مروان ياسين الدليمي
1
كلما تقدمت في العمر
أشعر أن الحياة تفقد أسنانها.
تبتسم لي بثغرٍ فارغ
كأنها عجوز
تتظاهر بأنها ما زالت قادرة على مضغ أحلامي.
أمشي خلفها
وأنا أراقب ظلالها
وهي تتسكع على الجدران
مثل قططٍ ضلّت طريق العودة.
في الصباح
تصعد الشمس الدرج ببطء
تلهث
تتكئ على الغيوم
كأنها تبحث عن مقعدٍ شاغر في مقهى السماء.
اسمعها تقول لي
بصوتٍ يشبه تفتت الرمل تحت الأقدام:
“لا تصدق ضوئي
أنا مجرد ذكرى مضيئة ليومٍ لم يحدث.”
كل شيء هنا يمتلك رغبة خفيّة.
الكرسي يتنفس بعمق
يحاول أن يخفي تعب الخشب.
النافذة ترتجف
كمن تتهيأ للاعتراف بخطأٍ
ارتكبته
الليلة الماضية.
قدح الماء يحدِّق بي
يسألني عن معنى العطش
وكأنه لم يقضِ عمره كلّه في فهمه.
ذاكرتي كلب عجوز
يخلط رائحة الأمس بتراب اليوم.
ينسى
ثم يتذكر
ثم ينسى من جديد
كأن النسيان ريحٌ تهزه بخفة ليبقى مستيقظا.
أشياء كثيرة تحاول أن تعلمني السخرية:
الحائط الذي يتقشر رغم وعود الطلاء
الساعة التي تدّعي أنها تملك الوقت
والمدينة التي تضيعني
كلما حاولت أن أعثر عليها.
أتذكر وجوها لا أعرفها.
أراكِ تمشين بين الأزهار
والأزهار
تبتسم لكِ وتسألني، بفضولٍ طفولي:
“لماذا لا تحب الحياة ؟ “
أصمت.
فالإجابة لا تزال تبحث عن نفسها
في ممرات رأسي
تماما كما أبحث أنا
عن جدوى يومٍ يبدأ كل مرة
كأنه يتنفس أول مرة.
2
كلما تقدمت في العمر
أسمع حياتي تسعل.
سعالٌ خفيف أولا
ثم طويل
كأن الأيام تراكم غبارها في رئتي
وتطلب مني
أن أشاركها هذا الاختناق برحابة صدر.
في الطريق
تمر الريح بجانبي
تضع يدها على كتفي
كصديقة عجوز
تعرف أنني أكذب حين أقول إنني بخير.
تهز رأسها
وتضحك ضحكة باردة
تسقط منها أوراقٌ صفراء
تشبه فواتير لم أدفعها للعالم بعد.
أجلس في المقهى ذاته.
الطاولة تعرفني من ارتجاف يدي
والنادل يحفظ حزني
كما يحفظ قائمة المشروبات.
القدح يملّ الانتظارفيندفع نحو شفتيّ
كأنه يريد أن يشربني .
الذاكرة تعمل بنظامٍ غريب:
تعطيني نصف وجه
ونصف رائحة
ثم تتركني أُكمل الباقي بتخميناتٍ
تصنع من الماضي بيتا
بلا أبواب.
أما النسيان
فيطل عليّ برأسه القصير
مثل صبي يقرع الجرس ويفرّ
يتركني أضحك
رغم التعب.
المتناقضات تسير معي
خطوة بخطوة:
أحزن
لكنني أبتسم كي لا أجرح الهواء
أضيع
لكنني أعرف الطريق حين أُغلق عيني
أتعب
لكنني أُناقش التعب
كأنه موظفٌ يمكن التفاوض معه.
في السماء
يتحرك غيم داكن
كالغضب الذي نسي من أين بدأ.
يمر فوقي
يحدق بي
ثم ينزل نقطة مطرٍ واحدة
كما لو أنه يريد أن يقول:
” لا تأخذ الأمر على محمل الجد.
حتى العاصفة تفهم السخرية “.
أراقب الناس وهم يعبرون الشارع:
كل واحدٍ يحمل سرا أكبر من خطوته
كأن قلوبهم صناديق بريد لا تصلها الرسائل أبدا.
أفكر:
هل يشعرون مثلي
بأن الحياة تمارس علينا لعبةً ثقيلة
نصفها جاذبية
ونصفها سوء فهم؟ .
ورغم ذلك
أشعر أنني ملزم بمتابعة هذا السير
لا بطاعة الجسد
بل بإصرار الظل
الذي يخاف أن يختفي
إن توقفت أنا.
3
كلما تقدمت في العمر
أشعر أن الحياة تتثاءب أمامي.
تفتح فمها الواسع
وتبتلع جزءا من طاقتي
ثم تعتذر بكسلٍ مهذب
وتقول
إنها لم تعد تتحكم في ردود فعلها.
أمشي في شوارع تزداد غرابة كل يوم.
الأسفلت يئن تحت خطاي
كأنه يحاول ن يخبرني بأن الأرض أيضا
بدأت تشعر بعدم جدوى المشي.
أعمدة الإنارة تحني رؤوسها
تضيء نصف الحقيقة
وتترك النصف الآخر يتعلم الظلمة بمفرده.
أفتح الباب فأسمع صريره
كأنه يحاول أن يقنعني بالعودة إلى الخارج
إلى ضجيجٍ يعرف كيف يخفي خوفي.
لكنني أدخل
أجلس
وأستمع لصوت الغرفة
وهي ترتب أفكاري
كما ترتب أمٌّ شعر طفلٍ يستعد للنوم.
الذاكرة تتغير هنا:
تصبح شجرة بلا جذور
تعيش فقط بما تمنحه الريح.
تعطيني حلما ناقصا
وتعيد لي يوما لم أحضره
ثم تترك على يديّ
روائح أشخاصٍ
لا أعرف إن كانوا مرّوا حقا
أو اخترعتهم من أجل أن لا أبقى وحيدا.
النسيان ينمو
مثل قطٍ هادئ
يدفن مخالبه في صدري
ثم يغفو.
وحين أحاول أن أُزيله
ينظر إليّ بعينين متعبتين
كأنهما تقولان:
” أتركني لحظة أخرى،
أنا الجزء الوحيد الذي لا يريد أذيتك “.
اتأمل العالم.
الواقع يسير كموكبٍ رسمي
خطوات ثابتة
أعلام مرتفعة
لكنني أسمع في الداخل
ضحكاتٍ خفية
تسخر من كل هذا الانضباط.
أمّا ذاتي
فهي تتسلل من الصَّف
تجلس على الرصيف
وترسم على الأرض خطوطا
لا تعني شيئا إلاّ بالنسبة لها.
التاريخ أيضا يمرّ.
يمسك بذراعي
يطلب مني أن أستمع
يقصّ عليّ قصصا عن أناس
ظنوا أنهم فهموا الحياة
ثم اكتشفوا في النهاية
أنها كانت تضحك عليهم من وراء الستار.
وفي كل هذا الخليط
أشعر بأنني ما زلت هنا
أكتب
أتنفس
أسخر قليلا من حزني
كي يقتنع أنه ليس بهذا الحجم.
أعثر على معنى صغير
في زاوية يومٍ كبير
ثم أضيفه إلى صندوقي الطيني
حيث أخزن ما تبقى من الأيام التي لم أفهمها بعد.
هكذا تظهر الجدوى أحيانا
كظلٍّ يمرّ بلا موعد
يضع يده على كتفي
ثم يكمل طريقه
من دون أن يلتفت.









