تاميران محمود
صدرت مؤخرا عن مؤسسة بيت الحكمة بالقاهرة مجموعة قصصية للكاتب حسام المقدم تحمل عنوان “ما يُشبه الظل” تنتمي المجموعة إلى ذلك النوع من الكتابة القصصية التي تحمل لغتها نصوصا تتحرك بحرية بين السرد والشعر، بين الواقع والحلم، بين اليومي والميتافيزيقي. المجموعة ليست مجرد قصص متفرقة، بل هي نسيج واحد تتشابك خيوطه حول محور مركزي: الإنسان في مواجهة ظله الداخلي، ذلك الذي لا يُصادفه في المرآة، بل في تفاصيل الحياة الهامشية التي يتجاهلها الجميع. ويعبر من جانبها ولا يلتفت تماما مثل الظل المجاور لحركتك مع اتجاه الضوء.
جاء عنوان المجموعة “ما يُشبه الظل” يحمل توتراً دلالياً عميقاً؛ فالظل ليس الظل، بل ما يُشبهه. هذا التحفظ اللغوي، هذا التراجع عن التسمية المباشرة، هو جوهر الكتابة برمتها: العالم في هذه القصص لا يُعرَّف بيقين، بل يُقترب منه بشك جميل. يحفز الأسئلة دون تصريح ويترك القارئ في سباق بين عقله ومشاعره للوصول إلى الإجابات.
تتميز المجموعة بتعدد أنماط الكتابة فبينما تنتهج قصة “شرارة سوداء” مساراً نفسياً دقيقاً، تعمد قصة “أوقات للعظام” على بنية رمزية سياسية ذات طابع كابوسي، فيما تستدعي قصة “تشكيل طيني يشبه حبة القمح” بسردية النشأة الأولى والوعي الجسدي. هذا التنوع لا يُفكك وحدة المجموعة، بل يمنحها نَفَساً متجددا ومتميزا.
الجملة عند المقدم قصيرة في الغالب، متقطعة، تُحاكي في إيقاعها الاضطراب الداخلي للشخصيات. وحين تمتد الجملة وتتشعب، يكون ذلك عادةً في لحظات الاسترخاء والاستسلام لأن يقودك الحدث.
العداء الصامت:
تُفتتح المجموعة بقصة “شرارة سوداء”، وهي قصة لافتة في دقتها النفسية. الراوي يعيش رهاباً اجتماعياً حاداً من شخص يُدعى “علاء” هو في الحقيقة زميل في المواصلات اليومية. الكراهية هنا لا سبب واضحاً لها، وهذا هو المطلب الأدبي الدقيق: الكاتب لا يُبرر، بل يرصد. الخوف من التقاء العيون، ورغبة الاختناق الداخلية، وخيال الخنق الذي يُجسّده الذهن المشحون بالأفكار. كل هذا يُشكّل صورة صادقة لقلق الحضور في فضاء مشترك إجباري داخل الأوتوبيس.
“شرارة سوداء” هي العنوان الذي اختاره المقدم، ولا أكثر دقةً منه: ليست نيراناً واضحة، بل شرارة كامنة بين شخصين لا يتكلمان.هذه القصة تخلق توترا داخليا تدفع القارئ الى حالة من الحيرة واختلاق الأسباب التي تدفع رجلا ناضجا الى الهرب بهذا الشكل من مجرد تحية الصباح وهي إشكالية تواجه الانسان المعاصر الذي يعيش داخل شرنقة حمايته الهشة التي تخشى الخدش وترفض الاندماج.
الجسد والذاكرة:
تتناول المجموعة العلاقة بين الذاكرة والجسد. في “تشكيل طيني يشبه حبة القمح” يصيغ الكاتب مغامرة سردية جريئة، فالبطل نراه طفلا يكتشف الجسد الأنثوي عبر الأم أولاً، كما تقول كتب علم النفس، طارحا عن نفسه قداسة الجسد متشبثا بخيال الأطفال الذي يُجسّد اكتشافه بالطين. القصة تُقدَّم في تسلسل زمني متدرج، تأصيل الوعي من الطفولة المبكرة إلى مرحلة كمال الوعي بخصوصية الجسد ومعجزاته المذهلة، وهي تتكئ على أن الجنسانية في جوهرها نزوع معرفي لا غريزة مجردة. قراءة الجسد الأنثوي عبر مشابهته لحبة القمح، ثم ربطه بالأرض والخصوبة والولادة، يُضفي على السرد بُعداً أسطورياً أنثروبولوجياً واضحا يناقشه الكاتب بشجاعة. فالتشكيل الطيني الذي يصنعه الطفل يغدو مجازاً للشيء الأول الذي لا يُعاد: “إلى هذه اللحظة لدي اقتناع أنني لو فعلتُ؛ ما وصلتُ إلى تمام الشبه الذي كان.” تناص واضح مع تشكيل آدم الأول يعيده الكاتب بحرفية واضحة بين سطور النص.
فانتازيا الموت:
أوقات للعظام” واحدة من قصص المجموعة التي يستحضر فيها الكاتب الوجع السياسي للقضية الفلسطينية وابادة الإنسانية في ظاهر الأخبار والأعمال، إلا أنه يطلق رصاصته الأخيرة داخل النص بأن الموتى لا يفارقون الأرض. نرى في القصة أن عظام الموتى تغادر قبورها بعد قصف المقبرة، تمشي في الشوارع وتعبر الحدود وتتسلل إلى مقار عسكرية ومخازن التموين. تتحدث وترفض واقعها. هذه العظام تتعامل مع الموت الجماعي عبر سؤال غرائبي: ماذا يحدث لذاكرة العظام حين تُنتهك مقابرها؟ الجسد بعد الموت لا يصبح تراباً هادئاً، بل يُبعَث قلقاً يطالب بحق الدفن الكريم. هذا التوظيف للغرائبية يجعل القصة أكثر قصص المجموعة دلالةً سياسية دون أن تسقط في المباشرة، فالعظام تستمد ارادتها الكاملة من الحدث قصف مقبرتها، وتعيد كفاحها البشري للمطالبة بحقها الأخير في الدفن تحت التراب.
استلهم الكاتب قصته من شهادة الكاتب الفرنسي جان جنييه أربع ساعات في شاتيلا والتي كتبها بعد زيارته للمخيم المنكوب والتي رصدت عن قرب حياة ونضال الفلسطينيين من خلال مشاهدة حية لا تعتبر الشهيد مجرد رقم. يصف جنييه المشهد بلغة خشنة دون أن يسقط هيبة الموت، ومثله فعل الكاتب في قصته لتحرير الموت من حالته الكامنة الثابتة إلى حالة الحركة والفعل.
يصف المقدم رؤية المقبرة وعظامها دون رثاء، بل يقدم وصفا متوترا يشعر القارئ بأن الموتى عظامهم تسعى وراء الأحياء تماما كما يسعى الأحياء وراء الموتى لضم رفات عظامهم. في حوار بين الراوي والعظام التي توضح فيه بغيتها واتجاهها.
وهنا يخالف الكاتب تماما دور المقبرة كما رأيناها عند شكسبير فهو لا يسخر من الموت كما في هملت ولا يهرب منه مستبشعا العظام كما في الملك لير، بل هو يصيغ لهم حياة ذات إرادة كاملة.
المكان والهوية:
يستحضر الكاتب في قصة “قلب المتحف” ذاكرة المكان كأحد عناصر الهوية حيث يجلس الراوي داخل مقهى صغيرة يعرفها لا يجلس سواه هناك. حيث يحتفظ صاحبها بأشرطة أم كلثوم وحده في عالم يتخلى عنها. الحوار مع صاحب المقهى ليس نقاشاً عن الفن، بل عن الزمن والتراجع الثقافي الذي لحق بالناس خارج المقهى: “أم كلثوم ماتت في الخارج”، يقولها صاحب القهوة العالق في الماضي، يستشعر أمان الأيام في صوت أم كلثوم التي اختفت من العالم الخارجي بينما احتفظ بعالمه داخل جدران المقهى. يتعلق بوجودها غير المادي في عالمه الحقيقي، تلك الجملة التي تختزل مزاج المجموعة كله: الأشياء الجوهرية تُواصل حياتها في هوامش العالم، بعيداً عن الضوضاء.
الغرائبية كأداة سردية:
يستثمر المقدم الغرائبية كضرورة معرفية. ففي ختام المجموعة قصة “سماء أسفل النافذة” نحن أمام رحلة روحية حيث يعبر البطل (الراوي) عن رغبته في الوصول إلى الله فيشيرون عليه بالصعود إلى الشجرة الكبيرة. تعبر القصة عن رحلة صاحبها الروحية عبر رمز الشجرة التي لا يعرف نوعها، لكنه يثق بخطوات الوصول. يصف البطل لقاءه بامرأة غرائبية في منتصف الطريق، امرأة تمثل رغبات وشهوات وتجارب الإنسان ورحلته بين السقوط والعودة. القصة تهدم الحدود بين الباطن والظاهر، بين الرغبة والتجلي، بين اليقين والتيه، وهي تتذكّر تجربة “القديس سمعان العمودي” الذي قضى حياته فوق عمود حجري، لكن الراوي يقاطع هذا التقديس بسؤال الطفل الشقي: “كيف كان يقضي حاجته هناك؟”.. هذا النزول من السمو العالي إلى الجسدي الحي.
اللغة داخل المجموعة:
يقدم الكاتب لغة محسوبة بدقة شديدة فهو لا يهدر الصور، ولا المجاز، يختار تعبيراته بدقة وتكثيف، يتكئ على التفاصيل الحية يستحضر في مجموعته الروائح والأصوات رائحة الطين، نعومة الجلد، ضجيج الأوتوبيس، صوت الشخير لبناء عالم قصصي حيوي يُقنعك بأنك تُشارك الشخصيات تنفسها لا مجرد تقرأ عنها. الشعرية عنده لا تسكن في الصور الاستعارية وحدها، بل في اختيار الزاوية السردية: إذ يرى العالم دائماً من ذلك المكان الهامشي الحرج الذي يكشف ما تُخفيه الزوايا.
“ما يُشبه الظل” مجموعة قصصية تأبى التصنيف السهل. حسام المقدم كاتب يعرف أن الأدب ليس تسجيلاً للواقع، بل قراءة لما يقبع تحت سطحه. مجموعته تُقرأ بتمهل، لا لصعوبة في اللغة، بل لأن كل قصة تفتح باباً لا تُغلقه، وتترك القارئ في ذلك الفضاء المعلق الذي وصفه العنوان بدقة: لا الظل الكامل، بل ما يُشبهه.
***











