارتباطه بهم، ثم يحتفل في النهاية بأسلوبه المفضل: كلمات المواساة في نهايات الرسائل.. كأنه يتحكم في الموجودات غير الحية بقوة آلامه.. كيف؟!.. جنون لا يمكن تحمّله.. خراب مرعب يتصاعد بوحشية بالغة ملتهمًا روحي وهو في طريقه لابتلاع العالم.} ص93.
و{كان منصور يفتش عن الذي يعمل كآلة لا تهمد لجمع الوثائق عن تواريخ الأسلاف والمعاصرين، وخلق روابط فيما بينها كإله وحيد، مختبئ، لا يغادر حجرته البعيدة المغلقة، يراقب الحياة والموت من ظلامها الضئيل المنعزل، لا يراه أحد وهو يشفي غليله بمتعة إعادة خلق الدنيا «كن فيكون» كمزحة هازئة، أو كأنها اللعبة الطفولية الوحيدة التي يسمح بها الفقد لتخيّل أن هناك وسيلة ما لترويض الموت.. الذي لا يفتقد الموتى} ص90.
و{حينئذ لن تتغير الحياة والموت، بل سيتغير كل شيء خارجهما.. سيصبح الغيب هو الباحة الخلفية للعالم، لا تُشكّله سوى الفوضى المتراكمة لألعابنا الدموية الأثيرة} ص..113.
إلا أن الكثير من الوقائع تشير إلى غير ذلك، وهو ما يُحسب للكاتب، حيث إنه كلما تعددت القراءات للعمل، دون خلل في الحبكة، كان ذلك من عوامل النجاح له. فنقرأ مثلًا:
{يواصل منصور السير، ويعود الغراب للطيران انتظارًا للعثور على الوجه القادم.. في آخر الليل، وحينما يسمع منصور الصرخات العاتية لسيارات الشرطة والإسعاف والمطافئ وهي تتلاحق في الشوارع الخالية، تحت الأضواء الصفراء لأعمدتها المنتصبة، والتي سيكون صوتها أكثر جمالًا وتجانسًا مع المطر؛ سيعرف أن الأمر قد انتهى.. سيدرك أن جرثومة «إدجار آلن بو» التي تركها في كل بيت وصل إليه اليوم قد أنجزت عملها الخارق} ص108.
الأمر الذي يجعل الهم السياسي يظهر دون عناء. ومن هنا كان اختيار العنوان يشير إلى ذلك: «جرثومة بو». فعلى الرغم من أن كلمة جرثومة لم ترد في كلمات المفتتح، وهو ما تركه ممدوح للقارئ، كي يستشف بنفسه: أين تكمن الجرثومة؟ وإلى ما وصلت في جسد المجتمع، والذي يأتي في مقدمته تلك الفقرة التي كررتها القصة مرات، وكأن الكاتب يريد بها أن يلفت نظر القارئ إليها، وإلى جدواها:
{أمي تنظف أخي الأكبر المريض بضمور النخاع الشوكي من الخرء والبول، وتبدل له ملابسه، وتطعمه.. أختي الكبيرة التي تأخرت في الزواج تنظف أبي المريض بالزهايمر من الخرء والبول، وتبدل له ملابسه، وتطعمه.. أخي الكبير يجلس أمام التليفزيون، يشاهد نشرة أخبار، ويدخن بانجو ويضحك.. جدتي نائمة فوق كنبة الأنتريه، تنادي من داخل غيبوبتها العميقة على أمها كي تأتي وتأخذها.. حبيبتي في شقة الدور الأرضي، ترقد مريضة بالانهيار العصبي تسببت فيه أوامري وتحذيراتي ومحاكماتي العنيفة لها} ص36.
ولم يقتصر غزو الجرثومة على كل أفراد الأسرة فقط، وإنما على الصحفي الذي أصبح يعاني من الإحساس بالتنميل في يديه والعجز في كل جسده، رغم تكرار الأطباء أنه عضويًا ليس هناك مرض، ليتحول الذهن إلى المرض النفسي:
{لم يعد التنميل متقطعًا، بل أصبح شعورًا دائمًا في كفيّ وخديّ وقدميّ، مقترنًا بخدر متأرجح.. بعدم الإحساس بالأطراف.. أُحضِر دبوسًا وأشك كفيّ وقدميّ.. أشعر بالوخزات.. أُزيد من قوة الشك؛ فأحس بألم الوخزات أكثر.. مع ذلك، ورغم القدرة على تحريك أطرافي؛ ما زلت أشعر بعدم وجودها} ص52.
و{ثم نستوقف تاكسيًا ليذهب بنا سائقه إلى المستشفى الحكومي الذي يستقبل الحالات المرضية في هذا اليوم كي أتمدد فوق سرير الكشف، وينتهي الأمر في جميع الأحوال بأن يقول الطبيب نفس الشيء: «حالة نفسية» قبل أن نخرج من المستشفى} ص63.
و{وأنا أيضًا الذي أتنهد سرورًا وامتنانًا في داخلي حينما يتفوه الطبيب بنفس التعبير بعد الكشف عليكِ: «حالة نفسية».. لن أفعل مثلك أبدًا، وأقول لكِ بهذه النبرة المعاتبة السخيفة، نافدة الصبر، إنكِ ستضيعين نفسكِ بسبب الوهم كما ترددين لي دائمًا} ص64.
حيث أصبح الوهم هو المرض الحقيقي لكل أجساد البشر، وينتقل من الابن إلى الأم، وكأنهما يمثلان الأواني المستطرقة.
{بعد انتهائه من الكشف؛ عاد الطبيب للجلوس وراء مكتبه، ثم بدأ يكتب الروشتة وهو يخبرني بأني عضويًا سليم تمامًا، فقط ينبغي أن أتخلى عن العصبية، وأكون أكثر هدوءًا.. أخرج من العيادة في جيبي الروشتة، وفي عقلي رفض لفكرة أن هذا اللقاء كان حاسمًا بما فيه الكفاية..
لم أكن مقتنعًا تمامًا بأن هذا الطبيب قد توصّل إلى حقيقة المرض المجهول الذي يعيش مخبوءًا داخل جسدي.. أفكر في أنني كنت أحتاج لما هو أكثر من الكشف على القلب وقياس الضغط واختبار الأعصاب وفحص العينين والحلق للوصول إلى اليقين} ص80.
ويصل الأمر لما يقترب من الجهر بالحقيقة، والربط بين الطريقين. فتأتي الأدوية بالرغبة في قتل الأم والأخت.. فيذهب إلى د. رضا البهات، الذي يصطحبه إلى الدكتور الذي يقول له:
{قال لي في النهاية: «قد تشفيك هذه الأدوية من التنميل والشعور بالخدر، ولكنك ستجد نفسك غير قادر على كتابة كلمة واحدة.. تحمّل هذه الأعراض وتعايش معها وستختفي من تلقاء نفسها».} ص89.
وكأن الأدوية التي أُعطيت له من قبل كانت للمنع من الكتابة، التي هي العدو الأول للسياسة، وأن هناك من يتخفى، وإن كان يفعل ما يريد، وما لا يريده من يقع عليهم المرض. وقد اختير الصحفي تحديدًا.
ولم يترك الكاتب كلا الطريقين متوازيين، ولكنه يقوم بالربط بينهما، وكأن الجانب الجسماني مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالجانب السياسي. ففي العيادة يصف الكاتب من يجلسون في العيادة، وكأنه يتحدث عن الشعب الصامت والمستكين:
{لكنهم كانوا يبدون كأنما جاءوا إلى هنا بعد أن طردتهم اللغة خارجها. فتحولت حجرة الاستقبال إلى ما يشبه سرادق عزاء، ينقصه التوصل إلى معرفة هوية الميت… وأني في حاجة فقط مثلما يخبرني أطباء آخر الليل في المستشفيات لـ«راحة الأعصاب»} ص75.
وقد تثبت هذه الفقرة تحديدًا كيفية امتلاك الكاتب للغة، وكيف أن كل كلمة لها دورها في إبراز المعنى، أو التأثير المطلوب. فإذا ما تأملنا «بعد أن طردتهم اللغة خارجها»، الأمر الذي يعني أن السكوت أصبح مخيمًا على الجميع، فطردتهم «اللغة» خارجها. وهي، وإن كانت تبدو كلمة عادية، إلا أنها تحمل من الأبعاد ما يضيف إلى المعنى الكلي للرؤية التي أرادها.
ويحدث تغير في المجتمع، لتصبح حالة عامة، السبب مسكوت عنه، لكنه ظاهر للعيان، فإن كان {«مقتل عامل في مشاجرة.. موظف يقتل شقيقه بسبب خلافات أسرية.. طفل في العاشرة يلقى مصرعه غرقًا في حمام سباحة.. وفاة سجين بهبوط حاد في الدورة الدموية.. ربة منزل تقتل ابن عمها بسبب الميراث.. شاب يقتل سائق تاكسي بعد فشله في سرقته.. انتحار طالب جامعي شنقًا»} ص78. وكلها أسباب تدعو لانتشار الجرثومة في الأبدان، وفي النفوس غير القادرة على النطق أو البوح، ليظهر ذلك كله في تصرفات البشر. وتصل أيضًا لما يقرب البوح، أو التشخيص الحقيقي للمسألة، إذا ما تمت المقارنة بين ما كان وما هو كائن:
{الذي لا يمكنه استيعاب وتصديق البشاعة الحقيرة للعالم، والسفالة التبريرية لوجوده، والتي لا يمكن لأية لغة وصفها، خصوصًا حينما يبصر ويفكر في الفظاعات التي تسحق الأطفال والعجائز والحيوانات، والمتروكين كافة في الشوارع والبيوت بعيون مذلولة، وأرواح متوسلة، وكل الذين ما كانوا يتصورون أبدًا في صغرهم أنهم سيلاقون ما صاروا إليه} ص83.
حيث تصبح هذه الكلمات كشفًا عما يجري في المجتمع، وتعريةً للسوءات، وكلها بفعل الجرثومة، التي انتشرت وأصابت المجتمع.. فضاع المجتمع.
فإذا ما تأملنا «منصور» وحياته، ولماذا تم اختياره ليقع عليه الحبس والتعذيب بتلك البشاعة، سنجد أنه:
{أنا منصور عبد الرحيم من منشأة عبد الرحيم بالدقهلية. محبوس في المملكة بدون حكم، ويتم تعذيبي بوحشية}
و{كان ينشر سلسلة عن تاريخ الجاسوسية على صفحاتها ـ جريدة «اللواء العربي» ـ فضلًا عن التحقيقات والموضوعات القوية التي جلبت له الشهرة مثل قضية ما يسمى بـ«اللبان الجنسي»} ص38.
وهي قضية شهيرة ذاعت في الصحافة ما بين عامي 2012 و2016.
{كان منصور يفتش عن الذي يعمل كآلة لا تهمد لجمع الوثائق عن تواريخ الأسلاف والمعاصرين، وخلق روابط فيما بينها كإله وحيد، مختبئ، لا يغادر حجرته البعيدة المغلقة، يراقب الحياة والموت من ظلامها الضئيل المنعزل، لا يراه أحد وهو يشفي غليله بمتعة إعادة خلق الدنيا «كن فيكون» كمزحة هازئة} ص90.
وأتصور أن الكاتب قد وضع هذه اللفتة، كإشارة إلى الماضي، الذي يراه الكثيرون أفضل كثيرًا من الحاضر، وأنهم يريدون أن يستعيدوه، بتغيير الحاضر إلى ما يشبه الماضي. فهي ليست دعوة سلفية، وإنما السعي نحو خلق المدينة الفاضلة التي يبحث عنها الكاتب. فهو يسعى كذلك إلى كتابة قصة «منصور» لإنقاذه من السجن، غير أنه يُصدم في النهاية، بعد نشر القصة، وهو ما يضيف الكثير إلى الوضع الراهن، والذي يُحكم قبضته على كل ما يُنشر، وتتزايد المفارقة، عند علمه بعدم نشر القصة، بدعوته إلى حفل ذكرى إنشاء الجريدة:
{أعاد السماعة إلى مكانها ثم نظر لي بأسف وقال:
الرقابة وقّفت طبع الجرنان وأمرت بحذف موضوع منصور من العدد».
ثم ابتسم، كأنه يعتذر، مستدركًا: بس صاحب الجرنان عامل حفلة كبيرة في القرية السياحية بتاعته إللي في الهرم بمناسبة عيد ميلاد الجرنان… وعازمك عليها} ص70.
والتي يفاجأ فيها بالعديد من المظاهر المستفزة، والداعية إلى الغضب والثورة. فعندما تقرر نشر قضية منصور في جريدة «الدستور»، لأن جريدة «اللواء العربي» محلية:
{تساءلت في نفسي: هل «اللواء العربي» أكثر شجاعة من «الدستور» أم أقل إدراكًا؟.. حسنًا.. ربما لديهم طريقة خاصة وناجحة لتجاوز هذا الخط الأحمر، أو بمعنى أصح أتمنى ذلك} ص39.
لنتأمل: {هل «اللواء العربي» أكثر شجاعة؟} و{لتجاوز هذا الخط الأحمر}، حيث تدعو الكلمات وتدل على الوضع الذي تكممت فيه الأفواه عن الكتابة، أو حتى النطق، بما لا يتفق ورأي الدولة.
استطاع الكاتب أن يعطي لكل شخصية في القصة لغتها التي تعبر عنها، وكأننا أمام قصة واقعية منحوتة من الواقع المعاش، حيث نجد الطبيعية، وكأن القصة تحكي عن شخص حقيقي:
{لا أصدق أننا أصبحنا أخيرًا على الطريق فيما بين دكرنس والمنصورة.. ربما سأتأكد من هذه النجاة التي كانت مستحيلة قبل دقائق فقط حينما أعبر عتبة بيتي في ميت حدر}.
فذكر الأماكن والوقائع ما يضع القارئ أمام قصة حقيقية، وإن كانت من بنات أفكار الكاتب وخيالاته.
ويقدم الكاتب تصويرًا لمنصور، وكأنه يقدم تصويرًا للإنسان المصري، على مر العصور:
{كان منصور ينقّب عن غير القادر على التراجع أو التورط.. المرعوب من كل شيء دون استثناء…. الذي لم يُسجن منذ البداية، ولم يُكمل طريقًا لنهايته.. الذي كان وسيظل مهما ظهر العكس بلا أحد.. الضجِر.. المندفع بسذاجة فائقة السرعة.. المنطفئ بيأس أسرع.. المنبهر بكل ما ليس فيه.. المصدّق لكل ما لم يعرفه، وكل ما لم يحصل عليه.. الساخر من كل تصديق.. المهووس ببلوغ الكمال، والمتكلسِ عن التفكير في إتمامه، من يريد كل شيء.. غير القادر على الحركة} ص97.
وهو توصيف لجوهر الإنسان، وكشف عن سكونه، وسكوته، وكأنه مغلوب على أمره، راضٍ بصمت عما يقدم له.
وقد يتساءل القارئ: أليس في صرف ضابط الشرطة في القرية، وصرفه للصحفي ورفيقه ـ رغم مخالفتهما للشروط الواجبة ـ ما يدعو إلى التساؤل؟ فنرد عليه بأن الشرح بالتفصيل ـ غير الممل ـ يوضح كيف أن الشرطة تخشى من ينتمون إلى «حقوق الإنسان»، ظنًا منهم أنهم ينتمون إلى جهات خارجية، حيث تحرص الحكومة على تبييض صورتها أمام الجهات الخارجية.
وهنا يجب الإشارة إلى شيء كرره الكاتب كثيرًا، حيث اتصل العديد من الأشخاص ـ العاديين ـ لإبداء المساعدة في الكشف عن «منصور»؟ ويتظاهر الصحفي بأنه يكتب التليفون، بينما هو يلعب في أشياء أخرى من جسده. بأن الكاتب لم يوردها زيادةً في عدد الصفحات، وإنما لإيضاح أن الصحافة لا تستجيب، أو مأمورة بعدم الاستجابة لأمثال هؤلاء العاديين، أو البسطاء، وهو ما يعطي انطباعًا بتجاهل الإعلام لما يقوله الناس ـ العاديون ـ ولا تلتزم إلا بما تُؤمر به.
وحين يطلب أحد الأشخاص المجهولين، ليساعد في الكشف عن خبايا لا يعلمها أحد عن منصور، تأتي لغته عامية ـ بسيطة ـ ولكنها معبرة عن الشخص:
{منصور كان شاب طيب، خجول، منطوي جدًا على نفسه، ومكنش له أصحاب، ورغم فرق السن الكبير إللي بينا تقدر تقول إني كنت صديقه الوحيد، وسره كان معايا أنا، وأتمنى إني أقدر أساعدك على فك كربه، وتخليصه من محنته بأي طريقة.. أنا عايز أجيلك المنصورة في الوقت إللي يناسبك، وأقعد معاك، وأحكيلك كل حاجة} ص50.
بينما على الجانب الآخر يكتب الصحفي (السارد):
{كان الليل ذاته يبتسم في هاتين العينين، بل الأبدية السفلية، موطن الشبق الخام، هي التي تبتسم.. ينعق الغراب بهدوء حاسم فيُترجم صوته إلى كلمات بتلقائية مطلقة، ودون أدنى صعوبة في وعي منصور:
«ليس بعد الآن»} ص67.
وهو ما يبين إحساس الكاتب باللغة ودورها الفاعل في توصيل الإحساس، وجعل القارئ يعيش التجربة، وكأنه يعايشها. كما أنها تجسّم إدراك الكاتب لدور كل شخصية، محددًا ـ من اللغة ـ طبيعة الشخصية.
وقد استخدم الكاتب في تقسيم القصة إلى فصول مقدمة برسالة جديدة من منصور في السجن، منبئًا بأنه يعرف ما يدور، بينما الكاتب يخبئ من وراء هذه اللعبة، التي لم يكشف عنها إلا في نهاية القصة، وكأنه يُذكّر بتلك المأساة، ولا يترك فرصة للقارئ أن يتغافل عنها، ثم لجأ إلى عنونة الفصول بالأرقام. وكأنه ـ الكاتب ـ يُدخلنا في دوام التيه، والتوهان، ليهرب من مصير «منصور» ومصير الصحفي الذي حاول أن يكتب قصة «منصور». إلا أنه لن يُدعى إلى حفل في النهاية. وكأن الكاتب يدور حول الرؤية الأساسية، دون أن يفصح عنها، وهو لا يدري أن البدايات المأخوذة من خطابات «منصور» تقول وتفصح عما يجري خلف الجدران.
وهنا نعود إلى التوصيف الذي وصف به الكاتب عمله، بأنه «نوفيلا»، وإصرارنا على أن ما قدمه ليس إلا قصة قصيرة، حيث بها التكثيف، فلا نجد كلمة إلا ولها هدف، وكذلك الرؤية الكلية، وهي التكميم، الذي يتضح من أول القصة إلى آخرها، ولم تختلف عما كان عنصرًا في القصة، وهو الزمن، حيث يتحول كل ما ورد بها من تفاصيل إلى الزمن الداخلي للقصة، وكلها تؤدي إلى الحقيقة التي تكشف عنها القصة في النهاية، وهو الكشف عمن يشبه الإله، وهو الزمن الخارجي للقصة. فأصبحت القصة كلها تدور في ذهن كاتب القصة (الإله)، الإنسان القابع خلف الجدران، بينما (عبيده) من البشر موقوفون عن الكلام، ومن يخالف يلقى مصير «منصور» في السجون.
فإذا ما ذهبنا إلى اختيار الكاتب للمنصورة، ولاسم «منصور» تحديدًا، وهو الذي أحكم كل شيء بقدر، فليس لأنه يعيش في المنصورة، وإنما لأن المنصورة تسمى «جزيرة الورد»، بما يلقيه الورد من حمولات دلالية، كما أنها تقع في منطقة الدلتا، والتي تعتبر في مكان القلب من مصر، فضلًا عن أنها سُمّيت بهذا الاسم تفاؤلًا بانتصار القوات الأيوبية على قوات الحملة الصليبية في 5 أبريل 1250. فكان لها من الماضي ـ الذي أوردته القصة ـ نصيب كبير، حيث أُنشئت في القرن الثالث عشر الميلادي، إلى جانب أنها تحمل النصر، إلى جانب «منصور» الذي يقع في الأسر.. بدون محاكمة، وهو ما يشير إلى حبس النصر، وحبس الحرية، فكانت المفارقة، وكان الإحكام في صياغة القصة.
حمل ممدوح رزق طبلة المسحراتي، ليوقظ النيام، في قصته «جرثومة بو»، حاملًا على رأسه لافتة تقول:
{من يؤمن تمامًا بأنه لا أحد يُدفن ميتًا، بل إن الجميع يُدفن حيًا} ص102.
مثلما «منصور» الذي كمن وراء جدران السجون دون محاكمة، مقطوعًا عن الناس، فكأنه ميت.. وهو حي. فما زال السؤال يؤرقه.. ويؤرق كل قرائه:
{سؤالًا واحدًا وهو يبدع بخبرته المحضر الفاخر، والمرصّع بكل ما يمكن أن يتكرّم به من تُهم جاهزة، سيتعاون معه العمدة في تلفيقها ليضمن عمق الهوة التي سيلقينا فيها، فضلًا عن حفلة الانتهاك البدني والنفسي التقليدية والواردة للغاية.. سنتحوّل كلنا إلى منصور عبد الرحيم.. سيتم تطبيق كل أشكال التعذيب المدوّنة والمرسومة في قصته على أجسادنا، كأننا متطوعون لتبادل الخبرة بين الجلادين} ص30.











