ماجد سنارة
“كلنا أنفاس شيشة، وكلنا في حجر معسل واحد”
من خلال لغة حديثة معاصرة، خارجة من أعماق الشارع (من مصادر قوة الرواية)، يستعرض الكاتب بداية مأساة الإنسان الحديث ، حين يكتشف أنه مجرد “كومبارس” في مشهد لم يكتبه، ففي رواية “مجرد واحد”، يضعنا الكاتب “رمضان جمعة” أمام مرآة مشروخة، لا ليريك وجهك، بل ليريك عدمك، عندما يغوص في سيكولوجية الهزيمة، حيث يتحول الفرد من كائن له إرادة إلى “نفس شيشة” يستهلكه الآخرون الذين يمتلكون الشيشة.
…
مجرد واحد.. مجرد نكرة:
“العالم لغز، ومحاولة حله فخ، على الإنسان أن يحذر الوقوع فيه”.
فالشخصية الرئيسية التي بناها الكاتب “رمضان جمعة” في روايته “مجرد واحد” خلقت في البداية من فعل تمرد، من فعل ثورة على الواقع، ثم تأمل طويل في تناقضات الحياة، وصولًا للإيمان بغياب العدالة عنها، ثم التحول إلى التسليم المطلق للأقدار، العيش كـ “مجرد واحد”، نكرة ليس له وجود، يمشي بين الناس دون أن يغير شيئًا، أو يتدخل في شيء، فيعيش ما يسميه الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر بـ “الوجود الزائف”، حيث يذوب الفرد في الـ “هُم”، فيفقد فرادته ويصبح مجرد رقم في طابور طويل من الأشباح التي تمشي على الأرض.
فالإنسان الفرد الفقير لا يملك من أمره فعلًا، مستلب الإرادة، ومنزوع القدرة عن إحداث أي أثر أو تغيير في الواقع، وعلة وجوده أنه أتى للدنيا جبرًا، ليدفع ضريبة الأب الحالم الخاضع، الذي ظن أن بإنجابه لطفل قد يتحقق فعل الثورة وبالتالي تغيير الواقع، أو يستطيع التسلق في السلم الاجتماعي الطبقي، ويعيد للأب الفاقد للأهلية في الحياةِ الحياةَ، فيجني الأب على الابن أن يقاسي من اختبار قاسٍ، مثلما وصفه الشاعر “أبي العلاء المعري” حين قال:
“هذا ما جناه أبي علي، وما جنيت على أحد”، فالحياة/ الوجود بمثابة ثقل كبير على الفرد الضعيف، الذي يجد نفسه في حالة عجز مستمرة نحو الأشياء، فهو مجبر على السير في طرق لا يختارها، وإن حاول الثورة، فسيقع كفريسة سهلة للالتهام، فكل الإجابات تفتح مواسير تساؤلات لا تنتهي، وكما قال إميل سيوران مهاجمًا مفهوم الإنجاب للمقهورين: “أن تنجب يعني أنك تنقل العدوى بالألم”.
…
نقد الرأسمالية:
يقدم الكاتب من خلال بطل الرواية والشخصيات نقدًا لاذعًا للرأسمالية، فهي بمثابة أم الشرور، وقد بدأ النقد بداية من الروتين اليومي لمجرد واحد وعدد ساعات العمل، حيث تتحول الوظيفة لسجن وعقوبة يومية مقابل أجر مادي زهيد، تسرق العمر والحياة مقابل لا شيء، ثم يبين الكاتب نقدًا آخرًا للرأسمالية، حين تبرز أنيابها لتغرسها في روح وجسد الموظف، فالموظف حين يقل إنتاجه أو يتغيب لأسباب نفسية، يجد نفسه مطرودًا من الشركة، فلا تكتفي حينها بسرقة عمرك ومجهودك وعقلك، بل أنها تتخلص في النهاية منك كعبء وتلقي بك في صناديق الزبالة، فالرأسمالية تهدد مفهوم الأمان الاجتماعي للفرد، فمن خلال العقود المحددة المدة سواء بسنة أو أكثر ما هي إلا كوارث متتابعة تصيب الفرد الموظف بالقلق المستمر، والخوف من الطرد أو عدم تجديد العقد أو التسريح، دون أن يكون على المؤسسة أية مسئوليات أو ضمانات، لذلك فبعد طرد “مجرد واحد” من عمله، عاش في حيرة ما بين كونه شخص نكرة أم وهم لا وجود له.
فالرأسمالية هنا، كما وصفها زيجمونت باومان في كتابه “الحياة السائلة”، تنتج “نفايات بشرية”، أفراداً يتم قذفهم خارج دورة الاستهلاك بمجرد نفاد صلاحيتهم الإنتاجية.
وعندما يكون النظام من أعلى قائم على الافتراس، فلا بد أن يتسلل ذلك للأسفل، فنجد الشخصيات تتحول مع الوقت لكائنات مادية شهوانية، لا تلتفت للمشاعر، أو القيم الإنسانية، تجسد بالفعل مفهوم “النفايات البشرية” فكل الشخصيات ربما بلا استثناء تتحول إلى المادية البحتة، حيث بلطجة القوي على الضعيف، والافتراس، والاغتصاب.
…
حفيد أحمد عطا الله:
أعتقد أن شخصية أحمد عطا تحمل دلالات كثيرة، لكن ما وصلني، أن مطاردة البطل لشبح الحفيد ترتبط ببحثه عن ذاته، أو ما يتمناه في ذاته، فالبطل الذي يشعر بأنه نكرة و”مجرد واحد” يبحث في الشبح عن النسخة التي عجز أن يكونها، فالحفيد أو الشبح يترك أثرًا أكثر حضورًا من وجوده ذاته، وربما كان يخفي البطل داخله أنه تمنى لو كان شبحًا فاعلًا، أفضل من كونه إنسانًا مستلبًا!
والدلالة الثانية تبرز الشخصية كمعادل موضوعي للسمو الروحي، في ظل نظام رأسمالي يُشيئ الإنسان، يأتي حفيد أحمد عطا الله ببعد صوفي وروحي، لمحاربة المادة لإعادة الإنسان إلى نفسه والتحرر من الثقل، ليحدث فعل التخفف، وفعل التخفف يحدث الأثر والتأثير والفعل، كما يظهر في شخصية الشبح، حيث أن أبرز ما ميزه كصفة، كانت الخفة!
أما الدلالة الثالثة، ارتبطت بفكرة النذير، فعدم استجابة البشر للنذير والتحذير، وتعاميهم عن العلامات التي يتركها الحفيد تمثل ذروة المأساة في الرواية، فهم مصابون بما يقترب من العمى، لغرقهم أكثر فأكثر في المادة، مما جعلهم مؤهلين للعقاب، والعقاب جاء مرتبطًا بأكثر شيء يرتبط بالمادة والشهوة.
…
(اختفاء العضو الذكري)
تجتمع قمة المأساة مع ذروة الكوميديا السوداء، فاختفاء العضو الذكري في رواية “رمضان جمعة” يحمل دلالات تتجاوز العجز العضوي إلى العجز الوجودي الشامل.
يرى “مجرد واحد” أن اللذة الجنسية هي المتنفس الوحيد والمجاني للفقراء، اللحظة الوحيدة التي يشعر فيها هؤلاء المهمشون بامتلاكهم لجسدهم وبتحقيق ذواتهم في عالم يسلبهم كل شيء، هنا، أراد حفيد أحمد عطا الله/ والكاتب أيضًا أن يعطلهم عن هذه المزية والرفاهية البسيطة، فهو كما قال: “لا رجل أغبى من الذي يسوقه بتاعه”، فهو يعتبر أن تعطيل العضو المجسد للمادة واللذة قد يؤدي إلى صحوة للعقول والقلوب، لفعل تمرد على المكان، الظلم، ومنظومة الرأسمالية التي تمثل الأساس لمفهوم المادية والوصول لأعلى درجة من تحقيق الشهوات، فهي قائمة على مفهوم الاستهلاك، استهلاك الإنسان قبل أي شيء آخر.
أيضًا الكاتب مرر هذه الفكرة لينتقد بشدة المجتمع الصناعي والتكنولوجيا، التي حولت الإنسان لآلة وروبوت، دون وجود عواطف أو انسجام وتناغم، فأراد أن يحول أهم ما يملكه الرجل باعتباره منتج هذه الأنظمة الكارثية إلى عاطل عن تحقيق اللذة، وتحويله لآلة بالكلية، ليس على مستوى العقل والعاطفة فحسب، ولكن امتد ذلك إلى اللذة، فالمجتمع يحول الأفراد مع الوقت إلى ألعاب، وحينها لا بد أن تتحول الممارسة الطبيعية لممارسة صناعية، قائمة على عضو صناعي يفي بالغرض، بعد أن تبلدت المشاعر وتجمدت، وصار الإنسان أقرب للجماد، وربما يسود في القادم عصر الروبوتات.
…
(مجرد واحد أو لا شيء)
هذا هو السؤال الذي يتركه “رمضان جمعة” دون إجابة محددة، إننا أمام نص لا يقدم لنا حلولًا، لكنه يقوم بجرد حساب لخساراتنا البشرية، واحتراقنا كفحم في شيشة الكبار، وملاحقتنا لسراب حفيد أحمد عطا الله بحثًا عن عدالة غائبة، حيث نكتشف أن المأساة الحقيقية تتمثل في تقبلنا لدور النكرة بامتياز، حيث تحولنا لدمى بلاستيكية في مسرحية عبثية، يدخنها العالم ببرود، وينفض رمادها في صناديق القمامة.
وتكون السخرية والكوميديا السوداء في النهاية أننا لم نعد نمتلك رفاهية صرخة أبي العلاء المعري: “هذا ما جناه أبي علي” لأننا لم نعد نملك حتى القدرة على أن نجني على أحد!.









