يولاندا جواردي
ترجمة: دينا الحمامي
بحكم سني ومهنتي، فإنني قرأتُ وما زلتُ أقرأ أغلب الروايات العربية التي تترجم إلى اللغة الإيطالية. لذلك فأنا قارئة صبورة ومثابرة، وأعي أن في بعض الأوقات قد أقابل روايةً مكتوبةً بشكلٍ جيد، وتروي قصةً جميلةً أيضًا، إلا أنها لا تسحرني كثيرًا، لأنني أشعر وكأنني قد قرأتُ شيئًا مماثلًا لها من قبل. ثم، وبشكل مفاجئ، أقرأ روايةً أصيلةً حقًا، غنيةً بالمعاني، ومبتكرة في أسلوبها، كما هو الحال مع “ماكيت القاهرة”.
كان واضحًا بالفعل، من خلال أعماله الأخرى، مثل روايتي “هدوء القتلة”، و”الأرملة تكتب الخطابات سرًا” وهما أيضًا منشورتان بالإيطالية بترجمة باربارا بينيني، أن طارق إمام كاتبٌ خليق بالمتابعة، لكن مع هذه الرواية، شديدة التكثيف، والتي تُقرأ دفعةً واحدةً، لأنه من المستحيل الانفصال عنها أثناء القراءة، يقدم لنا -حسبما أرى- عملًا يمثل نضج كاتبٍ طليعي، ويبرهن أن تفكيك النمط الكلاسيكي للرواية، والذي بدأ في القرن العشرين، لا يزال حيًا ونابضًا، وأن الكتاب العرب يتقنونه ببراعة لافتة.
تُقدم رواية “ماكيت القاهرة” عبر ثلاثة مسارات متوازية، تتبع ثلاث شخصيات ترتبط كل منها بطريقتها الخاصة بعملية الخلق الفني؛ فنان جداريات، وصانع نماذج معمارية مصغرة، ومصورة فوتوغرافية، كما أن هناك ثلاثة مستويات زمنية؛ 2010، 2020، 2045، بينما يظل الفضاء الزماني واحدًا: مدينة القاهرة.
تتطور المروية في مسار يخلط باستمرار بين الواقع والتخييل، وتدور أحداثها في مكانٍ واحد يضم كل الأمكنة وهو “جاليري شغل كايرو”.
صرح المؤلف في إحدى المقابلات أن عملية كتابة الرواية استغرقت عشر سنوات، وكان يهدف أن يشير إلى ثورة 2011 لا من منظورٍ سياسي، بل من منظورٍ جمالي –على حد قوله- يتجسد في مدينة القاهرة، التي أعاد اكتشافها والتعرف إليها بعمقٍ أكبر خلال أيام الثورة نفسها، وهكذا فإن “ماكيت القاهرة” هي قبل كل شيء تحية لمدينته، ولتعددها وثرائها، وهو ما يتجلى في تنوع اللغات والأساليب داخل الرواية، والتي تنعكس بدورها في المسارات الفنية والحياتية المختلفة لشخصياتها.
لكن ثمة سؤال يلحُ على القارئ طوال النص، هل تدرك هذه الشخصيات أنها تعيش داخل عمل متخيل؟ أم أنها تعيش حياتها على نحوٍ زائفٍ، وأنها ليست إلا نتاج لعملية خلق يقوم بها “خالق” خفي؟ ويظل هذا المظهر حاضرًا باستمرار عبر شخصية “المسز” التي تحرك الخطوط، وعلى القارئ أن يقرر من تكون أو ماذا تمثل، وكذلك عبر وجود كتاب يتغير محتواه بحسب من يقرأه، لأنه يروي قصة قارئه نفسه.
إننا إذن أمام سردية فلسفية تأملية حول مفهوم الواقع وتمثيله، تذكرني إلى حدٍ ما بفيلم The Truman Show غير أنه لا يوجد هنا حلٌ نهائي، ولا خروج من المشهد إلى الواقع.
كما تذكرني الرواية أيضًا بسبب حضور الكتاب الذي يروي قصة قارئه بكاتبٍ عربي آخر، لكنه شاعرٌ هذه المرة، وهو رائد وحش، والذي يحكي في مجموعته الشعرية “كتاب الذاهبين” عن كتابٍ آخر يروي قصة من يقرأه، لكن وحسبما ورد في الكتاب: “الشيء المزعج هو أن من قرأ قصته، أغلقه فورًا وقد استبد به الذهول مما اكتشفه، فلم تعد لديه الرغبة في معرفة المزيد”، الفقرة الأخيرة من المجموعة الشعرية “كتاب الذاهبين” صفحة 49، وتُعد كتابًا جديرًا بالقراءة.
………………………….
*الكتاب من تأليف طارق إمام وترجمة باربارا بينيني















