تجربة الشاعرة البريتونية الفرنسية أنجيلا دوفال

حميد عقبي

تُعدّ الشاعرة البريتونية أنجيلا دوفال1905–1981 من التجارب الشعرية الفرنسية المهمة جدًا، كونها خرجت من الهامش الريفي إلى الذاكرة الشعرية الأوروبية. كان صوتها همسَ امرأةٍ فلاحة لم تُكمل تعليمها، ولم تلتحق بمعهد أو جامعة، لكنه كان عميق الأثر رغم أنها لم تغادر بلدتها. فقد عاشت في مزرعتها المعزولة بإقليم بريتاني شمال غرب فرنسا، وارتبطت جسدًا وروحًا بالأرض إلى درجة الانصهار، ولم تبدأ الكتابة إلا في الخمسينيات من عمرها، بعد حياة طويلة من العمل في الحقول ورعاية والديها. ومع ذلك، وُلدت تجربتها ناضجة ومؤسَّسة على تأمل الطبيعة والوجود واللغة والإنسان.

كتبت دوفال بلغتها الأم، اللغة البريتونية، وهي إحدى اللغات السلتية التي همّشتها الدولة الفرنسية طويلًا لصالح المركز اللغوي الفرنسي. وقد شكّلت اللغة محورًا جوهريًا في رسالتها الشعرية؛ فبالنسبة إليها لم تكن اللغة أداةً للتعبير، لكنها  كانت هويتها ومصيرها وذاكرتها الجماعية.

وسنلمس في مئات القصائد التي يمكن لأي قارئ الاطلاع عليها عبر الموقع المخصص لإبداعها تجسيدًا مدهشًا لثيمات محبة اللغة والأرض، إذ نادت بأن للإنسان الحق في أن يحب لغته وأرضه من دون خجل أو تبعيةٍ ثقافيةٍ مهيمنة تفرض عليه التهميش وتختار له لغة الكلام والغناء والشعر.

وربما يمكن أن نختصر ونقول إن ثيمات شعرها ارتكزت على أربعة محاور أساسية:

ـ الأرض بكونها أمًّا وسكنًا،

ـ الروحانية القائمة على التأمل،

ـ الفقد والوحدة كشرطٍ للرؤية،

ـ الانتماء كمقاومة.

لقد عاش قلبها على جرحٍ عاطفيٍّ مبكرٍ لم يُشفَ منه، حين أحبت في شبابها رجلًا طلب منها الرحيل معه وترك الأرض والأهل واللغة، فرفضت وظلّت وحيدة بلا حبّ حتى مماتها. لكنها حوّلت هذه الخيبة إلى صفاءٍ شعري، وجعلت من الحرمان قوةً داخليةً مضيئة.

ومع أنها فضّلت الفقر والتقشف والزهد، فقد منحت الأجيال أملًا جديدًا بلغتهم وهويتهم. تتميّز قصائدها ببساطة الشكل وجماله وعمق الرؤية، وبناءٍ اعتمد على الصورة الحسية، والإيقاع الداخلي، والمجاز العضوي الذي يجعل من الطبيعة نافذةً تُطلّ على الذات والعالم.

إن شعر أنجيلا دوفال شهادةٌ على أن القصيدة يمكن أن تولد من طين الأرض وليس من مقاعد الأكاديميات، وأن الهوية اللغوية والثقافية يمكن للمبدع أن يستعيدها بالكلمة، وأن الشاعر وحتى لو لم يملك من متاع الدنيا شيئًا  فإنه قادرٌ على الدفاع عن شعبٍ وروحٍ وأحلامٍ بأكملها.

القصيدة نص بين صفاء الرؤية وصرامة البناء

لم تكن أنجيلا دوفال صوتًا فطريًا عفويًا ساذجًا أو عابرًا، كما حاول بعض النقاد تصنيفها بحيث وصفها البعض  “شاعرة فلاحية بسيطة”، لكنها كانت قارئةً للشعر العالمي قبل أن تكتب قصيدتها الأولى في الخمسينيات من عمرها. وقد أثبتت الدراسات والوثائق وجود ترجمات في مكتبتها لقصائد من ثقافات متعددة وخاصةً  من كتالونيا إلى الهند  وهذا يعزز دهشتنا بإبداع شاعرةٍ حقيقيةٍ أصيلة كانت تمتلك وعيًا جماليًا بالتجربة الشعرية، وأن قصيدتها لم تكن ارتجالًا عاطفيًا، بل كتابة تمتلك أدوات ورؤية وتقنيات دقيقة.

للحديث عن بنية دوفال الشعرية يمكننا القول إنها ارتكزت على ثلاث دعائم رئيسية:

ـ التأمل،

ـ الصورة الحسية،

ـ الرمز الطبيعي.

والقارئ لنصوصها سيجد أنها انطلقت من مراقبةٍ بطيئةٍ للطبيعة ( الشجر، السماء، الطيور، الحقول، الفصول ) ثم تحوّل المشهد إلى منفذ نحو الذات الداخلية.

في وصف الطبيعة لم تكتفِ أنجيلا بالوصف والنقل والرسم الجميل، فهي خلقت من الطبيعة “جسدًا ثانيًا للروح”، وهنا يظهر تفوقها البديع ومهارتها في نقل اليومي إلى مرتبة الدلالي.

إن نَفَس التأمل الطويل منح قصيدتها طابعًا هادئًا متصاعدًا، أشبه بحركة النسغ داخل الشجرة، كونها تحب الحركة والنمو، وفي كل نصٍّ سنجد مشهد حياةٍ يتقدّم حتى في لحظات الضعف والألم، بسبب عدة أمراضٍ مزمنة صاحبتها طوال حياتها.

أما على مستوى البنية اللغوية، فتشير عدة مقالات نقدية إلى أن دوفال اعتمدت على جُمل قصيرة، وتفنّنت في خلق نبرة إيقاعية نابعة من طبيعة اللغة البريتونية ذاتها، فكانت تختار كلماتٍ شفافة، عالية الموسيقى، قليلة الانفعالات اللفظية، لكنها عميقة الأثر. كما اجتهدت في توظيف بعض التكرارات بوصفها تقنية للترسيخ الوجداني دون الوقوع في فخ الزينة اللغوية الشكلية؛ فكل تكرار عندها يؤدي وظيفة محددة، مثل : تعزيز الانتماء إلى الأرض واللغة، أو تثبيت صورة، أو مراكمة مشاعر داخلية تتصاعد حتى تبلغ الذروة.

وفي تشكيل الدلالة، نجد أن دوفال تستخدم المجاز العضوي؛ فالأرض تصبح أمًّا، والمطر ذاكرة، والحجر قلبًا، والشجرة سيرةً وهكذا. وهذه المجازات ليست محسنات بديعية جميلة،  كونها تحولت إلى  هَمٍ إبداعي وتأملاتٍ أوصلت هذه التجربة المعيشة بما فيها من مكابدةٍ ونضالٍ وصفاءٍ وتفكّر، وكانت النتيجة تحوّلها إلى رؤيةٍ وجودية.

سنلاحظ أن قصائدها تخلو من الغموض المصطنع، وتبتعد عن الأشكال التقريرية، فهي لم تكن سريالية، لكنها عملت على إزاحة الواقع قليلًا لتصوره بعمقٍ أكبر. وفي هذا تتقاطع كتاباتها مع تقاليد الشعر الروحي، حيث يتحول الخارج إلى أداةٍ للبحث عن الداخل.

وهكذا رسمت دوفال، من خلال هذا المزج الفريد بين الطبيعة والذات، دراما صامتة تتحرك فيها الكائنات والمشاهد بحيث تجعلها شركاء للإنسان. ولم تكن دوفال، كإنسانةٍ وفلاحة، لتقبل بقتل خنفساء صغيرة. ولهذا تُقرأ قصائدها وكأنها بناءٌ يتصاعد من الحس إلى الفكرة، ثم من الفكرة إلى البصيرة؛ أي إن القصيدة عندها لم تكن نداءً للفكرة أو تصويرها، بل رحلةً لمحاولة الوصول إليها وإلى عمقها.

هكذا استطاعت دوفال أن تخلق شعرًا قام على البساطة — وهذا شيء لا يمكن نفيه — لكنها لم تؤسس هذه التجربة على السذاجة، لقد امتلكت الشاعرة الصفاء وتجاوزت السطحية، وكأن نشاطها التأملي الهادئ، وبفضل وجود نوعٍ من الانسجام بين الرؤية والبنية، قد رسّخ لها تجربةً متفرّدة جعلت من الريف نصًا مفتوحًا على الوجود، ومن القصيدة بيتًا للمعنى، وأعلت صوت الإنسان وهو في أكثر حالاته صدقًا وعمقًا ومحبةً للطبيعة والسلام.

 البريتونيون والأوكسيتانيون

دوفال ــ قدست الدفاع عن اللغة كونها ليست حربًا ضد الدولة ولا الآخر

يشترك البريتونيون والأوكسيتانيون في تجربة تاريخية وثقافية معقّدة داخل الدولة الفرنسية المركزية، حيث يعيش  كلا الإقليمين حالة تهميش لغوي وسياسي منذ القرن التاسع عشر. فالدولة، الساعية إلى توحيد اللسان والهوية، فرضت الفرنسية كلغةٍ رسمية وحيدة، ما أدى إلى تراجع اللغات المحلية مثل البريتونية (السلتية الأصل) والأوكسيتانية (اللاتينية الجذور). غير أن الفارق الجوهري بين الحالتين أن البريتونية حملت في طياتها بعدًا قوميًّا أعمق، ارتبط بالهوية الكلتية وبإحساسٍ تاريخي بالاختلاف عن فرنسا، بينما ظلّ النضال الأوكسيتاني أكثر ثقافيًا وأدبيًا من كونه سياسيًا، ويركز على المطالبة بالاعتراف بالتراث اللغوي دون وجود نزعة انفصالية حادّة.

في هذا السياق، تُعدّ أنجيلا دوفال نموذجًا دالًا على التوازن بين الانتماء الإقليمي والبعد الإنساني الأشمل. فقد كانت مؤمنة بخصوصية لغتها البريتونية بوصفها هويةً وذاكرة، لكنها لم تكن قوميةً متعصّبة ولا مناصرةً لأي دعوةٍ انفصالية. تمثل قصيدتها فعلَ مقاومةٍ ثقافية هادئة وأحيانًا تكون غاضبة عندما ترى تصرفات حمقاء تهين الأرض أو اللغة، لقد أمنت بأن الدفاع عن اللغة ليس حربًا ضد الدولة ولا الآخر، بل دفاع عن حق الإنسان في أن يتكلّم قلبه بلغته الأم.

وفي حين أن بعض الحركات البريتونية تبنّت خطابات سياسية متوترة، ظلّ صوت دوفال شعريًا، روحيًا، يقدّم نموذجًا لـ“التحرّر الداخلي” لا “الاستقلال الجغرافي”.

 بذلك تتفوّق تجربتها الأخلاقية على الأيديولوجيا، وتحوّل الهويّة من سلاحٍ سياسي إلى فضاءٍ للتأمل، للحب، ولإعادة بناء الجسور بين الإنسان وأرضه ولغته والعالم.

الطبيعة وجهًا حقيقيًا للإله

تمثّل تجربة الشاعرة البريتونية أنجيلا دوفال مثالًا مميزًا على تَحوّل الإيمان من شكلٍ ديني تقليدي إلى روحانيةٍ كونيةٍ تجذّرت في الطبيعة والعمل الفلاحي، فقد كانت قدميها تنغرس في الأرض من وقت الشروق إلى الغروب. وهي لم تكن متدينة على الطريقة الكنسية الإنجيلية، ويظهر أيضًا أنها لم تكن ملحدة تنكر الغيب، لكنها وجدت في الأرض والنبات والماء والخيل والضوء تجلياتٍ للحضور الإلهي الذي لا يحتاج وسطاء.

يظهر أن  إيمانها كان بسيطًا وعميقًا تعبر عنه دون تكلف، وهذا الإيمان كان يقوم على الإدراك الحدسي لوحدة الوجود بين الإنسان والكائنات، وعلى الإحساس بأن الحياة اليومية، فالزرع، الحصاد، الفصول، المطر، المرض، الشفاء، كلها  طقوسًا مقدسة تكرّس صلة الإنسان بالسماء وبالأرض التي خُلِق منها أبناء البشر.

في شعرها، تظهر تجلّىات القداسة وربما  من دون دين؛ كأن الله عندها ليس متعاليًا في السماء، بل ساكنٌ في الحبة والنسمة والمطر. ربما كانت ترى أن لكل كائنٍ روحًا تستحق الاحترام: العصفور، الخنفساء، الشجرة، وحتى الحجارة.

ولذا كثيرًا ما نجدها تخاطب الطبيعة كما تخاطب الأم أو الملاك، وتخشى أن تؤذي المخلوقات الصغيرة في طريقها، إذ كانت تعتبر الرحمة نحوها نوعًا من الصلاة الصامتة.

هذه الروحانية لم تكن هروبًا من العالم، لكنها كانت موقفًا أخلاقيًا وجماليًا في مواجهة المادية الحديثة التي حوّلت الأرض إلى سلعةٍ تُستنزف. فقد نبهت دوفال مبكرًا إلى خطورة الإنسان الذي ينسى أنه جزء من الطبيعة، فتتحول قوته إلى تدميرٍ لا خلاص فيه. في رؤيتها، إن “الزهد الحقيقي” لا يتحقق في الأديرة بل في الحقول، وإن التأمل لا يحتاج معبدًا بل لحظة صمتٍ أمام شجرةٍ تميل للريح.

هكذا قدّمت دوفال شعرًا يُعيد إلينا معنى الإيمان النقي، أي أن يكون الإنسان مسؤولًا عن الجمال الذي حوله، وأن يرى في الطبيعة وجهًا حقيقيًا للإله.

خاتمة

في نهاية هذا التأمل في تجربة الشاعرة البريتونية أنجيلا دوفال، يمكن القول إننا أمام نموذجٍ شعريٍّ وإنسانيٍّ استثنائيٍّ استطاع أن يخلق من الهامش الريفي فضاءً كونيًا للرؤية والتفكير. فهذه الشاعرة التي لم تعرف الشهرة أو الاعتراف المؤسسي في حياتها، حولت عزلتها إلى مختبرٍ روحيٍّ وجماليٍّ أعاد تعريف معنى الشعر ذاته بكونه فعلَ معرفةٍ واتحادٍ مع الوجود. لم تكن قصيدتها شكوى ولا حنينًا ساذجًا إلى الماضي، كانت بحثًا متواصلًا عن معنى الانسجام بين الكائن والطبيعة، بين اللغة والحياة، بين الإنسان والمطلق.

لقد منحت دوفال صوتًا لتربةٍ صامتةٍ، ورفعت من شأن اللغة البريتونية التي أرادت السلطة الفرنسية أن تبقيها لهجةً منقرضة، فأثبتت أنها لغة قادرة على حمل الفكر والشعر والفلسفة. وهكذا تحوّل شعرها إلى أرشيفٍ وجدانيٍّ للهوية الريفية البريتونية، لم تروّج لنفسها كبطلة ولا كرمزٍ سياسي، فلقد دعت إلى المصالحة بين الثقافات، وإلى الإصغاء العميق لأصوات الأرض التي تحمل في صمتها حكمة الأبدية.

وفي زمنٍ طغت فيه النزعات الاستهلاكية والمركزية اللغوية، تمثّل قصائد دوفال ودفاترها الشعرية ضميرًا أخلاقيًا وشاعريًا نادرًا؛ فقد رفضت الانخداع بالحداثة الفارغة، وآمنت بأن خلاص الإنسان لا يتحقق في المدن المزدحمة، بل في العودة الصادقة إلى الجذر، إلى الوعي البسيط الذي يرى في كل نبتةٍ أو قطرة مطر سرَّ الخلق بأكمله. كانت تمارس الشعر كما تمارس الصلاة، وترى في الكتابة استمرارًا لعملية الحراثة نفسها: حراثة الوعي واللغة والروح.

إن إرث دوفال اليوم ماثل في أكثر من أربعين دفترًا بخط يدها، يحتوي كلٌّ منها على مئات الصفحات، ومتوافرٌ مجانًا على موقعٍ مخصصٍ لإبداعها. كما أصدرت جمعية أصدقاء دوفال مجموعتها الكاملة وتواصل نشاطاتها للحفاظ على تراثها الإبداعي.

 لم تكن أنجيلا دوفال مجرد “شاعرة شعبية”، لكنها مبدعة صاحبة موقفٍ من العالم، أعادت الاعتبار إلى الإنسان بوصفه كائنًا متجذرًا في الطبيعة، وإلى القصيدة بوصفها بيتًا للصفاء الإنساني. ومن خلال هذا الصمت النوراني الذي تركته كلماتها، يظل صوتها شاهدًا على أن الشعر الحقيقي قادرٌ على إنقاذ ما تبقّى من جمال الأرض وكرامة الإنسان..

 

موقع الشاعرة يضم موادا مهمة

https://www.anjela.org/

 

 

 

 

حميد عقبي

14 مقال
كاتب وناقد، فنان تشكيلي ومخرج سينمائي ومسرحي يمني مقيم في باريس. يعمل منذ سنوات على مشروع متعدد الحقول يدمج بين…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع