مراد غزال
دخلت ابنتي، ككل أطفال الجزائر، عالم المدرسة لأول مرة، ذاك الفضاء الجديد الذي ترغمه المنظومة الأسرية علينا، فندخله كخطوة لا بد منها لتنميط حيواتنا وصقل قدراتنا لتجهيزها لعالم الحياة والشغل. كان يومًا مشحونًا بالترقب والوجل؛ تقبض على كفي جيدًا أثناء كلمة المدير التوجيهية لأولياء الأطفال، وعيناها تطوفان بحذر وقلق بين الجدران العالية ووجوه المعلمين المتعبة وصفوف التلاميذ القدامى بالمدرسة.
ودعتها وأنا ألقي بفكرة الأبوة نحو عالم أثق بإدارته. وحين التقينا بعد انقضاء اليوم، كنت مستعدًا لسماع أسئلة طفولية عن الحروف والمنضدة والمعلم، لكنها فاجأتني بابتسامة بريئة، وكأنها تتنفس كل توجسها الصباحي، وقفزت نحو السيارة لتروي لي تفاصيل مدهشة عن حكاياتها مع أول يوم بالمطعم المدرسي. تحدثت بشغف عن الصحن وأصدقائها الجدد وذاك العالم المتحرر الذي حررها من سويعات الجلوس النظامي وخوف البدايات الرسمية والتعارف.
وبتلك اللحظة الحارقة، وبنظرة السوسيولوجي الذي يسكنني، أدركت مفارقة شديدة العمق: أن ما رسخ في وجدان ابنتي في يومها الأول لم يكن محتوى التعليم الرسمي، بل كان فضاءً وسيطًا، مائدة الظهيرة التي منحتها الأمان الاجتماعي وكسرت رهبة المؤسسة. عند تلك العتبة، يسقط قناع التلميذ النموذجي الذي تمليه عليه رقابة القسم، لتتفتح شخصيته التلقائية بكل هواجسها ورؤاها ومشاعرها.
فكيف تحول المطعم من مجرد فضاء لتوزيع السعرات الحرارية إلى فضاء سوسيولوجي يكشف ما تخفيه دفاتر وسجلات المدرسة؟
ولاستنطاق هذا المسرح الاجتماعي داخل فضاء المدرسة، يقول المدير المتقاعد الأستاذ حشاني زغيدي إنه خلال سنوات من الممارسة الميدانية في إدارة المؤسسات التعليمية وتسيير مطاعمها، يؤكد أن المطعم المدرسي ليس مرفقًا لوجستيًا هامشيًا أو «فُضلة» كما يعتقد البعض، بل فضاء بيداغوجي وصحي متكامل الأركان، ولبنة في الحياة المدرسية لا حاجة كمالية.
ففي المطعم يتعلم التلميذ النظام بمفهومه التربوي الشامل، من النظام في الطابور، واحترام الدور، والهدوء في المعاملة، والجلوس المنتظم، وتحقيق آداب الأكل. لهذا كله، كان المدير هو «الحارس الأول» على تحقيق هذا البعد التربوي في قاعة الإطعام، فترانا نحارب كل سلوك سلبي، سواء عند بعض الأساتذة الذين يتهربون من هذا الواجب التربوي التعليمي بدعوى أنه نشاط تكميلي مضاف للخدمة. فالتفويج السلس لم يستهدف يومًا مصادرة حق الطفل في الفرح والتفريغ النفسي، بل توفير بيئة آمنة تضمن حقه في الوجبة وفي التواصل العفوي بعيدًا عن ضغط الصف.
وكذا، ففي المطعم المدرسي نكتشف الفوارق الاجتماعية والهشاشة والسلوكات الموروثة: سوء التغذية، والشراهة، والامتناع عن الأكل، ونقل الوجبة إلى البيوت. فمائدة الإطعام هي المرآة الأصدق لواقع التلاميذ الاجتماعي والاقتصادي، وأعمق بكثير من التقارير الإدارية الجافة. وهي مشاهد تضع الإدارة أمام مسؤوليتها الأخلاقية للتدخل السري الذي يحفظ كرامة التلميذ ويوفر له الدعم الاجتماعي اللازم.
في الغالب، تحرص المدرسة على تقديم وجبة صحية مكتملة في عناصرها، لكن الصعوبة التي يواجهها المسير هي تكلفة الوجبة؛ ففي أحيان كثيرة، تُصرف الميزانية قبل إكمال الفصل، فيضطر المسير إلى تكييف الوجبة على حساب اكتمالها الغذائي، وهي مشكلة حقيقية. إذ ظلت المنظومة تعيش نزاعًا بين التشريعات والمناشير الرسمية التي تعتبر المطعم لبنة أساسية للتحصيل، والممارسة التدبيرية اليومية التي تختزله في بند مالي ضيق.
والمنظومة لم تكن على حال واحدة: ففي فترات ومؤسسات، اعتُبر المطعم مشروعًا تربويًا قائمًا بذاته، حاضرًا في المشروع المؤسساتي ومجالس التوجيه والشراكات؛ وفي فترات أخرى، اختُزل في خدمة لوجستية تُدبَّر بالأرقام لا بالتربية.
رغم محاولة المنظومة المدرسية كما قال بناء تفويج سلس لا يحد من حرية الطفل وهي محاولة حقيقية من منظوره كمربي ومسؤول بيداغوجي. إلا أن تأكيده على مفهوم “الحارس الأول ,النظام في الطابور، واحترام الدور، والجلوس المنتظم»، يمثل تجسيدًا كلاسيكيًا لأطروحة فوكو حول «الأجساد الطيعة» (Docile Bodies) وتقنيات الضبط؛ حيث لا يُترك الجسد البيولوجي للطفل لحريته الغريزية وقت الأكل، بل يُخضع لترويض ناعم يُحوّل إشباع الجوع إلى أداة لترسيخ الامتثال لمعايير الانضباط المؤسساتي التربوي، وحين يصف المدير مائدة الإطعام بأنها «المرآة الأصدق لواقع التلاميذ»، كاشفةً عن مظاهر «الشراهة، والامتناع عن الأكل، أو نقل الوجبة إلى البيوت»، فإننا نلمس المفهوم البورديوي للهابيتوس؛ إذ يعكس السلوك الغذائي استبطانًا جسديًا لا شعوريًا لظروف القهر والحرمان والندرة الاقتصادية التي تعيشها الأسرة. فالصحن المدرسي يكسر الحياد الشكلي للمدرسة ويفضح الفوارق الطبقية الكامنة التي تعجز التقارير الإدارية والمآزر الموحدة عن حجبها.
لكن المعلم بدرة عبد الرزاق يقدم رؤية حداثية لمعطى المطعم المدرسي، وتحول معنى وبنية المطعم المدرسي بين الماضي والحاضر؛ إذ يشير إلى تحول معنى المطعم المدرسي وبنيته. فبينما كان في الماضي يُلبي أمنية أو حاجة للطفل، لأن شرط الوجبة كان أعلى في المستوى المعيشي للأسر، وكان الارتباط بالمطعم شديدًا بداعي الحاجة، أما الآن فقد بدأت هذه الحاجة تأخذ بُعدًا آخر، وهو بُعد ثقافي خطَّ للطفل ثقافة الأكل السريع، وجعل أكل الشارع ثقافة تتناغم مع الطفل الصغير، فأصبح يزدري الجلوس المطول لتناول الطعام.كما يلاحظ أن الأطفال يغادرون المطاعم ويتركون الأكل الساخن كما هو، لأن القيمة المعنوية والاجتماعية للوجبة أصبحت لديهم أقل من القيمة المعيشية للأسر. ولهذا، وجب النظر إلى الحل من زاوية المستوى السلوكي والثقافي للأطفال المتمدرسين اليوم، بدلًا من الاكتفاء بالجهود وما ترصده الدولة لتحسين الوجبة والتكفل بالأطفال المتمدرسين.
إذ يلامس المعلم بدقة أبعاد ظاهرة المكدنة (McDonaldization)؛ فالطفل المعاصر الذي «يزدري الجلوس المطول» قد استدمج في لاوعيه مبادئ الكفاءة والسرعة والنمطية الاستهلاكية السريعة. وأضحى طقس المائدة المدرسية البطيء والتقليدي يبدو في نظره عبئًا رتيبًا لا يتماشى مع إيقاع «أكل الشارع» الذي يعيد صياغة أذواق الجيل الجديد وحركيته.وإن ترك التلاميذ للأكل الساخن وتراجع القيمة المعنوية للوجبة يفسره بودريار بانتقال مجتمعاتنا من منطق القيمة الاستعمالية (الأكل لدرء الجوع البيولوجي) إلى القيمة العلاماتية (Sign-Value)؛ فالطعام بالنسبة للطفل الحديث لم يعد حاجة معيشية ملحة، بل أداة تمايز هوياتي وثقافي. وبالتالي، فإن عزوف الطفل عن الصحن هو تعبير رمزي عن رفض نموذج غذائي نمطي لا يمنحه التميز أو الإثارة التي تسوقها ثقافة الاستهلاك المعاصرة.
أما الدكتور في علم التربية حسين آيت عيسي” فيرى أن الإطعام المدرسي يندرج ضمن الخدمات الاجتماعية المدرسية، كما هو الحال بالنسبة للنقل والإيواء وتوزيع الكتب والمحافظ والأدوات المدرسية مجانًا على أبناء الأسر الفقيرة. وهذه الخدمات الاجتماعية المدرسية تستجيب لضرورة ذات طابع اقتصادي واجتماعي، وكذلك لضرورة ذات طابع جغرافي وجهوي، خاصة بالنسبة لأبناء الفئات الاجتماعية الدنيا؛ أي أبناء الأسر الفقيرة والمعوزة وأبناء المناطق الريفية والنائية، حيث يفرض بُعد المسافة بين مقر السكن الأسري والمؤسسة المدرسية توفير حد أدنى من خدمات النقل والإطعام، وأحيانًا الإيواء أيضًا، لضمان تكافؤ الفرص التعليمية في النجاح والتفوق المدرسي بين مختلف التلاميذ.
كما أن تناول التلاميذ لوجبة غذاء موحدة يعزز روح الجماعة ويقلص ثقل الفوارق الاجتماعية التي تشهد توسعًا وتجليًا أشد في مجتمعنا منذ عقدين على الأقل، بما في ذلك على مستوى المؤسسات المدرسية. وأعتقد أن فترة تناول وجبة الغداء يوميًا هي فرصة لغرس وتعميق قيم النظام والنظافة والمشاركة وآداب الأكل والثقافة الاستهلاكية الغذائية الصحية لدى التلاميذ. إذ تمثل لحظة اختيار المقعد ورفيق الطاولة محطة حاسمة لدى التلميذ.
كما تستجيب هذه الخدمات لضرورات أخرى تتعلق بأبناء الفئات الاجتماعية الوسطى والتلاميذ الذين ينتمون إلى المناطق الحضرية، حيث يبرز البُعد الفيزيقي بسبب نمط توزيع الخريطة المدرسية ونمط التوسع العمراني ووتيرته، وكذا وضعية الازدحام المروري التي تكلف التلميذ جهدًا ووقتًا معتبرين من أجل الانتقال لتناول وجبة الغداء في المنزل والعودة لمواصلة الدوام المسائي يوميًا. يُضاف إلى ذلك التحولات الأسرية والمهنية المتعلقة بعمل المرأة، والتي تعيق تكفل كثير من الأسر بالأبناء خلال الفترة الفاصلة بين الدوامين.
والخدمات الاجتماعية المقدمة للتلاميذ في مختلف الأطوار، ومنها الإطعام، تخلق في الحقيقة شعورًا إيجابيًا وتثري تمثلات التلميذ للمؤسسة المدرسية، بما يعزز روح الانتماء وحب المدرسة؛ إذ إن تقديم وجبة الأكل بأسلوب محترم ولطيف يشعر التلميذ بأنه في أسرته الثانية، وأن المدرسة ليست فقط تلك الإدارة الصارمة التي تراقب وتعاقب، بل هي أيضًا الإدارة التي تخدم التلميذ وتستجيب لاحتياجاته الشخصية اللامدرسية، مما يحد من آليات الفرز ويدمج التلميذ نفسيًا واجتماعيًا داخل فضاء الجماعة.كما يحقق الإطعام المدرسي وظائف اجتماعية أخرى ذات أهمية بالغة، وهي ذات طابع صحي وأخلاقي وقيمي وتربوي؛ فالتلاميذ الذين لا يجدون بيئة إطعام ملائمة أو لا يمكنهم تناول وجبة الغداء في المنزل الأسري سيضطرون لاقتناء الأكل من محلات الأكل السريع المنتشرة أمام المدارس، وعادة ما يكون ذلك على حساب سلامتهم الصحية. هذا بالإضافة إلى أن غلاء أسعار الوجبات السريعة، بالموازاة مع الوضع المادي لأبناء الأسر محدودة الدخل، يؤدي إلى تدهور يومي للعادات الغذائية، والتي لا يخفى أثرها المباشر على النشاط الذهني والتحصيل الدراسي في الفترة المسائية.والتحدي الذي قد يواجه سياسة الخدمات الاجتماعية المدرسية هو القدرة على التوفيق بين الكم والنوع؛ فالعدد الضخم والمتزايد للتلاميذ، بالموازاة مع تزايد كلفة المواد الغذائية، قد يعقد مهمة تحقيق خدمة غذائية وبيئة نوعية تجمع بين معايير متكاملة، بأن تكون الوجبة مغذية ومشبعة ولذيذة وصحية، وتُقدَّم في ظروف تريح التلميذ ذهنيًا وجسديًا.
ولعل ما قد يتيح تحقيق هذا الهدف هو، أولًا وقبل كل شيء، التمكن من تحقيق تسيير عقلاني لمجمل الخدمات الاجتماعية المدرسية، بما فيها الإطعام، ليكون حاجزًا ومانعًا من التأثيرات السلبية للفساد المالي والتبذير معًا. هذا ما وددت الإشارة إليه”.
إذ تتطابق قراءة الدكتور بن عيسى للخدمات المدرسية مع المرتكزات الوظيفية الكلاسيكية؛ فالإطعام المدرسي ليس رفاهية، بل ضرورة بنيوية تسهم في «حفظ توازن النسق الاجتماعي» وتحقيق «التضامن العضوي». فالوجبة الموحدة تعوض التفاوت الاقتصادي والجغرافي وتؤمن شرط «تكافؤ الفرص»، مما يمنع التفكك والأنوميا، ويعيد استيعاب المتغيرات البنيوية الحديثة، كتوسع المدن وعمل المرأة، لضمان استقرار الوظيفة التنشئوية للمجتمع.وحين يشير الدكتور آيت عيسي إلى أن تقديم الطعام بلطف واحترام يجعل التلميذ يشعر بأن المدرسة «أسرته الثانية»، بدلًا من صورة «الإدارة التي تراقب وتعاقب»، تتجلى مفاهيم نظرية «الذات المنعكسة في المرآة» (Looking-Glass Self). فالطفل يدرك قيمته الذاتية من خلال طبيعة المعاملة التفاعلية التي يتلقاها عند المائدة؛ كما أن طاولة الغداء تشكل فضاءً حرًا لاكتشاف «الآخر المعمم» (Generalized Other) عبر التفاعل والمشاركة الأفقية مع الأقران، مما يكسر حدة الفرز الطبقي ويخلق لحمة وجدانية وانتماءً عميقًا للمؤسسة.
إن رحلة ابنتي من الوجل الصباحي إلى بهجة طاولة الظهيرة، مقرونةً بهذه الشهادات الحية، تختزل الحقيقة السوسيولوجية الكبرى: إن التربية الحقيقية لا تنحصر في أسوار الصفوف والسبورات. فالمطعم المدرسي فضاء وسيط تتصارع وتتكامل فيه رغبات التحرر مع آليات الانضباط، وتلتقي فيه متطلبات العدالة الاجتماعية بتحديات التحولات الاستهلاكية المعاصرة. إن «ما وراء الصحن» ليس سوى مسرح حي تُبنى فيه هويات الناشئة، وتتشكل فيه بذور التضامن الاجتماعي أو تنكشف فيه عثراته.




















