مشحوت

حسام إبراهيم

لم أجد نافذة لنسيانه! لم أجد سوى ألوان الدهشة وعلامات الاستفهام والتعجب بين حضوره الغريب وغيابه الأغرب ونداءات الحنين لموهبته الفريدة ومحركات الفضول لمصيره المجهول! 

مشحوت كان في الثامنةعشرة ولكن من يراه يظن أن عمره لايتجاوز ثلاثة عشر عام على الأكثرا. عندما يعود من مشوار كلفته به أمه يركض عيال الحارة خلفه ثم يضربون حصارا حوله وسط الصيحات الملتاثة:”العبيط أهه.العبيط أهه” وقد يزيد هذا او ذاك في استعراض الشر المنصوب فيضع له ذيلا من ورق عادي او مزركش بألوان صارخة وفاقعة لو تيسرت الأمور! كل ذلك ومشحوت يسير ببطء.يمشي الهوينا وكأنه لايرى شيئا ولايسمع شيئا! أكاد أجزم بأنه كان يبذل جهدا هائلا للسيطرة على أعصابه لأنني كنت ألاحظ أنه يتنفس بصعوبة.أحيانا كان يبدو مذعورا يرتجف وساقاه الضامرتان بالكاد تحملان جسده الواهن. عندما يعترضون طريقه ويشرعون في التنمر وتهديده بالضرب، يلتفت لهم بوجهه الشمعي الخالي من الانفعالات، وجه كأنه صنع من شمع او صابون! لبرهة قصيرة يقف متخشبا بلا صوت او حركة، كما لو أن الموت يمد أذرعه نحوه، ثم يدفعه الذعر السيال للبحث عن طريق او آخر للفرار والنجاة بنفسه ولكن أين النجاة والهروب من هذا الحصار الفاجر؟!.

“مشحوت…م ش حوووو ت” ينادون ويهلفطون ويهرتلون ويتقافزون حوله وهو بلا حول ولا قوة. لم أراه أبدا يحاول الدفاع عن نفسه. ينتظر حتى يظهر فاعل خير يدفع عنه الأذي وغالبا مايكون فاعل الخير هذا هو محجوب المراكبي الذي أمضى سنوات وسنوات في العمل على مراكب وصنادل وسفن في رحلات شتى بنهر النيل وبعضها كانت تصل للسودان.هو ذاته سوداني الأصل لكنه تزوج زكية المصرية واستقر في حارتنا منذ زمن طويل. محجوب الذي يهب دائما لإنقاذ مشحوت يخشاه العيال الأشرار في الحارة لأنه يمتلك جسدا عملاقا رغم أنه   يمضي في عقده السابع وله ثلاثة أبناء أشداء ورثوا قوته الجسدية وعنفوانه لكنهم اختاروا العمل في البر بدلا من النهر وقيادة الميكروباصات بدلا من المراكب.

عادة ما يصطحب عم محجوب الولد مشحوت للشارع العمومي ويشتري له كيسا من أكياس غزل البنات التي يحبها. يطيب خاطره ويؤكد له أنه لم يسمع مثله في العزف على الناي سواء في مصر او في السودان ويوصيه بألا يلقي بالا لهؤلاء الأوباش الذين ابتليت بهم الحارة في زمن أغبر.يتمشى معه في الشارع العمومي ويعرج معه على دكان شعيب المكوجي في جلسة قصيرة يلعن فيها الحارة الناقصة التي تسيء لولد موهوب ولا ترحم ضعفه وقلة حيلته وعندما يستبد به الغضب تختلط لهجته السودانية بلهجته المصرية ويتساءل بألم:”فين راحتا الأيام الحلوة والناس الطيبين والعالم الزين يازول؟!..شنو اللي داير في الدنيا؟!”..ببخة ماء يبخ شعيب البنطلون المستسلم للمكواه ويخبط مكواته بتلذذ ثم يتعامل برقة وفن مع البنطلون ويهز رأسه مؤمنا على كلام محجوب المراكبي ويقول :”الواد ده فنان كبير.كبير قوي. فاكر لما راح معاك مولد سيدي أبو الفرج والناس انسحرت بالناي ومشحوت آخر سلطنة” يبخ شعيب بخة ماء أخرى وينزل بالمكواه على البنطلون ويضحك مضيفا:”حتى عبوده شركس الفتوة اتبدل بواحد تاني غير عبوده شركس!”.

لم يبالغ شعيب المكوجي او يجامل فأنا كنت حاضرا في تلك الليلة المشهودة بمولد أبو الفرج. بالفعل رأيت الفتوة عبوده شركس ينصت لمشحوت مبهورا بسحر الناي ومع ألوان الشجن ومذاقات الوجد بدا هذا الفتوة شخصا آخر غير هذا الشخص المعروف بملامحه القاسية وقبضته الباطشة ومعاركه الدامية وهو يتمايل بخفة ويطوح رأسه يمينا ويسارا ويهتف بحب وعذوبة:”اللهم صلي على حضرة النبي”.   

في طريق العودة ينظرعم محجوب المراكبي لعيني مشحوت نظرة عميقة تستمربرهة وبعدها يغلق عينيه كأنه يحتفظ بسر خطير ثم يفتحهما ويقول لمشحوت:”لله وللرسول تسامح الحارة وأهلها” وعندما يقتربان من بيت مشحوت يقول له “ماتيجي تاكل معانا.زكية عاملة ويكا” ويضغط ضاحكا على كف مشحوت وهو يقول:”مش عزومة مراكبية”.    

بمجرد أن يصل الشقة المتواضعة التي يعيش فيها مع أمه وأخته ينزوي مشحوت في ركن او يرتمي على كرات من قماش قديم وقصاقيص وهلاهيل وشراشيب تبيعها أمه وتطلب منه أن يسلمها لعم عوض صانع السجاد الرخيص.

“تعال هنا يا مشمش!” هكذا تدلله شقيقته جميلة وهي اسم على مسمى.تكبره بعام واحد وسبحان من خلق وأبدع في جمالها. آه من قدها المياس وجاذبيتها وسحر عينيها وجدائل شعرها الذهبي. فاتنة شابة مؤهلة بامتياز لتكون نجمة سينمائية بدلا من ماكينة الخياطة التي تجلس إليها لتحيك قطع ملابس رخيصة لسكان الحارة والحواري المجاورة!

دائما يستجيب مشحوت لنداء جميلة. يمضي إليها في بكائه السري وبؤس هوانه على نفسه والناس ويجالسها فتمرر يدها الوردية على رأسه. تغلبه دموعه فينفطر قلبها لكنها تغالب دموعها وتربت على كتفه وتتضع قبلة على جبين الفتى المتهم دوما بالجبن والبلاهة!

” أنا عبيط؟! ” هاهو يتحدث ويتساءل ولو بصوت واهن ومرتجف. “لا.طبعا لا.أنت عاقل جدا ومؤدب وحساس وفنان كبير” يسمع إجابة جميلة فيتسلل طيف ابتسامة لوجهه الشمعي.جوابها الواثق لسؤاله الأسيان يذيب طبقة الشمع البليدة ويتحول الطيف لابتسامة كبيرة تحمل كثيرا من العرفان لأخته الحبيبة التي لم ولن يحب أحدا في الدنيا مثلما أحبها…”هات الناي وسمعني ….” قبل أن تكمل ماتريد قوله تقاطعها أمهما بصوت أقرب للاحتجاج:”احنا في عز الضهر! بعد المغربية يبقى بسلامته يلعب بالناي فوق على سطح البيت!” تقولها أمه وهي تنظر لأعلى وترفع اصبعها السبابة.لايعلق مشحوت بكلمة وهو يجلس بجوار اخته ويطيل النظر إليها وكأنه يتأمل مليا كل تفاصيلها وتقاطيعها.

في أعماقه لم يفارقه الشعور المؤلم بأن أمه تنفر منه وأنه في نظرها مجرد وجود فائض عن الحاجة وكان من الأفضل له ولهم آلا يوجد أصلا.تعتبره قدم نحس وشؤم وتصفه بغراب البين الذي مات أبوه عامل المعمار بعد يوم واحد من مولده ساقطا من سقالة في عاشر دور بعمارة كبيرة تحت الأنشاء ليتركهم لعالم لا يرحم.أحزان فقد رجلها قهرتها ولم تجد في صدرها ماترضع به هذا الوليد المشئوم! كأن وجوده غلطة لقدر لم يكن أبدا رحيما بهم. أخته جميلة هي عالمه ووحدها الصدر الحنون..لم يتعلق بأحد في هذا العالم سواها هي والناي الذي لايعرف أحد بالضبط كيف برع في عزفه..هذا لغز وأعجوبة من أعاجيب الدنيا..لم يعلمه أحد العزف على الناي وأسرته الكحيانة  لاعلاقة لها بالناي والموسيقى ككل ومع ذلك لايوجد شاب في سنه بمقدوره أن يضارعه في العزف على الناي!..بعض الكبار في حارتنا قالوا أنه ملبوس بعفريت من الجن عاشق للناي وهذا الولد العبيط مجرد واجهة للروح التي تلبسته لتسحر الجميع بعزفها الساحر للناي!..هناك أيضا بين الكبار من يكتفي عند سماع عازف الناي العجيب بهزة من الرأس ولسان يلهج بخشوع: “…ويخلق مالاتعلمون”أما الشباب والصغار فيكتفون عند سماعهم لناي مشحوت بفتح أفواههم وقد استبدت الدهشة بثغورهم وتقاسيم وجوههم بينما تحترق قلوب الأشرار منهم بالغيرة فيزيدون في الكيد له والتنكيل به..مشحوت لايقلد أحدا او يقتبس من أحد وهو يعزف وينفخ في الناي فيفتح أشرعة في قلوب مغلقة ويبحر بها لمرافيء السحر والجمال ويخف الوجود ويرفق..كل مايعزفه وليد ابداعه وبنات الهاماته..اقصى درجات الشجن ووجد بلا حدود وتجليات بلا سقف..بالفعل الموسيقى إيقاع  وفي تلك اللحظات التي تنبعث فيها موسيقى مشحوت يتغير إيقاع حارتنا و تنحسر الغلظة الطافحة على وجه الحارة ووجوه سكانها وتتوقف عقارب الشقاء الطويل وترتخي مخالب التعاسة وقد تلين قلوب باتت كالحجارة او أشد قسوة!..في تلك اللحظات كنت أشعر دائما بالامتنان لمشحوت الذي يمنحنا العذوبة والشجن واراه جديرا بالحب والتقدير ولا يستحق كل هذا التنمر والأذى من كل من هب ودب من أوباش يوزع الشر حصته اليومية عليهم!.

أمه بتفكيرها العملي ومحنة الفقر الدكر والغلب الذي لاينتهي تمنت أن يعمل مشحوت في أي فرقة موسيقية وأن تتحول موهبته في العزف المبهر على الناي لنقود تطفو بهم على وجه الدنيا بدلا من الغرق تماما تحت موجات الفقرالتي تجلدهم كسياط من نار.لسوء حظه وغرابة خلقته لم يقبل أحد وجود هذا الكائن الغريب الأقرب لتمثال من الشمع ضمن أي فرقة موسيقية حتى لو كان يمتلك كل هذه الموهبة الفريدة كعازف ناي لايبارى! أرخص الفرق التي تعمل مع أرخص الراقصات رفضت مشحوت! ضحكت أخته جميلة عندما سألتها أمها عن قوطة الرقاصة ابنة الحارة التي خرجت منها بلا عودة.

-“آه لو أعرف فين أراضيك ياقوطة.هي اللي ممكن تشغل الواد مشحوت.مش هاتقولي لا”

-“مابقتش قوطة ياأمي.اسمها دلوقتي تاتي وبترقص في أكبر فنادق البلد ومعاها فرقة بالبدل والكرافتات والببيونات.مش هاترضى مشحوت يشتغل معاها”.

-“الله يرحم أيام ماكانت بتاكل قشر البطيخ من كوم الزبالة في الحارة”.

“أرزاق يامة وكل حي بياخد نصيبه”.

-“احنا بس اللي حظنا أسود وبكرة تتجوزي وألاقي نفسي لوحدي مع بوز الأخص الموكوس ده”.

“ماله ياما؟!. مشحوت ده والله فنان كبير”

“يافرحتي بفنه اللي مغرقنا بخيره.الموكوس موكوس والمنحوس منحوس ولو علقوا على بابه فانوس!” وتضيف:”بيقولوا في الأمثال مادام معاك موز لازم هايجيلك قرد. والمنحوس ده حتى القرد مش راضي يجيله! واد بخته مايل من يومه” ثم تزفر بحرقة وأسى وتقول:”الفرج ياسيدي أبو الفرج”!

عرفت مشحوت منذ ولادته لأننا ببساطة نعيش في بيت واحد بحارتنا العتيقة …بيت قديم يفخر بطوابقه الثلاثة في حارتنا التي تتقزم بيوتها فلا تزيد في أغلبها عن طابق او طابقين لا أكثر. وسطح بيتنا كتب له الخلود بفضل ناي مشحوت! عرفته وعرفني وكلما رآني يهز رأسه ويبتسم لي بل ويبادلني الضحك عندما أقابله أحيانا ويكون مزاجي رائقا فأصيح ضاحكا:”مشحوت: إعطني الناي وغني”.

أنا أكبره بسنوات قليلة وأستطيع أن أؤكد أنني لم أشارك أبدا في فعل او قول من أفعال وأقوال عيال الحارة الذين تنافسوا في إيذاء مشحوت! فقط لي أن أعترف بأنني كنت أشعر بكثير من الخوف في أعماقي عندما أنظر لوجهه الشمعي الذي يذكرني بالموتى والموت فتتوالى الصور المخيفة في خيالي الطفولي ومع كر الأيام واعتياد الوجوه انحسر الخوف وحل محله مد هائل من الاعجاب بموهبة مشحوت وبفضل هذه الموهبة وفضولي لمعرفة سرها بدأت أقرأ بعض الكتب في عالم الموسيقى رغم أنني طوال سنواتي بالمدارس لم أنجح أبدا في الأداء والعزف على أي آلة موسيقية. صحيح أنني مثلي مثل الملايين والملايين في هذه الدنيا الواسعة أحب الموسيقى والأغاني لكن الصحيح أيضا أنني لم أفقه شيئا من قبل في فنيات وتقنيات الموسيقى ولم أستوعب تماما حتى أبجديات مثل السلم الموسيقي ناهيك عن النوتة الموسيقية والتلحين والتوزيع! شعرت بدهشة عندما عرفت أن فلاسفة كبار في الغرب كهيجل وشوبنهاور ونيتشه كتبوا في الموسيقى وعرفت أن الكاتب الدكتور مصطفى محمود كان عازفا بارعا على الناي.

بالفعل ناي مشحوت الشجي دفعني لقراءة كل ماتيسر لي عن تلك الآلة الموسيقية البسيطة تماما في مظهرها والمؤثرة تماما في جوهرها والتي تعد من أقدم الألات الموسيقية بل أن هناك من يؤكد على أنها أقدم آلة موسيقية في تاريخ البشرية.مجرد قطعة من الخشب المجوف أشبه بقصبة لها خمس فتحات للأصابع ويمكن أن تصل لسبع فتحات كناي مشحوت الذي قيل ان أباه عامل المعمار والذي لم يعرف عنه اي شغف او اهتمام بالموسيقى جاء به للبيت لسبب غير مفهوم قبل سنوات من مولد الابن وتركه مهملا وسط كراكيب شقتهم البائسة ليعثر عليه الصبي اليتيم مشحوت وينفخ فيه كما لم ينفخ أحد!  

 قرأت كثيرا لكن الكتب لم تمنحني إجابة عن سرالموهبة الخارقة لمشحوت في العزف على الناي فقلت لنفسي مايردده البعض من أن هناك أشياء في عالمنا لا تفسر بالعقل وحده وشيئا فشيئا أقتنعت بيني وبين نفسي أن من بين الأشياء التي لايمكن أن تفسر بالعقل وحده تلك الموهبة الفريدة لمشحوت حتى أنني وصفته “بسلطان الناي” وهو الوصف الذي أسعد عم محجوب المراكبي فأصبحت من المقربين له والمسموح لهم بمجالسته وسماع حكاياته العجيبة في أعالي النيل وبين الشلالات والجنادل والتماسيح والايقاعات المهيبة والغريبة لاارتطام المياه بالصخور وسحرعرائس وحوريات النهر الخالد!

محجوب المراكبي يحق وصفه بأنه أحد كبار السميعة وذواقة الأغاني والموسيقى الشرقية وايقاعات الجنوب على وجه الخصوص. في رحلاته الطويلة وايامه الممتدة على صفحة النيل كان الراديو رفيقه والأغاني سلواه..بعد أم كلثوم او “الست” كما يصفها عندما تأتي سيرتها اويتحدث عنها يعشق صوتين أحدهما من السودان والآخر من مصر..من السودان محمد وردي الذي اشتهر بأغانيه السياسية والثورية لكن عم محجوب يحلو له في ساعات الصفاء ترديد كلمات أغنيته العاطفية “أنا عارفك يافؤادي طال عذابك وسهادي …” ولاينسى أن يشير باعتزاز واضح إلى أنهما من مواليد قريتين جارتين في شمال وادي حلفا وعرفا معا اليتم المبكر بفقد الأب وهما رضيعان مثل المسكين مشحوت ثم يصمت لحظة ويقول بتأثر:”كله مكتوب”.. أما الصوت المصري الذي يتسلطن معه فصوت محمد قنديل ويصفه بالسلطان وهو يحفظ أغانيه وتظهر أسنانه الناصعة البياض عندما يضحك وهو يردد أغنيته:”جميل وأسمر بيتخطر …”. بالفعل يكون صباحي نديا وباعثا على التفاؤل إذا شاء الحظ أن ألتقي عم محجوب وأنا في طريقي للجامعة.

في الجامعة تعرفت بزميل يعزف على الفلوت في فرقة من الفرق الموسيقية الشبابية التي انتشرت فجأة لتجذب جمهورا كبيرا من الشباب وتثير مناقشات خصبة وتطرح رؤى جديدة حول الأصالة والمعاصرة والتعبير والتطريب والسخرية وتراث سيد درويش وزكريا احمد ومحمد عبد الوهاب ورياض السنباطي ومحمد فوزي والأخوين رحباني والهوية والحداثة والعولمة والصدق الفني واشتراطات السوق وكان من الطبيعي أن تتردد أسماء أعلام في الموسيقى كموتسارت وبيتهوفن وباخ وشوبان وهاندل وهانز زيمر وكورساكوف وتشايكوفسكي.

حضرت أكثر من عرض للفرقة التي يعزف فيها حازم زميلي في الكلية والذي أصبح صديقا مقربا بعد أن أعجبتني سجاياه وطيبة قلبه وأريحيته وروحه الفنانة. هكذا لم يعد غريبا أن يعرف كل منا بيت الآخر وأنن نتبادل الزيارات ونذاكر معا أحيانا ويحدثني عن أحلامه الموسيقية وطرائف المنافسات بين الفرق الفنية الشبابية.لم تكن صورة مشحوت تغيب عن ذهني في حفلات فرقة حازم وحوارات الساكسفون والبيانو والكمان والفلوت والعود.اين الناي؟!هناك الفلوت الذي أراه شبيها بالناي لكني لم أر الناي.هل هو مظلوم ومغبون في هذا الزمن مثل مشحوت؟! سألت حازم عن الفرق بين الناي والفلوت فحدثني حديث العارف بالاختلافات بين الناي الخشبي والفلوت المعدني. الناي رأسي والفلوت أفقي ومضى يعدد الفوارق في الأصل التاريخي والتصميم وطريقة الاستخدام ثم أنهى شرحه بجملة بسيطة وحاسمة:”الناي شرقي والفلوت غربي”.

في زيارة لبيتي كان حازم يتحدث كالعادة بحماس واعجاب عن موسيقى الشيخ امام وقصائد احمد فؤاد نجم ويروي حكايات طريفة عن عازف الكمان الشهير عبده داغر ونوادره وزياراته له في بيته بحي حدائق القبة وقبل ان ينتقل لحديثه الأثير عن أهمية حرية الفن والفنان وتشجيع التجريب وحلمه في اصدار ألبوم يحمل رؤيته ويصالح بين النزعة الطليعية والقبول الجماهيري توقف فجأة وهتف:”الله.ايه الجمال ده كله”! قالها حازم بنشوة عندما حمل الهواء الساحر عبر النافذة المفتوحة ذات مساء نغمات ناي مشحوت.

عندما طلب حازم ان يراه رويت له ملخص حكايته وهيئته الغريبة فازداد فضوله لرؤيته. صعدت للسطوح بخفة لأصطحب مشحوت وعندما رآه حازم جفل من وجهه الشمعي ورأيت الصدمة على ملامحه وكأنه ينظر لشخص خرج من قبره حالا وسيعود إليه بالتأكيد بعد لحيظات!

أنا سعيت لتجاوز اللحظة وصدمتها وبابتسامة اجتهدت في رسمها طلبت من مشحوت ان يجلس ويعزف شيئا من روائعه. بيني وبين نفسي كان رهاني ان ناي مشحوت سيبدد صدمة حازم من هيئته وقد كسبت الرهان فسرعان ماتبدى الانبهار وتجلت السلطنة واندحرت الصدمة وراح حازم يردد بنشوة:”شيء مش ممكن. حقيقي هايل”أنا انتهزت الفرصة وقلت لحازم:”مشحوت بحاجة لفرصة ليقدم ابداعه ضمن فرقة او تخت شرقي”حك حازم ذقنه وهو ينظر لمشحوت وبعد تفكير لنحو دقيقتين وجدته يقول:”النادي اليوناني.ممكن النادي اليوناني”. وعندما تساءلت عن هذا النادي اليوناني ومايمكن أن يقدمه لمشحوت راح حازم يحكي لي طرفا من حكاية هذا النادي الذي يقع في وسط البلد. هناك تجد مجموعات من الشباب ومتوسطي العمر وكثير من الأجانب والمتمصرين ويمكن أن نسميهم جميعا “عشاق وسط البلد”خليط من الثقافات والمهن مع اهتمام مشترك بألوان الفنون ومن بينها بالطبع الموسيقى والغناء. قال بنبرة العليم:”المزاج هناك أقرب لليسار” فرددت بسرعة:”لم يعد اليسار يسارا ولا اليمين يمينا” وأكملت ضاحكا:”المسائل ساحت والدنيا هاصت وزحمة يادنيا زحمة!”         

بلغنا صوت أم جميلة وهي تنادي:”واد يامشحوت” فأنصرف ملبيا لنداء أمه. أكد حازم لي أنه لم يسمع عزفا على الناي مثل عزف هذا الولد الغريب وبجدية أوضح لي أننا سنصطحب مشحوت معنا للنادي اليوناني حيث سيقدم مع فرقته عرضا هناك ضمن سهرة فنية كبيرة بعد أسبوع بالضبط.  

كم تمنيت أن نكون على موعد مع طائر من طيور الحظ السعيد في هذا النادي الذي لم أدخله من قبل أبدا. هاأنا مع مشحوت وحازم نصل لميدان طلعت حرب بتقاطعاته الخمسة. إذا كانت تلك هي المرة الأولى لمشحوت التي يسير فيها بهذا الميدان فأنا أعرفه جيدا وأعتبره علامة بارزة من علامات عبقرية المكان وعلاقته بالزمان في قلب مدينتنا الكبيرة. حاولت أن أقطع صمتنا وأستعرض تآملاتي ونظراتي التي دفعت بعض زملائي في الكلية الذين يحلو لهم المزاح والتفكه لوصفي بالفيلسوف ولامانع من أن يرتدي أحدهم قناع الجد ويقول لي بوقار: كنت ستنبغ لواخترت دراسة الفلسفة بدلا من الصحافة.قلت لحازم من هذا الميدان تستطيع أن تتجه لعدة عصور: شارع سليمان يؤدي للعصر الحديث وشارع قصر النيل إلى الحداثة الكولونيالية وشارع صبري أبو علم يؤدي إلى قاهرة العصر الوسيط. تدفقت أفكاري على لساني فقلت لحازم بشيء من الزهو ولاتنسى أنك إذا انتهيت من حي معروف الشعبي القريب ستجد “المثلث الأيديولوجي والأدبي الشهيربأضلاعه الثلاثة وحواراته الصاخبة: مطعم وحديقة الجريون-مقهى ريش-مقهى زهرة البستان”

كان مشحوت يمسك الناي بأصابعه الصابونية وينظر بصمت لهذا الميدان الكبير الذي يستقبل المارة بحفاوة في مطلع المساء ولكني لاحظت نظرة مختلفة وفضولية في الزاوية المحصورة بين تقاطع شارعي قصر النيل وصبري أبو علم حيث يختال محل جروبي بتاريخه الغابر. أنا ابتسمت لاهتمام مشحوت وفضوله وحدثت حازم عما قرأته عن هذا المحل واستدعيت تاريخا كانت فيه الجميلات والجنتلمانات يأتون صباح الأحد إلى جروبي ليتراقصوا على الفالس والتانجو وضحكت مشيرا إلى أنه لن يجد الآن داخل المحل سوى شباب غارق في متاعب وتكاليف الزواج.

فوق “جروبي” وفي الدور الأول من عمارة زاوية الميدان التي شيدت على الطراز الفينيسي قادنا حازم للنادي اليوناني وفي طريقنا للصعود كاد مشحوت أن يتعثر وينكب على وجهه فانزعج حازم وتغير لون وجهه.عندما دخلنا مقر هذا النادي شعرت بارتياح لروح المكان وزاد ارتياحي عندما لاحظت أن حازم وجه مألوف ومعروف هنا والكثير يبادلونه التحية والسلام بحميمية واضحة. الأجواء متسامحة وبعيدة عن التكلف والتصنع وجلست مع مشحوت وحازم على طاولة منفصلة لكنها متصلة بالود مع الطاولات المجاورة حيث الأحاديث العفوية باللهجة العامية المصرية والانجليزية والفرنسية والأسبانية والإيطالية وبالطبع اللغة اليونانية.

بدأت العروض بفتاة مصرية تغني بالانجليزية ثم راقصة يونانية ترقص رقصا شرقيا وغنت شابة أمريكية اسمها لويزا على موسيقى الجاز واستأذن حاازم ليقدم مع فرقته غناء عربيا على أنغام غربية. من طرف خفي شعرت بالسعادة التي تتبدى على ملامح مشحوت مع توالي العروض ثم سرحت مع أفكاري في هذا الوسط المعولم والأحلام الكبيرة والرغبة الواضحة لدى هذه الفرق الشبابية في الوجود الفني والخروج من الهامش للمتن

في انتظار عودة حازم لطاولتنا ومايرتبه للمشحوت تجولت عيناي بين الملصقات على الجدران والزجاجات وعلب المشروبات على الطاولات وتساءلت بيني وبين نفسي عما إذا كان مشحوت الذي أبهر الحضور الشعبي وأولاد البلد في مولد سيدي أبو الفرج قادرا على تكرار ابهاره هنا حيث الجمهور المختلف والهموم والاهتمامات المختلفة والنزعة الحداثية ومابعد الحداثيةا والرطانة بمفردات وتعبيرات غريبة! …………….

لم يتأخر الجواب! الكل في حالة انبهار ومشحوت يتجلى بالناي. الانسان هو الانسان والفن هو الفن سواء في مولد سيدي أبو الفرج وجمهور الانشاد الشعبي والتواشيح والابتهالات والتحطيب او في النادي اليوناني وجمهور “المودرن دانس والبوب والروك”.

الشابة اليونانية التي ترقص رقصا شرقيا انسابت برشاقة نحو مشحوت ومنحته قبلة دافئة ثم جاءت فتاة فرنسية عرفت انها مراسلة لصحيفة في باريس ومنحت مشحوت قبلة أخرى على جبينه وطالبة مصرية في كلية الفنون الجميلة منحته قبلة ثالثة.     

أقبل علينا منظم تلك السهرة الفنية متهللا.شاب وسيم اسمه بسام ويتحدث العربية بلكنة شامية: “برافو.بصراحة معجزة.فنان عبقري بالفطرة” ثم بقهقهة:”حتى اسمه فلكلوري”. تحلق حولنا أفراد من الجمهور وأعضاء في الفرق الفنية التي قدمت عروضها أثناء السهرة بالنادي وتدفقت أفكار وكلمات بسام:” أنا من أنصاراللقاء وليس الصدام بين القديم والحديث على المستوى الفني لكن لابد وأن نعترف بأن التكنولوجيا المفرطة أفسدت الذوق.المزيكا اليومين دول مش حلوة والقوالب مكررة وأغلب الأعمال متشابهة والناس اللي بتلحن بجد قليلة ولكن الفن الجميل يبقى مهما اختلف الايقاع” أنا كمسؤول عن تنظيم السهرات والمهرجانات الفنية والثقافية هنا أفكر مع الأصدقاء في تنظيم امسيات شعرية على انغام العود والجيتار ويمكن ان نضيف الناي.لم لا؟!نريد أن نخرج من الجيتو والخواجات وبتوع وسط البلد.نريد أشياء جديدة وجادة.نحن نريد أن نصل للناس. كل الناس ونقدم عروضا حتى على الكباري وفي المقاهي.من حق كل شخص أن يستمتع بلون الفن الذي يحبه.جميل أن نمزج بين التراث والحداثة والناي والجيتار والموسيقى الروحية والموسيقى الالكترونية”يصمت برهة ويقول:”عموما أنا أفضل أن أقدم مشحوت لأكبر جمهور ممكن في أهم سهرة فنية بالنادي أقصد حفل ليلة رأس السنة.نحن الآن في منتصف الخريف والعام يجري ولن يطول الوقت حتى يبدأ الموسم الشتوي وحفلات الكريسماس ورأس السنة.طبعا هناك ترتيبات تنظيمية ومالية أيضا. بصراحة الفرق الشبابية التي تقدم عروضها بالنادي ميزانياتها ضعيفة والفنان هنا قد يدفع من جيبه الخاص حتى ثمن بوستر الدعاية لكن بالنسبة لمشحوت سنحاول أن نفعل العكس.سندفع له قدر مانستطيع حتى ولو لم يكن المبلغ كبيرا. هو يستحق كل دعم وحضوره معنا مفيد لنا والأهم أنه يمكن أن ينطلق من هنا للمكانة التي يستحقها فعلا بعيدا عن المظاهر الخادعة والشكليات السخيفة”.

في طريق العودة لمنزلنا قال مشحوت ببهجة أقوى من ثقل لسانه وتعب سنينه:”جميلة هاتفرح قوي”.

عندما أخبرت جميلة بما حدث في النادي اليوناني ووجود فرصة لمشحوت ازداد وجهها اشراقا بفرحة غامرة وعندما أخبرت جميلة أمها بالحكاية قالت الأم بلهفة:”والنبي. … وفيها فلوس؟!” فغمغمت جميلة:”ربنا يسهل”        

 لم يكن من الغريب أبدا أن تصل ابداعات مشحوت على الناي ذروتها في أيام الخريف  لأن الخريف في بلادي هو الربيع الحقيقي فعادة مايعتدل مزاجنا مع اعتدال الجو بدءا من أواخر سبتمبر كل عام..يتراجع لهيب الصيف مدحورا اما برودة الشتاء فلا تزيد عن جنين في أحشاء الأيام..الخريف في وطني يعني سماء صافية وشجن وأنفاس كونية صوفية وقمر اكتمل ليسبح بدرا مطمئنا في السماء وهالات نورعلى المآذن وشيء من الأمل في نفوس البشر ومن بينهم أبناء حارتنا المعجونة بالشقاء!..كم  هو عذب وشجي وملائكي الناي في فم مشحوت وكم من ملائكة زارت حارتنا في هاتيك الأيام وكم من دموع سالت لتطهر النفوس على ايقاعات وألوان الشجن ومشحوت مستغرق في حواره البديع مع الناي والكون!..لاأعرف لماذا قالوا أن الروح التي تلبست مشحوت ليعزف الناي بكل هذا الجمال عفريت من الجن وليس ملاكا من الملائكة؟!.

في ليلة من تلك الليالي الساحرة وكما هي العادة بعد ان انتهى مشحوت من عزفه على الناي فوق سطح البيت بدا أن كل بيوت حارتنا قد كفت عن الحركة وتوقفت النساء عن الكلام على أبواب البيوت وعبر النوافذ التي تكاد تتلامس في الحارة الضيقة والبلكونات المتهالكة التي تئن من ثقل السنين والبشر وتنذر بالسقوط في أي لحظة!..بعد حديث الناي الذي أبدع فيه مشحوت دار حوار هامس بين شابة وشاب..لم تكن الشابة سوى جميلة شقيقة مشحوت أما الشاب فخطيبها عامر الميكانيكي الذي يحلم بأن يمتلك يوما ورشة لميكانيكا السيارات ويشكو دائما من أن الأسطى فؤاد صاحب الورشة التي يعمل فيها يأكل حقه ويبخس قيمته كميكانيكي يستطيع اصلاح أي سيارة!.

من حق جميلة وعامر مناقشة تفاصيل ماسيحدث بعد ساعات معدودة وأن يتبادلا الكثير من الهمسات وبعض اللمسات الليلة فغدا الخميس يقام حفل الزواج وتصبح زوجته على سنة الله ورسوله.هل من موضع لمشحوت في حديث كهذا الحديث الهامس على أجنحة الأحلام والأطياف والتوقعات؟!. مشحوت احتفظ بعادته الأثيرة في التموضع في جوف الليل متكوما وصامتا مع الناي على سطح البيت بعد أن قال الكثير بهذا الناي البليغ!..وجهه الشمعي شاخص للقمر الذي كان بدرا وأصابعه الرخوة تتحسس الناي وهاهو ينهض أخيرا من مهجعه الليلي الأثير ويسير ببطء وحرص على السطح كما لو أنه يخشى أن يسمع أحد صوت قدميه..سحابة تغشى القمر عندما وصل لحافة السطح وانحنى مستندا على السور الذي صمد طويلا في اختبار الزمن..عندما مال أكثر رأى تحته شقيقته جميلة وخطيبهاعامر المعجباني يقفان في البلكونة المتهالكة ويتحدثان بصوت يكفي ليسمعه من يسترق السمع مثله في صمت الليل..انهما يتحدثان عنه!.

“مشحوت طبعا حزين.كان يريد أن تبقي معه للأبد”. مشحوت يحبس أنفاسه ويصيخ السمع أكثر لعله يظفر برد جميلة كاملا:”هو حزين على طول..لكن حزنه هذه الأيام أكثر  وأكثر..المسكين يسألني باستمرار: ممكن أعيش معك..هل يوافق عم عامر؟!”..ضحك عامر وقال: “من أولها يعيش معنا!”..مرت لحظة صمت وأضاف برنة ساخرة:”ممكن يشرفنا بعد فترة بزيارات قصيرة..لكن من أولها لا..صحيح ولد حكايته حكاية!”.عندما قالت جميلة أن مشحوت سيعزف على الناي ليلة رأس السنة في مكان راقي اسمه النادي اليوناني رد عامر المعجباني بصوت ساخر:”ياريت ياخدوه اليونان او أي مصيبة ونرتاح منه”.انفطر قلب مشحوت وكاد وجهه الشمعي أن يذوب تماما وهو يرى شقيقته جميلة تضحك وتمنح قبلة خاطفة لعامر.

مشحوت تقهقر بعيدا عن حافة سطح بدا كحافة سيف مسموم.لايهمه ماقاله عامر انما يقهره مافعلته جميلة.افترش الأرض وقد تشابكت يداه على رأسه.على وجنتيه تتقاطر قطرات من دموع صامتة تنساب ساخنة بلا نشيج.طالت جلسته الصامتة مع دموعه الخرساء والناي مخنوقا بألام لاتحتمل.في لحظة فارقة نظر للناي طويلا ثم توجه ببصره شاخصا للسماء ونهض. لن يبقى هنا أبدا و …………………………………!

إن طالت خلوته او قصرت لن يهتم أحد فالكل يعرف أنه يهوى الاختلاء بنفسه على سطح البيت والبعض يقول أن عفريت الناي الذي يتلبسه يسكن هذا السطح حتى أن بعض سكان البيت يتجنبون الصعود للسطح ليلا خشية أن يصيبهم العفريت بأذى وعندما يضطر أحد للصعود نهارا يكون حريصا على قراءة المعوذتين.

ساعات الليل مضت ولم ينزل مشحوت أبدا من السطح الذي سيقام فيه فرح جميلة وعامر ولم يهتم أحد أبدا باختفاء مشحوت على مدى ساعات النهار الجديد في يوم مشحون بشواغل زواج سيعقد رسميا عندما يأتي المساء وسط طرقعة الزغاريد ويهل عامر المعجباني ويجلس المأذون بينه وبين جميلة..ربما يكون غياب مشحوت أفضل حتى تنتهي النساء من كنس السطح وتنظيفه قدر الإمكان مع شيء من الزينة الفقيرة ضمن الاستعدادات للحفل الموعود ..تبل أم جميلة الشربات الذي تطوع عوض صانع السجاد بدفع ثمنه وتضع الجارات وسط أجواء الفرح والمرح اللمسات الأخيرة على وجه عروس ليست في الحقيقة بحاجة لكثير من لمسات التجميل وهي المحسودة دائما لفرط جمالها!.

الزغاريد تدوي وتلعلع على سطح البيت المكدود وقد ارتدت جميلة ثوب الزفاف المتألق بجمالها وصواني الشربات تدور متراقصة وعامر المعجباني يتبختر مزهوا في بدلة تليق بعريس كسيب..كتب المأذون الكتاب وبدأت الفرقة الموسيقية الرخيصة عزفها خلف راقصة متصابية ومغني يبدو أن كلبا مسعورا قد عقره قبل أن يغني!..تطاير دخان أزرق من سجائر الحشيش والجوزة ليشكل غيمة من خدر لاتكتمل طقوس أفراح حارتنا وتصهلل إلا به مع ماتيسر من زجاجات البيرة وبعض المناوشات الخفيفة والنكات المكشوفة المتبادلة بين شباب الحارة والحواري المجاورة وتنافس محسوب بين أصحاب العريس وأهله على النقوط للراقصة وفرقتها وسط جعير المغني المسعور بأسماء أصحاب النقوط وتمجيده لأصلهم وفصلهم..للعريس ستة اخوة شاركوا في مهرجان النقوط  والمزمار والدفوف ولم يقصروا في تمجيد أسرتهم وتعداد مآثرها التي لايعرفها أحد اما جميلة فمن لها غير مشحوت؟!.لا أحد يذكر اسم مشحوت..كأن الجميع اتفقوا على أنه لامكان لشجن الناي في ليلة كتلك الليلة التي ينبغي أن تتسيدها الطبلة مع الرق والأكورديون خلف الراقصة الأفعوانية!..من يهتم إذن بمشحوت ونايه الذي يقطر شجنا؟!.

  حتى عندما ذكرت جميلة أخاها مشحوت الذي لا أثر له على السطح وهمست لأمها وتساءلت عن سبب اختفاءه. شوحت الأم بيدها وأشاحت بوجهها وهي تبرطم بكلمات غاضبة من ولد لاتأتي منه سوى المتاعب والغرائب…هل هذا وقت يجلس فيه وحده بالشقة أم يكون قد نام رغم كل هذا الضجيج؟!لاشيء مستبعد من مشحوت.ألحت جميلة في السؤال عن مشحوت فزفرت الأم غاضبة ومغاضبة ونزلت شقتها ومسحتها بعينيها فلم تعثر على أثر لهذا الولد. لم تجد سوى قط أسود يقف على نافذة مائلة ويحملق فيها بغضب ثم يقفز في ليل الحارة القتيل تاركا قشعريرة كصاعقة تصعق بالكهرباء جسدها المنهك!

” أين ذهب؟! تحول مشحوت لسؤال لاإجابة له! هووحده صاحب سره.لم يقصر أحد من أهل الحارة في البحث عن مشحوت. بل أن الشيء الوحيد الذي توحد فيه الجميع كان ذلك الشعور بالحزن لاختفاء مشحوت وكأن الحارة لم تدرك قيمته إلا بعد غيابه او اكتشفت فجأة فداحة خسارتها إن فقدت مشحوت للأبد! الأسى أستبد بأخيارحارتنا والندم أفترس أشرارها وبين الأسى والندم لم يقصر أحد في البحث عن مشحوت في كل ركن بالمدينة الكبيرة التي لا نعرف إن كانت تمزح مزاحا ثقيلا أم تبكي بكاء سخينا! عن نفسي كانت عيناي تغيمان بالدموع كلما سمعت عبد الحليم حافظ يغني:”… والسما بتبكي علينا والناي الحزين …” او استرجعت قصيدة “أنين الناي” للعلم الصوفي والشاعر الشهير جلال الدين الرومي وأسرح في أبيات القصيدة وأتوقف طويلا عند أبيات بعينها في القصيدة:”أنصت إلى الناي يحكي حكايته ومن ألم الفراق يبث شكايته …ومذ قطعت من الغاب والرجال والنساء لأنيني يبكون …أريد صدرا مزقا مزقا برحه الفراق لأبوح له بألم الأشتياق …فكل من قطع عن أصله دائما يحن إلى زمان وصله …. لم يكن سري بعيدا عن نواحي ولكن أين هي الأذن الواعية والعين المبصرة؟ …”             

هل نجح مشحوت الذي كان الأشرار يصفونه بالعبيط في أن يجعل أهل حارتنا أكثر حكمة ورحمة؟! كثيرا ما ألح علي هذا السؤال وأنا أرى جولاتهم المخلصة التي طافوا فيها بالمستشفيات وأقسام الشرطة ومشرحة زينهم ومقابر الصدقة والترع والمصارف وتجمعات الشاردين والمشردين تحت الكباري والجسور وخبايا الأنفاق وحلقات المجاذيب في الموالد والعرافين وتطوعت أنا بنشر صورته في جريدة كنت أتدرب فيها مع نداء لأهل الخير بالاتصال على رقم هاتفي لو عثروا عليه وعندما وصل خبر غيابه لفتوة الميدان عبوده شركس اجتاحه حزن صادق وقال بصدق:”هاندورعليه في كل حتة ومش هانسيب خرم إبرة!”.ماذا حدث وأين ذهب وأين اختفى؟..سيتردد هذا السؤال وغيره من الأسئلة المتعلقة بمشحوت  على مدى سنوات وسنوات أكل فيها الحزن عيني أمه لكنها كثيرا ما كانت تطلب من ابنتها أن تذهب بها لزيارة مسجد السيدة نفيسة والغريب أن أهل الحارة الذين كانوا في حضوره ينادونها بأم جميلة أصبحوا في غيابه ينادونها بأم مشحوت! وهاهي جميلة قد ذبلت قبل الأوان وإن أصبحت أما لطفلة تضارعها في جمالها في الأيام الخوالي قبل اختفاء مشحوت ولم تكف عن سؤالها المرير:”يعني الأرض انشقت وبلعته!”. أما عامر المعجباني فبات زهوقا ويثور لأقل سبب وأحيانا بلا سبب ومن حين لآخر يشكو من أن هناك من يراقبه سرا في كل خطوة!

حضور مشحوت كان غريبا وغيابه أكثر غرابة وربما كان في غيابه أقوى من حضوره لأن الحزن تفشى بين الجميع وفاض حتى طال أبناء الحواري والأزقة المجاورة وشيئا فشيئا لم تعد حارتنا تسمى باسمها الرسمي “حارة الحداد” وانما باتت “حارة مشحوت!”

وكما انقسم أهل حارتنا حول سر الموهبة الفريدة لمشحوت في حضوره انقسموا حول سرغيابه.هناك من قال بلهجة العالم ببواطن الأمور أن عفريت الجن الذي يتلبسه ذهب به لمملكة الجان تحت الأرض وهناك من رد على هذا الفريق بالقول: بل صعد به ملاك للسماء. والبعض قال بل مات اثناء الفرح واخفت اسرته الخبر ودفنوه في جوف الليل سرا بناء على نصيحة عامر المعجباني وزاد أحد حاسدي المعجباني والذين نقمواعليه لفوزه بجميلة الحارة والحي “جميلة” فقال وكأنه يقرر حقيقة لاسبيل لنفيها:”كانت ليلة مهببة وجوازة سودا”! ولم يتردد شخص آخر في القول:”يقتل القتيل ويمشي في جنازته!” ومصمصت واحدة شفتيها وقالت:”بس المسكين مشحوت استخسروا فيه حتى الجنازة!” لكن شعيب المكوجي تدخل مهدئا ليقول:”وحدوا الله ياجماعة مش يمكن يكون مشحوت لسه عايش!”.

لم ولن ينتهي الجدل وتحدث بعض المتعالمين من أهل حارتنا عن عصابات تخطف الصبية وتمارس تجارة الأعضاء لكن هذا الرأي لم يصمد امام سخرية البعض الآخر: وهل لم يجدوا إلا مشحوت ليتاجروا بأعضائه وهو الهزيل الذي يحتاج كل جسده لقطع غيار!..ثمة من ادعى أنه رآه بأم عينيه عند الباب  الأخضر في مسجد الحسين وعندما اقترب منه وجده فص ملح وذاب!..وحده محجوب المراكبي كان يلتزم الصمت كلما جاءت سيرة مشحوت او سمع صوت ناي لكنه يغلق عينيه برهة وكأنه يحتفظ داخله بسر خطير ثم يفتح عينيه شاخصا للسماء بابتسامة وهزة رأس وهو يغمغم بصوت لايكاد يسمعه أحد:”دعوا الخلق للخالق”.

تمضي بنا الأعوام وتتقاذفنا الأحداث والشواغل وتتخطفنا حوادث الأيام ورحيل الأعزاء وتسقط ورقة غالية من شجرة الأحباب برحيل عم محجوب وينهش ألم الفقد القلب ويهجر صديقي الحبيب حازم الموسيقى ويهاجر من البلاد.

أغفو فأحلم بأنني جالس في دائرة وسط براح بستان بديع مع محجوب المراكبي وحازم وشعيب المكوجي وعبوده شركس وجلال الدين الرومي وجبران خليل جبران والدكتور مصطفى محمود وعبد الحليم حافظ وبسام وفي مركز الدائرة يتألق مشحوت مشرقا بنايه الفريد ومتفردا بابداعه! أستيقظ من حلمي وبين بسمة ودمعة أكتب وماأنا بشاعر:”غفوت ذات مساء فزارني أحباب كرام … سألتهم صحبة لاتنتهي وطلبت وصال الكرام فقالوا: عند سدرة المنتهى يكون اللقاء والمرام”.                

  

           

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع