مقدمة كتاب “الطمأنينة” للفيلسوف الألماني ويلهلم شميد

ترجمة: محمد غيث الحاج حسين

في البداية كانت مجرد ظاهرة أدهشتني، وبعد أن تأملتها ملياً، صارت شغلي الشاغل. عندما قاربت عامي الخمسين، ألقيت للمرة الأولى، محاضرة عما يشغل ذهني وأقصد الشيخوخة. الحاضرون من كبار السن قالوا لي: “محاضرة جيدة، أيها الشاب، ولكن ليس بمقدورك أن تلم بالموضوع إلماماً كاملاً”. ولكن تأملاتي في الموضوع لم تكن نابعة في الواقع، من حالتي أنا، بل من حالة أمي. لقد أدهشتني حقاً، كيف عاشت حياةً رائقة، بشكل مختلف عما عاشه الآخرون. كنت أراقبها كي أتعلم منها، ما يمكن أن يكون عوناً لي فيما بعد. ما الذي جعلها مطمئنة على هذا النحو؟ كيف لي أن أحظى مستقبلاً بمثل هذه الهناءة؟

في تلك المحاضرة سخرتُ من فكرة أن المحاضرة، تمحورت حول التقدم في السن. أوليسَ التقدم في السن، شكل من أشكال الشيخوخة؟ هل يفضل الناس أن يكونوا مسنين على أن يكونوا عجائز؟ عندما سأبلغ الستين من عمري، قلتُ متباهياً، لن أعتبر نفسي عجوزاً، بل يرضيني أن أكون كبيراً في السن. سوف لن يكون السؤال عن التعامل مع الشيخوخة، لاحقاً، والذي يشتغل عليه الباحثون بجد في جميع أنحاء العالم، سوى ذكرى تاريخية في لحظة اختفائها: أنا واحد من الذين يودون معايشة تجربة الشيخوخة. وأنا مستعد لخوضها، كما هي بكامل قوتي، وبكثير من الصفاء قدر الإمكان: سأقبلها ولن أعارضها. ولن أجمّلها أو أحط من قدرها، بل سأعيها بكامل مداها، بما فيها من سهولة وصعوبة، جمال وفظاعة، وسأعيها ليس من خلال نظارات وردية أو قاتمة، ولكن بالقدر المتاح من الوضوح، لأن النظر برصانة إلى الأشياء هي ميزة من ميزات التقدم في السن.

في هذه الأثناء بلغت الستين عاماً، إذاً أصبحتُ كبيراً في السن. والحقيقة أن ذلك ليس بالأمر السهل، وهو لا يروقني. في عامي الستين اجتاحتني موجة حزن، لأني ودعت سنوات الخمسينيات من عمري، والتي كانت جميلة ولن أستطيع عيشها من جديد. وقبلها أحزنني أيضاً وداع سنوات الأربعينيات، وكنت وقتها غير واثق بما تخبئه السنوات القادمة لي. من المؤكد أنها مجرد أرقام، ولكن هذه الأرقام تشير إلى حقائق تتسلل وتقفز فجأة إلى الوعي: الزمن الماضي، يمتد، والزمن القادم، يضغط، وأما الموت فيغدو أقرب فأقرب. كل الاستعدادات الذهنية لا يمكن أن تستبق الشعور بالتجربة عندما تصبح واقعية. وهل تأثير الأقوال المأثورة التي تحاول الاحاطة بتجربة الشيخوخة، محدود، من قبيل: الانسانُ عجوزٌ حقاً، بقدر ما يشعر بالشيخوخة؟ ولكن في الغالب يكون الانسان مسناً، والشعور بهذه الواقعة لا يمكن أن يغير شيئاً، بل على النقيض من ذلك: إنه يميل إلى ممارسة الخداع، وهو ليس بالأمر السيء دوماً، ولكن في النهاية، فإن الخيبة ستزداد، إذا تعذر الوصول إلى الحقيقة، على الرغم من الأقوال المأثورة اللطيفة.

لوقت طويل تخيلت الشيخوخة، كحياة ممتعة على شرفة مشمسة، أنظرُ إلى الأمداء الواسعة، سعيداً بنفسي وبالعالم، ولكن ما افتقدته حتى الآن [وقد أصبحتُ مسناً]، هو الشرفة، وبالتالي كل الاشياء الباقية. الشيء الاكيد، هو أنني لن أكون من بين المسنين الذين يريدون أن يظلوا شباباً على حساب سخريتهم. لا أريد أن أكون ذلك العجوز الحانق الذي ينفجر غضباً من كل ما فاته في حياته. لا أريد أن أكون ذلك العجوز، بكامل عتاده القتالي، ونظرته الواثقة من صواب كل ما يفعل، الذي يُنفّس عن نفسه، بالغضب من الشبان الذين يفعلون دوماً [حسب رأيه] كل ما هو خاطىء. أنا على قناعة تامة بأن الشباب محقون دوماً، حتى لو لم يكونوا مصيبين أحياناً، إذ لديهم الحق في خوض تجاربهم الخاصة، والتي إن لم تكن صحيحة، ولكنهم سيتعلمون منها الدروس.

يحيا المرء حياة هادئة فقط، بقبول ما هو حقيقي، وكل ما عدا ذلك يتطلب منه جهداً جباراً لإنكار كل الأباطيل الزائفة الموجودة. وأحد جوانب حقيقة الشيخوخة، هي أنها صيرورة تواجه الفناء أكثر من أي شيء آخر. كان الأمر دائماً هكذا، ولكن في العصر الحديث، يبدو الأمر مزعجاً، ففي هذا العصر، تصنعُ التقنية كل شيء، فلماذا لا تصنع التقنية الشباب الأبدي؟. أود الحصول على الشباب الأبدي، ولكن أي نوع من الحياة سيكون بانتظاري؟ بلى، أريد حياة ممتعة، إيجابية، ولكن ألن تصبح السلبية والقلق مشكلة كبيرة؟ فبدلاً من بذل الجهود المضنية لمحاربة الشيخوخة، أفضّلُ أن أحملَ بثقة تلك الحياة المدفونة في تجاعيد الشيخوخة.

إن تَعَلُّمَ المرء التعايش مع الشيخوخة، هو الوظيفة الجديدة، لقيام فن، كان يعتبر في السابق من البديهيات: فن الشيخوخة، بدلاً من معاداتها. إنه الفن الذي يساعد في مواجهة التحديات التي تطرحها هذه المرحلة من العمر، من مثل، جمال الحياة وقيمتها. وهذا لا يقتصر على حياة المرء فقط، بل يتعداها إلى جميع أشكال الحياة.

منذ زمن طويل كان فن الحياة مثار اهتمامي، لأنني أحتاجه. ويعود مصطلح فن الحياة إلى الفلسفات القديمة، من يونانية (techne tou biou, techne peri bion) ولاتينية (ars vitae, ars vivendi). والمقصود بفن الحياة، هو عيشها بشكل واعٍ. وفي اللغة الشعبية يُفهم من فن الحياة، العيشَ الخالي من الهموم. إنه خيار لكل من يريد الاستفادة منه، ولكن دون بذل المجهود الكبير الذي يستحق عليه اسم فن. وأما الخيار الآخر فهو التوجيه الدائم للتفكير في الحياة. مثل هذا الوعي ليس ممكناً دوماً، وهو ليس ضرورياً أيضاً، إذ يكفي من وقت لآخر، التأني وإمعان التفكير في الشيخوخة، ماذا تعني؟ وكيف تسير؟ أين أقف في هذه اللحظة؟ وما الذي تخبئه لي؟ كيف أكون مستعداً لها؟ وما الذي بمقدوري فعله وما الذي ليس بمقدوري فعله؟ فن الحياة، في هذه المرحلة من العمر، هو انعكاس لمحاولة المرء أن يعيش حياة واعية، ذات معنى، وحتى لو لم تكن مغرية، يكفيه أن يحياها ببساطة فقط.

تكمن مشكلة الشيخوخة في العصر الحديث في أنها بلا جدوى، بل يُنظر إليها على أنها مرض يجب تشخيصه مبكراً ومكافحته، حتى يمكن في النهاية استئصاله. إن تفسير الشيخوخة كشيء لا جدوى منه، يجب مواجهته بكل الوسائل، هو بمثابة، ورم نافر للأنوية المفرطة في العصر الحديث، والتي يروج لها الأنا الشاب الأبدي: دوماً وإلى الأبد. وفي أغنية فرقة (Alphaville) من مونستر 1984 وعنوانها شاب إلى الأبد / Forever young، يأتي التعبير عن الرغبة [بخلود الشباب]، بعد الابتهال وأصداء الحرب. ولكن عندما ينفرد أحد التفسيرات بالمعنى، يصبح من الواجب إيراد تفسير آخر، لأن الثقافات التي تقدم تفسيراً أُحادياً، تهدد الحياة: إنها تغرقها في النوم، ولن يوقظها، ويعيدها حية من جديد، سوى التمرد. إن التفسير الآخر، أي إضفاء المعنى على الشيخوخة، يمكن أن يصبح علامة على حداثة مغايرة، ولكن أي تفسير أقصد؟

إن المعنى الطبيعي للشيخوخة يمكن أن يسود تدريجياً بالتعود الفردي على حقيقة، أن الطبيعة تُرجِح العناية بذلك المخلوق، الحساس المدعو إنسان. والطبيعة تعرف أيضاً، مبدأ “شاب إلى الأبد / Forever young”، وهي تتصرف بشكل مختلف عن الثقافة الحديثة: إذ تبقى إلى الأبد، [ولكن] من خلال زوال حياة، وولادة حياة أخرى. بمقدور الطبيعة أن تنهي أي حياة بضربة قاصمة، ولكن الموت، لا يناسب جميع المخلوقات، لأن الطبيعة تفضل السيرورة البطيئة للشيخوخة: وهكذا يتاح الوقت الكافي لدعم الحياة المتنامية، ومنح الخبرات، وخلق خبرات جديدة. إن العيش وفقاً لهذا المعنى يعني، [بصيغة مستقاة من حياة النبات]: ما دامت الزهرة تتفتح لنفسها وللآخرين، فإنها تبقى متماسكة نوعاً ما، وترضى بالذبول. يجب الاحتفاء بالحياة واستمرارها، سواء أكانت حياة المرء الخاصة أو جميع أشكال الحياة. هل أنا قادر على أن أحيا حياةً ناضجة ممتلئة؟ وهل أنا قادر على قبول حدودها الزمنية، بهدوء؟

وأما المعنى الثقافي الذي يمكن أن نعطيه للشيخوخة، فيتمثل باكتشاف المصادر التي تجعل الحياة، أبسط وأكثر ثراء، وخاصة الآن. وأحد هذه المصادر هو الطمأنينة، التي تبدو مفقودة، ويزداد الحنين إليها، بعد أن قلبت الحداثة حياة الناس رأساً على عقب. لقد احتل مفهوم الطمأنينة (Atraxia) مكانة عظيمة في الفلسفة الغربية منذ أبيقور في القرنين الثالث، والرابع قبل الميلاد، وأيضاُ في اللاهوت المسيحي منذ المعلم إيكهارت في القرنين الثالث عشر والرابع عشر. ولكن عصر الحداثة طوى الطمأنينة في غياهب النسيان، وأسقطها ضحية للنشاط العاصف، وللتفاؤل العلمي والتقني، ولم يَعتبر ضبط النفس بمثابة فضيلة. إن الهدوء المصطنع الذي حل محلها، حافظَ على دفء ذكراها وعمقها الانساني، يقظاً. الشيخوخة هي العمر الذي يبدو طويلاً للوصول إلى حالة الطمأنينة، ولكن المرء لا يحوزها، في الأوقات العصيبة دون صعوبات جمة. كيف نستعيدها؟ وهل يمكن للمسنين أن يصبحوا أكثر طمأنينة؟

أنا لا أعيش حالة الطمأنينة، ولكنها تبدو محبذة لقضاء حياة هانئة. من المؤكد أنها مفيدة في كل مرحلة عمرية، وتكتسب مكانة خاصة في مرحلة الشيخوخة، حين تصبح الحياة صعبة وشحيحة. ويمكن الفوز بها في هذه المرحلة، عندما لا تكون حياة المرء مهددة بالخطر، وتكون هرموناته قد هدأت قليلاً، كما ازداد رصيده من التجارب والخبرات، وأيضاً عندما تكون رؤيته قد صارت أكثر اتساعاً، وتقييمه للآخرين وللأشياء، أكثر دقة.

 

 

 

اسم الكتاب: Gelassenheit

اسم المؤلف: Wilhelm Schmid

دار النشر: Insel Verlag

الطبعة العاشرة 2014

 

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع