مرزوق الحلبي
في زيارتي الأخيرة لمتحف برلين للتصوير توقّفت عند صورة فارقة لتشي جيفارا. مثلها كنتُ علّقتها على مكتبتي في سكني الجامعيّ وظلّت ترافقني نحو عقديْن في بيتي وفي بيتي المستأجر في مدينة حيفا، هناك عملت محرّرًا في صحيفة “الاتحاد”. كانت صورة هذا القائد الرمز دالّة على الوعد الذي عشته وأبناء جيلي. فقد حملت كلّ معاني الثورة والحياة الثوريّة والنقاء الثوريّ والرجولة الثوريّة والسلوك الثوريّ والقول الثوريّ إلى آخر القائمة. كانت حياتنا موعودة ونحن مؤمنون بأن الثورة قادمة والطغيان إلى زوال بفعل الروح التي أشاعها ومثّلها جيفارا عبر العالم. كنا نعيش أيامنا كطلبة ثمّ كشباب ثمّ كبالغين على أننا الرابحون في نهاية المطاف. غدًا أو بعد غد. هي عقد أو عقدان، ثورة هنا وأخرى هناك لتلتقي السواعد الثوريّة وقبضات الرجال الرجال لتصنع حياة أفضل للجميع.
لم أشكّ أبدًا في هذا الوعد. شعور رافقني أينما ذهبت. عبّرت عنه كلامًا وفعلًا. كتبت منه وحاولت إقامة تنظيمات شبابيّة، انطلاقًا منه وإيمانًا بأن الفوز حتميّة. وقد نجحت في إحداها وبنيتها مع رفاقي على قناعة تامة أن انتصار تشي جيفارا وفيديل كاسترو الذي بدأ مع مجموعة قليلة تُدير حرب عصابات في كوبا لا بدّ أن يحدث لنا سيّما أنهم دلّونا على الطريق والطريقة. إنها حرب العصابات التي توجع أكثر بكثير ممّا تتوجّع، تضرب وتهرب، تغرس خنجرها في خاصرة الطواغيت والأوغاد وتتوارى عن الأنظار. لا يُمكن لمثل هذه الثورة العظيمة إلّا أن تنتصر وتُحقّق اليوتوبيا الموعودة. خاصة أن غاياتها نبيلة تقوم على فكرة النظام الاجتماعيّ العادل الذي يساوي بين جميع البشر ويسعى إلى تحرّر الشعوب وتقرير مصائرها وضمان حقوقها.
أحاول أن أشرح لابنتي أننا عشنا، خلافًا لها، على وعد تدعمه إيديولوجيّات بمذاهب ومدارس ودول شكّلت ثلث العالم ومعها ثلث آخر من دول “عدم الانحياز”. أشرح لها أن عيوننا كانت ترحل من كوبا إلى بوليفيا إلى فنزويلا إلى فيتنام إلى فلسطين وفيها بريق لا يخبو وصورة جيفارا. كنّا واثقين في سيرنا وقولنا وأدائنا اليوميّ أننا ذاهبون مع الذاهبين إلى ساحات النصر نرفع البنادق والبيارق وأكاليل الورد ونردّد الأهازيج. لن تذهب قصاد درويش والقاسم هباء. سنردّدها ويُرددها معنا الملايين. عبثًا أحاول أن أقنعها أننا كنّا مقتنعين بأن المستقبل لنا وإن كان الحاضر “لهم”. وقد أدركت في النقاشات الأولى معها أنهم جيل بغير وعد وأن الوعد الذي كنّا نعيشه ونصطحبه معنا حيثما حللنا قد توارى كما يتوارى جنود الثورة بعد أن يضربوا الأعداء من رأسماليّين ومستبدّين وأعداء الشعوب.
عندما رأيت صورة جيفارا العملاقة ابتسمت له ولي ولابنتي. باغتني الإدراك أنني وابنتي نعيش اليوم بغير وعد. وأن لغتي تغيّرت مرّتين على الأقلّ منذ الثمانينيّات الأولى، بدايتي مع الكتابة. فحين سقطت العقائد الثوريّة أبقيت على الأمل بأن “يوتوبيا” جديدة ستنهض من بين الأنقاض، وأن لكلّ حقبة اليوتوبيا التي تلائمها. انهارت السرديّات الكُبرى والحتميّات كلّها ولم أفقد الأمل بأن لا بدّ للفجر أن يبزغ في فلسطين وفي أمريكا اللاتينيّة وجنوب شرق آسيا، وإن كان ذلك سيستغرق مدّة أطول هذه المرّة. في ظلّ الوعد كنتُ واثقًا بأن الأمر مسألة وقت وأن الانتصار قادم وعظيم. في ظلّ الأمل رضيت بأن يستغرق الأمر وقتًا أطول ممّا اعتقدت ومع هذا بقيت على حيويّتي تلك، أكتب عن حتميّة تمنحنا المستقبل على طبق من فضّة وإن لم يكن على زماني، كما درجت على القول. لن يضيع أثر جيفارا هباءً، وليكن بعد جيليْن أو ثلاثة، أو بعد رحيلنا عن هذه الدنيا وربّما أكثر.
لقد اخترتُ لمؤلّفي الشعريّ الثاني عنوانًا هو “الطريق إلى الآخرة” للقول إنني لا أعد نفسي ولا ابنتي ولا الآخرين بأيّ شيء سوى بالانهيار والشعر. ربّما هو استنتاج أستاذ مادّة العلوم السياسيّة المتواطئ مع الشاعر. صحيح أنني لم أيأس إلى الآن لكني أعيش بغير وعد. لا أنتظره من العباد ولا أنتظره من الآلهة. أومن بانتصاراتي الصغيرة التي تتحقّق بالفعل وبالإرادة اليوميّة. لم أعد أشتغل بالقضايا الكبيرة ولا بمواعيد مع الآلهة ولا بالمعجزات. صرت أراهن على فنجان قهوة صباحيّ في بيت أمّي وعلى سهرة أصدقاء. على إصدار بحث أو كتاب، على كتابة قصيدة فارقة. صرت أعيش حرب عصابات مع الحياة نفسها، أقتطع منها الوقت لي ولأحبّائي. لم أعد واثقًا بهزيمة الطواغيت ولا بانتصار الثورة. لم أعد واثقًا بانتصار الشعوب بقدر ثقتي باستدامة الشرّ وانتقاله إلى مرحلة الشرّ المُطلق، كما نشهد ذلك في مواقع عديدة.
كيف يعيش الإنسان بغير وعد؟ هو سؤال أحاول الإجابة عليه في العقد الأخير على الأقلّ. أحاول أن أتدبّر العيش دون أن يكون لي ظهر في عقيدة أو إطار أو عزوة أو شبكة أمان. كلّ الكيانات وأطر الاجتماع التي اجترحها الإنسان تعمل ضدّه، أحيانًا. فهي مجتمعة أو منفردة قد لا تمنحه الحدّ الأدنى من الأمن والأمان. عشنا على أن الدول ستتطوّر وتقتدر في أداء كلّ وظائفها لا سيّما تحقيق السعادة والرفاه، وإذ بها تعرّض الفرد فيها للقمع والقهر وتعتقله وتصفّيه. عشنا مطمئنين إلى أن الاشتراكيّة في أيّ منهج من مناهجها ستخلق المجتمع البشريّ الجديد والإنسان من طينة أخرى. أو كما كنا موعودين “من كلّ حسب قُدرته إلى كلّ حسل حاجته”، بيد أنني أعيش تعطّل الوعود كلّها ومعها تعطّل الفرضيات التي أسست عليها تصوّري للعالم ولمجتمعي وموقعي. فقد توارت أسرع من قُدرتنا على الإمساك باللحظة التاريخيّة وإدراكها. توارت معها المعاني النبيلة التي أقمنا عليها نصوصنا وخطابنا ولا يزال أثرها في قصائدنا إلى هذه اللحظة، انهارت هي كذلك. وانهارت اللغة الأكاديميّة التي صُغنا فيها فهمنا للوعود أو مديحنا لها، ووقفنا أمام الطلبة نخاطبهم وننظّر لهم وصارت غير مُقنعة. الروايات والقصص والقصائد والمرئيّات كلّها غير مُقنعة. مع هذا سنجد أن هناك مَن يُخرج حيواتنا الشخصيّة والجماعيّة كمسلسلات وأفلام تنتهي عادة نهايات سعيدة (كما تصوّرنا نهاية الثورة العالميّة) نخرج منها فائزين دائمًا كمُستهلكين وسيّاح ومُشاهدين ومالكي شقق في مارينا ما على بحر ما ومشجعي فريق كرة قدم ومعجبي نجم من نجوم الغناء، أو كنجوم مشهورين على منصّة هنا أو هناك توفّر لنا مجد ساعة أو نصف ساعة أو أقلّ بكثير. هذه هي الوعود التي بقيت في الجوار. وهناك مَن يذهب وراءها كما ذهبنا نحن وراء صورة تشي جيفارا ورفاقه. والفارق أن الأخيرين كانوا من لحم ودم وأنجزوا تحريرًا مكتوبًا بأسمائهم. كانوا مُلهمين باعثين على الأمل والأحلام أعطوا لحياتنا معنى ليسرقه مروّجو أحلام اليوم.
(برلين ـ 4 كانون الثاني 2026)
















