ما تساقط من العالم

مريم الخطيب

 مريم الخطيب

لم تكن هناك جثّة.

كان البحر فقط ينقص كل ليلة

بمقدار  اسم.

 

في الصباح،

كانت النساء يخرجن إلى الشرفات

ويعدن أصابعهنّ،

وكانت النوافذ تلد نوافذ أصغر،

وكانت البلاد، في مكانٍ ما،

تخلع جلدها وتعلّقه على حبلٍ طويل

كي يجفّ من التاريخ.

 

لم أكن هناك.

 

أو ربما كنتُ الشيءَ الذي تركته البلاد

حين غادرت.

 

منذ ذلك الحين،

وأنا أضع أذني على الجدران

لأسمع ما تقوله الغرف

حين يخرج منها أحد.

 

للغياب صوتٌ يشبه الماء

حين يُسكب في بئرٍ مسدودة،

وللانتظار عظامٌ دقيقة

تنمو تحت الأظافر،

وللأشياء التي لا تحدث

مقابرُ أكبر من المدن.

 

ذات مساء،

وجدتُ في جيب معطفي

مفتاحًا لا يفتح شيئًا،

لكنّ كل الأبواب في العالم

أصدرت صوتًا خافتًا

حين لمستُه.

 

احتفظتُ به.

 

منذ ذلك اليوم،

تغيّر اتجاه المطر،

وصارت الطيور تعبر السماء

من دون أن تحمل أجسادها معها،

وصار القمر يظهر في الصور

واقفًا خلف كتفي

كموظفٍ حكوميّ

جاء ليبلّغني أنني موجودة

على نحوٍ غير قانوني.

 

في المرآة،

كانت امرأةٌ أخرى

تقلّم أظافر الليل.

 

سألتُها عن وجهي،

فأشارت إلى مكانٍ بعيد

حيث كانت شجرةٌ تحترق

دون أن ينقص منها غصن.

 

قالت:

كلّ ما لم تلمسيه

ترك أثرًا على يديك.

 

لم أفهم.

 

خرجتُ إلى الشارع

فوجدتُ الناس يحملون رؤوسهم

كما تُحمل الفاكهة من السوق،

وكان رجلٌ يبيع ساعاتٍ بلا عقارب

ويصرخ:

الوقت الأصلي،

الوقت الأصلي،

مَن يشتري دقيقةً لم يعشها؟

 

اشتريتُ واحدة.

 

وضعتها تحت لساني

فأزهرت.

 

ومنذ ذلك الحين،

كلما حاولتُ الكلام

خرجت من فمي فراشةٌ سوداء

تطير مسافةً قصيرة

ثم تعود إلى صدري

لتكمل احتراقها.

لا أحد يلاحظ ذلك.

 

الناس مشغولون بتسمية الأشياء،

بإقناع الأبواب أنها أبواب،

وبتثبيت الأرض تحت أقدامهم

كي لا يتذكّروا

أنها كانت يومًا

سمكةً هائلة

تحلم بأن تتخلّص من الماء.

 

أما أنا،

فأجمع الأشياء التي تسقط من العالم:

زرًّا من قميص الغروب،

سنًّا من فم الشتاء،

ريشةً من جناح المسافة،

وقليلًا من الغبار

الذي يتكوّن حين يفكّر شخصان

في الشيء نفسه

دون أن يعرف أحدهما

أن الآخر يفكّر.

 

أخبّئها في علبة معدنية

وأدفنها تحت السرير.

 

لا أريد أن أكتشفها.

 

أخشى أن أفتح العلبة يومًا

فأجد العالم كلّه في الداخل،

صغيرًا،

مبلّلًا،

ويرتجف.

 

وأخشى أكثر

أن أجدها فارغة.

 

لأنني عندها

سأضطرّ إلى الاعتراف

بأنّ شيئًا ما مرّ من هنا،

وأنّ كل هذه الخرائط،

وكل هذه الأبواب،

وكل هذا الملح الذي ينقص البحر،

 

لم تكن سوى طريقة الأرض

في إخفاء

ما لا تستطيع النجاة منه.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع