مسلسل “سوا سوا”.. الخلطة السحرية بين التشويق والواقعية

sawa sawa

مهند خيري

يقدم لنا مسلسل “سوا سوا” شخصيات مميزة للغاية، حيث يمكن وصف كل منها بكلمة واحدة تلخص جوهرها. يجسد أحمد مالك في شخصية إبراهيم معنى المثابرة، بينما تمثل هدى المفتي في دور أحلام تضحية المرأة المصرية، في حين أبدع حسني شتا في دور أمير الذي يجسد “الندالة” في أبهى صورها. نجح السيناريست مهاب طارق والمخرج عصام عبد الحميد في تقديم عمل حقيقي نابع من قلب المناطق الشعبية، استطاع بصدقه أن يمس مشاعر قطاع عريض من المشاهدين.

تبدأ أحداث المسلسل ببداية تمنحك شعورا فوريا بأن القادم هو رحلة من التسلية الخالصة. لم يفشل مهاب طارق يوما في إمتاع جمهوره في أي من أعماله، فحتى عندما يقدم قضية اجتماعية هامة، يحرص أولا على جذب انتباهك بعنصر التشويق، وهو ما صرح به سابقا في أحد لقاءاته التلفزيونية. استطاع مهاب خلق عالم كامل مليء بشخصيات من لحم ودم، معتمدا على توليفة درامية ممتازة وفقت بين عوالم مختلفة بشكل غير مبتذل، حيث تلاقت الخيوط الدرامية ببساطة وسلاسة.

نقد البناء الدرامي والشخصيات
رغم تميز النص، إلا أن خط “الدكتور فوزي” وقصة أمه “وردة” التي قدمتها القديرة سوسن بدر لم ينل إعجابي الكامل، حيث ظهرت الشخصية كأنها ساحرة شريرة، مما جعل هذا الجزء يبدو ثقيلا وأسطوريا أكثر من كونه واقعيا يتناسب مع بيئة العمل. ومع ذلك، يظل تقديم الشخصيات ممتعا للغاية، فرغم اقتراب هذا العالم من عوالم قدمها الكاتب في رمضان الماضي، إلا أنه نجح في خلق بيئة مختلفة تماما.

تتميز الشخصيات بأنها ثلاثية الأبعاد وليست مجرد نماذج باهتة على الشاشة، حيث يمكنك بوضوح رؤية “الاحتياج” و”الرغبة” لكل شخصية. فـ “الرغبة” هي التي تحرك الأحداث، بينما “الاحتياج” هو ما يجعلك كمتفرج تتعاطف معهم وتهتم بمصيرهم. كما يعتمد مهاب طارق على “الخطاف الدرامي” بشكل رائع، حيث تبدأ الحلقة الأولى بجاذبية عالية، وتعتمد بقية الحلقات على نهايات مشوقة تدفعك للمتابعة بشغف، وهو الأسلوب الذي أتقنه منذ عمله الأول “جعفر العمدة”.

الرؤية الإخراجية والأداء التمثيلي
يعتبر مهاب طارق من أمهر كتاب السيناريو حاليا، خاصة مع غزارة إنتاجه وتقديم عملين كل عام في رمضان. يشاركه هذه الرحلة المخرج عصام عبد الحميد، الذي قدم سابقا “بطل العالم” والآن “سوا سوا”، حيث تميز بأسلوب إخراجي يتماهى تماما مع رؤية المؤلف. عصام من المخرجين الذين يحبون الممثل، فهو يحرص على إظهارهم في أفضل صورة من خلال استخدام “اللقطات القريبة” بكثرة، وإن كانت قد بدت مبالغا فيها نوعا ما في الحلقة الثالثة.

يظهر التناغم الكبير بين طاقم العمل، ربما بسبب التعاون السابق بين أحمد مالك وهدى المفتي مع المخرج في “مطعم الحبايب”. ورغم تشابه الأجواء أحيانا، إلا أن المخرج برع في إبراز الاختلافات الجوهرية بين العالمين، وهو ما ساعد الممثلين على التألق.

أحمد مالك: لا يمكن لشخصين الاختلاف على ذكاء اختياراته مؤخرا. بعد تألقه في فيلم “كولونيا” ومسلسل “ولاد الشمس” وفيلم”6 أيام”، أثبت قدرة فائقة على التلون وتقديم كافة الأنماط البشرية. يظهر مالك بشكل طبيعي غير مفتعل، وهو أصعب ما يواجه الممثل، حيث نجح في تقديم شخصية “إبراهيم”، ذلك الشاب الذي يشبه الكثيرين ممن يفتقدون البوصلة الواضحة، رغم بساطة أحلامه المتمثلة في الزواج من حبيبته التي تضيع من بين يديه، ليخوض رحلة شاقة لاستعادة حياته.

هدى المفتي: بعد تقديمها دور الفتاة الشعبية في “80 باكو”، تعود الآن لتجسد فتاة تضحي بكل ما تملك من أجل الحب. يثير الإعجاب خروجها من عباءة “الفتاة الأرستقراطية” الجميلة لتقدم شخصيات تشبه الناس في الشارع، مما يسهل على المشاهد التماهي معها، فمن منا لم يضح من أجل من يحب؟

أحمد عبد الحميد: قدم دورا عبقريا وجديدا تماما عليه، حيث أدى شخصية “عظيمة”، الشاب الذي يعاني من اضطراب قد يكون توحدا أو مشكلة عقلية لم تتضح معالمها تماما بعد، لكنه قدمها بأداء تمثيلي رفيع المستوى ينم عن موهبة كبيرة.

في النهاية يثبت مسلسل “سوا سوا” أن الدراما الشعبية ليست مجرد “خناقات” أو صراخ، بل هي فن قراءة أرواح الناس في الشارع. نجح صناع العمل في تقديم معادلة صعبة تجمع بين المتعة البصرية والعمق الإنساني، ليؤكدوا أن الصدق في التناول هو أقصر طريق للوصول إلى قلب المشاهد، ويجعلنا ننتظر بشغف ما ستقدمه الحلقات القادمة من مفاجآت في رحلة إبراهيم وأحلام.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع